بعد عَقدين من العمل المتواصل، تقاسم الأمريكي جيمس أليسون، من مركز "إم دي" أندرسون للسرطان في هيوستن، تكساس، جائزة نوبل للطب لعام 2018، مع الياباني تسوكو هونجو من جامعة كيوتو في اليابان؛ لابتكارهما طريقةً جديدةً لعلاج السرطان، تعتمد على توظيف بروتينات موجودة على الخلايا المناعية تدفعها إلى مهاجمة الأورام الخبيثة والقضاء عليها.

جاءت الجائزة تتويجًا لسنوات من العمل المضني، بدأت منذ عام 1997، وقطع خلالها العلاج المناعي أشواطًا مهمة، وأثمر عن تطوير علاجات للسرطان قضت على بعض السرطانات في مراحلها المتقدمة، حتى أصبح هذا النهج أحد أكثر المجالات إثارةً وأهميةً في بحوث السرطان.

وفي خضم الإعلان عن نوبل للطب لعام 2018، كان البروفيسور صموئيل باخوم وزملاؤه بمركز ميموريال سلون كيترينج للسرطان في نيويورك قد بدأوا للتو دراستهم التي تركزت على نقطة مثيرة لا تزال تمثل لغزًا يبحث عن إجابة: لماذا تستجيب بعض السرطانات للعلاجات المناعية، في حين لا تستجيب أخرى؟ وما الآلية التي تسلكها تلك الأورام للتهرُّب من هذا النوع من العلاج؟

اكتشف باخوم وزملاؤه في دراستهم التي نُشرت في العدد الأخير من دورية كانسر ديسكفري (Cancer Discovery) أن السبب يعود جزئيًّا إلى وجود جزيء يسمى (ENPP1) موجود على السطح الخارجي للخلايا السرطانية، يعمل على خداع الجهاز المناعي وتثبيطه، وبذلك تتمكن الخلايا السرطانية من الهروب من الدفاعات المناعية.

يقول "باخوم" في حديث لـ"للعلم": "نحن متحمسون بشكل أساسي لاستهداف جزيء (ENPP1)؛ لأنه يتم التعبير عنه بشكل أساسي في الخلايا السرطانية حينما تكون في حالة "عدم الاستقرار الصبغي"، إذ تُظهر استجابةً ضعيفةً للعلاج المناعي، ويكون لديها ميل كبير إلى الهجرة والانتشار إلى أعضاء أخرى من الجسم بعيدة عن العضو المصاب، وهي عملية تُعرف باسم "النقائل" (Metastasis).

وتتسبب الخلايا السرطانية في نشر ما يُطلق عليه "الفوضى الجينية" genetic chaos؛ فعندما تنقسم الخلايا السرطانية، يمكن أن تتضاعف أجزاء الحمض النووي أو حتى الكروموسومات الكاملة أو تحدث فيها طفرات أو تفقد تمامًا، وهذا ما يسمى عدم استقرار الكروموسومات (عدم الاستقرار الصبغي)، وقد توصل علماء مركز ميموريال سلون كيترينج للسرطان، إلى أن تلك الفوضى ترتبط بمدى عدوانية الورم السرطاني؛ فكلما كانت الكروموسومات غير مستقرة، زاد احتمال أن تذهب أجزاء من الحمض النووي إلى مواضع أخرى بالخلية خلاف تلك التى يُفترض أن توجد فيها: خارج النواة المركزية للخلية، حيث تطفو في مادة السيتوبلازم، وهو جزء من مادة الخلية يقع بين الغشاء الخلوي ونواة الخلية.

عدم الاستقرار الجينومي

 يواجه الجسم عدم الاستقرار الصبغي بتفاعُل مناعي، إذ تفسر الخلايا هذه الأجزاء الهاربة من الحمض النووي كدليل على هجوم فيروسي، وهذا يدفع إلى إطلاق أجراس الإنذار الداخلية ويؤدي إلى الالتهاب كرد فعل مناعي لمواجهة الهجوم، إذ تنتقل الخلايا المناعية إلى موقع الورم، وتنتج موادَّ كيميائية دفاعية، لكن اللغز المُحيّر أن هذا التجاوب المناعي لا يؤدي إلى تدمير الخلايا السرطانية، يقول "باخوم": "لم نفهم حقًّا كيف تمكنت الخلايا السرطانية من البقاء على قيد الحياة والازدهار في هذه البيئة الالتهابية".

ويتابع: "لقد أظهرنا مؤخرًا أن عدم الاستقرار الصبغي يولِّد التهابًا مزمنًا مرتبطًا بنتائج سيئة، ومع ذلك، فمن المعروف أن الالتهاب يمكنه أيضًا تنشيط الاستجابات المناعية المضادة للورم، وهذا ما دفعنا إلى التساؤل عن كيفية تعامُل الخلايا السرطانية مع هذا اللغز".

وهنا يبرز دور إنزيم (ENPP1)، إذ يشير "باخوم" إلى أن هذا الإنزيم يمكّن الخلايا السرطانية التي تعاني عدم الاستقرار الصبغي من خداع الجهاز المناعي الطبيعي والخلايا الطبيعية الأخرى الموجودة في البيئة الدقيقة للورم، ويحوّل ما يمكن أن يكون مسارًا تحفيزيًّا للمناعة إلى مسار مُثبِّط للمناعة، مؤكدًا ذلك بقوله: "إنه يحجب الخلايا السرطانية لتمكينها من الهروب من الهجوم المناعي، أي أنه يحوّل جهاز المناعة من عدوٍّ لها إلى صديق".

ويواصل: "نحن نعتبرها آليةً مهمةً تمكّن الخلايا السرطانية من الاستمرار مع كميات كبيرة من عدم الاستقرار الكروموسومي الذي يدفع إلى هروب النقائل السرطانية من الاستجابة المناعية وتعطيل العلاج المناعي عن إثارة الاستجابة المناعية، لذا فإن استهداف (ENPP1) سيمثل نقطة الضعف الوحيدة في السرطانات، والأهم من ذلك أنه سيكون "نهجًا انتقائيًّا" لاستهداف الخلايا السرطانية وتجنُّب الخلايا الطبيعية التي لا تُظهر عدم الاستقرار الصبغي".

نظام إنذار مناعي

وعن الآلية التي تنذر الجهاز المناعي بوجود هجوم فيروسي أو عدم استقرار صبغي ناجم عن ورم سرطاني، دَرَسَ البروفيسور "باخوم" نظام إنذار يطلق عليه (cGAS-STING)، ينطلق عندما يهبط الحمض النووي من فيروس أو كروموسوم سرطاني غير مستقر في سيتوبلازم الخلية، فيرتبط مع (cGAS)، مكونًا جزيئًا مركبًا يسمى (cGAMP)، ويعمل كإشارة تحذير داخل الخلية تعمل على تنشيط استجابة مناعية لبروتين يسمى (STING)؛ لردع الغزو الفيروسي المحتمل بشكل فوري.

وينتقل جزء كبير من (cGAMP) أيضًا خارج الخلية، حيث يعمل كإشارة تحذير للخلايا المناعية المجاورة، وينشط هذا المسار الرادع ويطلق العنان لهجوم مناعي ضد الخلية المصابة بالفيروس.

ولكن أبحاثًا سابقة أُجريت بمختبر "باخوم" أظهرت أن إشارات (cGAS-STING) داخل الخلايا السرطانية تجعلها تتبنى ميزات الخلايا المناعية في القدرة على الزحف والهجرة، ما يزيد قدرتها على الانتشار، ليقدم لنا جزءًا من الإجابة عن السؤال المتعلق بكيفية نجاة الخلايا السرطانية من الالتهاب ومساعدة الورم الخبيث في هذه العملية.

وقد كشفت الدراسة الجديدة كيف تتعامل الخلايا السرطانية مع الإشارات التحذيرية التي تنشط إطلاق (cGAS-STING)، إذ يبرز دور بروتين (ENPP1) الذي يغلف الخلايا السرطانية، والشبيه بالمقص؛ فيقوم بتقطيع الإشارات التحذيرية وكبح الاستجابة المناعية، ما يوفر طريقةً ثانيةً يمكن للخلايا السرطانية من خلالها إحباط خطر تدميرها عبر المناعة.

وبشكل أوضح، عندما يجد (cGAMP) طريقه خارج الخلية، يقوم إنزيم (ENPP1) بتقطيعه، مانعًا الإشارة التحذيرية من الوصول إلى الخلايا المناعية، في الوقت ذاته، تطلق تلك العملية جزيئًا مثبطًا للمناعة يسمى "الأدينوزين" (Adenosine)، يعمل أيضًا على إخماد الالتهاب الناجم عن عدم الاستقرار الصبغي.

وعبر مجموعة من التجارب التي أُجريت على نماذج الفئران المصابة بسرطانات الثدي والرئة والقولون والمستقيم، أظهر "باخوم" وزملاؤه أن (ENPP1) يعمل كمفتاح تحكم لقمع المناعة، ويؤدي تشغيله إلى تثبيط الاستجابات المناعية ويزيد من النقائل السرطانية، أما كبحه فيقود إلى تفعيل دور الاستجابات المناعية وتقليل هجرة الخلايا السرطانية.

لم يكتفِ فريق البحث بفئران التجارب، بل درسوا أيضًا إنزيم (ENPP1) في عينات من السرطانات البشرية، ووجدوا أن التعبير الزائد لهذا الإنزيم ارتبط بزيادة هجرة الخلايا السرطانية ومقاومة للعلاج المناعي.

علاج فعّال

وعن أهمية نتائج الدراسة، قال "باخوم": إن هناك فائدتين أساسيتين، الأولى أن الدراسة تقدم تفسيرًا بيولوجيًّا لظاهرة عرفنا عنها منذ فترة، وهي أن الخلايا السرطانية المصابة بعدم الاستقرار الصبغي شديدة المقاومة للعلاجات المناعية، ولديها قدرة على التهرُّب من جهاز المناعة، والأخيرة، أنها تحدد هدفًا جديدًا يمكننا من خلاله تطوير أدوية لايقاف قدرة السرطان على التكيف مع الالتهاب الناجم عن عدم الاستقرار الصبغي.

ومن منظور علاجي، ربما تكون النتيجة الأكثر بروزًا للدراسة هي أن إيقاف تشغيل (ENPP1) يمكن أن يزيد من حساسية العديد من أنواع السرطان المختلفة لأدوية العلاج المناعي، إذ أثبتت الدراسة أن هذا النهج كان فعالًا في نماذج الفئران المصابة بالسرطان.

ويؤدي استهداف (ENPP1) إلى كبح السرطان بطريقتين منفصلتين، تقوم الأولى على زيادة مستويات (cGAMP) خارج الخلايا السرطانية، ما ينشط بروتين (STING) في الخلايا المناعية المجاورة، بينما تمنع أيضًا إنتاج "الأدينوزين" المثبط للمناعة، وبذلك "نضرب عصفورين بحجر واحد"، وفقًا لـ"باخوم".

من جانبه، أثنى محمد شعبان -باحث الدراسات العليا في قسم الكيمياء الحيوية والبيولوجيا الخلوية بجامعة ستوني بروك الأمريكية- على النتائج التي توصل إليها الفريق، وخاصةً فيما يتعلق بكشف الآلية المتعلقة بهجرة الخلايا السرطانية، والدور الذي يؤديه بروتين (ENPP1) في مقاومة السرطان للعلاج.

وأضاف في حديث لـ"للعلم"، أن هناك 10 علامات مميزة للسرطان، أبرزها عدم الاستقرار الجينومي؛ لأن الطبيعي أن الحمض النووي (DNA) لا يوجد في سيتوبلازم الخلية، ووجوده يشير إلى خلل أو عدم ثبات للجينات، وهذه الحالة تتكرر أيضًا عندما يصيب فيروس معين خليةً داخل الجسم، ليستغلها في إعادة نسخ حمضه النووي إلى نسخ متعددة.

وأوضح أن هناك نقطتين أساسيتين: أُولاهما أن "عدم الاستقرار الصبغي" يتميز بوجود أنوية صغيرة تحتوي على أجزاء من الكروموسومات أو الصبغيات التالفة، وإذا تم رصد هذه الحالة، يمكن استهداف بروتين (ENPP1) بالأدوية التي تكبح نشاطه، وهذا يؤدي إلى زيادة الاستجابة المناعية، بالإضافة إلى وقف انتشار هجرة الخلايا السرطانية، وتابع أن النقطة الثانية هي النتائج التأكيدية للدراسة التي أثبتت أن كبح بروتين (ENPP1) زاد معدل بقاء الفئران المصابة بالسرطان على قيد الحياة، وخفّض من انتشار هجرة الخلايا، وتم تأكيد ذلك على خلايا بشرية مصابة بالسرطان، واللافت للنظر أن هذا النهج زاد من فاعلية الأدوية المناعية التي تعمل في هذا الاتجاه، ما يفتح الباب أمام زيادة فاعلية عشرات الأدوية المماثلة التي أقرت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية عددًا منها، لكن بعض حالات السرطان لم تكن تستجيب لها.

إضافة قوية

واتفقت معه شيماء يحيى، أستاذ مساعد بقسم الهرمونات بالشعبة الطبية في المركز القومي للبحوث، معتبرةً -في حديث لـ"للعلم"- أن نتائج الدراسة ممتازة وتقدم إضافةً قويةً في مجال أبحاث السرطان؛ لأنها تكشف معلومات جديدة عن الآلية التي تسلكها الخلايا السرطانية في التهرب من الاستجابة المناعية.

وأوضحت أن المادة الوراثية تنقسم بسرعة شديدة، ومكانها الطبيعي داخل نواة الخلية، لكنها عندما تنقسم ويزيد عددها تنتقل من خارج النواة إلى سيتوبلازم الخلية، وهذا مؤشر على ضرورة تحرُّك الاستجابة المناعية لمهاجمتها كما يحدث مع الفيروسات، وبالتالي التخلُّص منها، لكن ذلك في الواقع لا يحدث عادةً في حالة السرطان؛ لأن تلك الخلايا ذكية بما فيه الكفاية لخداع الاستجابة المناعية والهروب منها بمساعدة بروتين (ENPP1)، وفقًا لنتائج الدراسة.

وتابعت أن الباحثين أثبتوا أن النهج العلاجي القائم على استهداف هذا البروتين، عبر التقليل من التعبير عنه، يساعد في تفعيل الاستجابة المناعية لاستهداف الخلايا السرطانية وتدميرها، وهذه إضافة كبيرة تُسهم في تطوير أدوية تستهدف هذا البروتين، خاصةً أنه يسهل استهدافه؛ لأنه موجود على غلاف الخلية من الخارج.

واختتمت حديثها بأن أهمية هذه الدراسة تنبع من التركيز على نهج العلاج المناعي الذي يصنَّف بأنه الاتجاه الحديث لعلاج السرطان؛ لأنه ببساطة يهيئ الجهاز المناعي للتعرف على الخلايا السرطانية -على اعتبار أنها جزيئات فيروسية (Virus particles)ـ ويهاجمها ويدمرها.

لكن في المقابل، ورغم أهمية النتائج، هناك نقطة مهمة يجب الالتفات إليها، وفقًا لـ"شعبان"، وهي أن بروتين (ENPP1) يوجد بشكل طبيعي في الخلايا، ومن وظائفه "تمعدن" (Mineralization) العظام والغضاريف، وهي عملية طبيعية في دورة حياة العظام تتم فيها زيادة الكثافة العظمية، وذلك بملء خلايا العظام بمكونات غير عضوية مثل الكالسيوم والفوسفور بمستويات معينة تُكسبها الصلابة والقوة، ومن دون هذه النسبة من المعادن، فإن العظام تصاب بأمراض مثل هشاشة العظام، ما يجعلها عرضةً للكسر بسهولة.

لذا أشارت "شعبان" إلى أن الفريق يجب أن يأخذ في الاعتبار خلال أبحاثه المستقبلية الوقت والمقدار الأمثل لتثبيط (ENPP1) لتجنُّب الآثار الجانبية غير المرغوب فيها بسبب التثبيط المطول لـهذا البروتين، كي نسيطر على الإفراط في التعبير عن (ENPP1)، الذي يمكن أن يؤدي إلى الإفراط في الاستجابة المناعية وإطلاق مستويات زائدة من "الإنترفيرون"، أو يؤثر على الوظائف الطبيعية لهذا البروتين الذي يؤدي أدوارًا تنظيمية للحفاظ على صحة العظام والغضاريف وسلامتها.

أما "باخوم" فعقَّب بأنه يأمل أن يتم إجراء المرحلة الأولى من التجارب السريرية لمثبطات (ENPP1) في غضون عام، وبطبيعة الحال يعمل الفريق على إجراء مزيد من الأبحاث على الجرعة المُثلى لتثبيط هذا البروتين، دون التأثير على وظائفه الطبيعية، وهذه عملية طبيعية تحدث عند تطوير أدوية جديدة.