اكتشف فريق من الباحثين أن نوعين من خلايا الدماغ يؤديان دورًا رئيسيًّا في تقسيم التجربة البشرية المستمرة إلى أجزاء مميزة يمكن تذكُّرها لاحقًا.

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر نيوروساينس" (Nature Neuroscience)، فإن "هذا الاكتشاف يمنح أملًا جديدًا لتطوير علاجات لاضطرابات الذاكرة، مثل الخرف ومرض ألزهايمر"، لكن ماذا يعني "تقسيم التجربة البشرية"؟

يشير "أولي روتيشوزر" -أستاذ جراحة الأعصاب والعلوم الطبية الحيوية في مستشفى "سيدر-سيناي" الأمريكية، والمؤلف الأول للدراسة- إلى أن الخلايا الموجودة في دماغ الإنسان تنشط حين يحدث حدٌّ معرفي.

يقول "روتيشوزر" في تصريحات لـ"للعلم": حين تنتقل من المكتب إلى حفل عشاء تتكون الذكريات في حلقتين منفصلتين، وأحد الجوانب الحاسمة لنظام الذاكرة لدينا يتمثل في تحديد متى تبدأ الحلقة ومتى تنتهي، وتُمثِّل كل حلقة حدودًا معرفيةً مع الحلقات التي تسبقها والتي تليها.

حدد الباحثون ركيزةً عصبيةً يُفترض أنها يكتشفها الدماغ عند حدوث الحد المعرفي، وبالتالي يحدث البدء في تشكيل حلقة جديدة في الذاكرة.

وتوضح الدراسة أن التجربة البشرية مستمرة، لكن علماء النفس يعتقدون -بناءً على ملاحظة سلوك الناس- أن الدماغ يقسم الذكريات إلى أحداث مميزة، وهو مفهوم يُعرف باسم تجزئة الأحداث، ومن خلال العمل مع 19 مريضًا يعانون من مرض الصرع المقاوم للأدوية، تمكَّن الفريق العلمي من دراسة كيفية أداء الخلايا العصبية خلال هذه العملية.

تم إدخال أقطاب كهربائية جراحيًّا في أدمغة المرضى المشاركين في الدراسة للمساعدة في تحديد موضع نوبات الصرع لديهم، مما يتيح للباحثين تسجيل نشاط الخلايا العصبية الفردية بينما يشاهد المرضى مقاطع فيلم تتضمن حدودًا معرفية، ولأغراض البحث، ركز الباحثون على الحدود "الصلبة" و"الناعمة".

ومن الأمثلة على الحدود الناعمة عرض مشهد لشخصين يسيران في الردهة ويتحدثان، وفي المشهد التالي ينضم إليهما شخص ثالث، لكنه لا يزال جزءًا من السرد العام نفسه، أما الحدود الصلبة، فيتضمن المشهد الثاني مجموعةً مختلفةً تمامًا من الأشخاص يركبون سيارة.

وعندما شاهد المشاركون في الدراسة مقاطع من الأفلام، لاحظ الباحثون أن بعض الخلايا العصبية في الدماغ -والتي أطلقوا عليها اسم "الخلايا الحدودية"- زاد نشاطها بعد الحدود الصلبة واللينة، في حين زاد نشاط مجموعة أخرى من الخلايا العصبية تسمى "خلايا الحدث" استجابةً للحدود الصلبة فقط.

وضع الباحثون نظريةً مفادها أن نشاط الخلايا الحدودية وخلايا الحدث يرسل إشارات إلى الدماغ لبدء حلقة جديدة من الذاكرة، ولاستعادة الذكريات، يستخدم الدماغ القمم الحدودية التي يُسميها الباحثون "المراسي المتخصصة في السفر الذهني عبر الزمن لاسترجاع الذكريات"، فعندما تحاول تذكُّر شيء ما، تنشط خلايا المخ، ثم يقارن نظام الذاكرة هذا النمط من النشاط بجميع القمم الحدودية السابقة، وإذا ما عثر على قمة مشابهة يبدأ في تذكُّر الحدث.

لاختبار نظريتهم، أجرى الباحثون على المشاركين في الدراسة اختبارين للذاكرة؛ إذ عرضوا على المشاركين في البداية سلسلةً من الصور الثابتة وسألوهم عما إذا كانوا قد رأوها في مقاطع الفيلم التي شاهدوها أم لا، وكان المشاركون في الدراسة أكثر احتماليةً لتذكُّر الصور التي اتبعت الحدود الصلبة أو الناعمة عن كثب.

كما أظهر المحققون للمشاركين أزواجًا من الصور من مقاطع الفيلم التي شاهدوها، وسألوا عن أي من الصور ظهر أولًا، واجه المشاركون صعوبةً في تذكُّر الترتيب الصحيح للصور التي ظهرت على جوانب متقابلة من حدود صلبة، ربما لأن الدماغ قد قسَّم تلك الصور في أماكن منفصلة من الذاكرة.

ويقول الباحثون، الذين عملوا على تلك الدراسة لمدة أربع سنوات كاملة: إن العلاجات التي تحسِّن تجزئة الأحداث يمكن أن تساعد المرضى الذين يعانون من اضطرابات الذاكرة.

لكن هل يُمكن استخدام تلك النتائج "لمحو" الذكريات السيئة، وخاصةً فيما يتعلق باضطرابات ما بعد الصدمة؟ يقول "روتيشوزر": ركزت الدراسة على تكوين الذكريات وليس محوها، لقد سعى الباحثون إلى فك رموز البيولوجيا الأساسية للذاكرة البشرية، لكن ربما نتمكن من تطوير علاجات جديدة لذلك النوع من الاضطرابات في النهاية، ونأمل أن تساعد نتائج البحث في كشف أسرار تكوين الذكريات.