تمتلك الأرض تاريخًا حافلًا بكل أشكال الحياة، بدايةً من وحيدات الخلية ومرورًا بالقشريات ثم الأسماك ثم الزواحف ثم الديناصورات، وانتهاءً بالثدييات التي تتضمن فصيلنا البشريّ بأنواعه المختلفة.

لم نكن لنعرف عن هذه الحيوات سوى من عظام متحفرة مطمورة في الصخور، ولولا علم الحفريات (وهو العلم المنوط به دراسة بقايا الكائنات التي عاشت على الأرض في الأزمنة الغابرة) لتصورنا أن ماضي الأرض مجرد خلاء غارق في الظلمة، تتبدل عليه الشمس يومًا بعد يوم، ولَـما استطعنا فك شفرات العوالم الخفية للأزمنة السحيقة، حيث يختلف الزمان والمكان.

لا شك أن مشاهدة صور تخيلية أو نماذج ثلاثية الأبعاد لهذه الكائنات هي ضرب من ضروب المتعة الحقيقية، خيال رائع ممتزج بواقع حدث بالفعل، وحيث إن إمكانياتنا البحثية والعلمية في مجال الحفريات رسمت لنا صورةً واضحة المعالم استقرت في أذهاننا عن الديناصورات وغيرها من الحيوانات المنقرضة، فيا تُرى من أين جاءت هذه الصورة؟ وجميعنا يعلم أن الديناصورات نفسها عاشت وسادت الأرض -بل انقرضت أيضًا- قبل أن تطأ أقدام بشرية هذا الكوكب لتخبرنا عن شكلها أو البيئات التي عاشت بها، فتاريخ الحياة على الأرض مليء بكائنات لا نكاد نحصيها، حياة تعود إلى بلايين السنين، ونحن بني آدم لا يتعدَّى عمرنا الثلاثمئة ألف عام تقريبًا.

كيف تُحيا صور الحفريات من عظام رثة؟

كثيرًا ما يتبادر إلى أذهان القراء من غير المتخصصين تساؤل من نوع: من أين أتت لنا صور الحياة القديمة والكائنات المنقرضة، والأرض لم تترك لنا سوى حفريات متحجرة؟ فكل ما يعثر عليه عالم الحفريات بقايا عظمية.. قد تكون مكتملة بعض الشيء أو مجرد أجزاء صغيرة لا تفتقر فقط إلى الروح، بل تفتقر أيضًا إلى أدنى معايير الحياة التي توضح الصورة لنا. فإعادة إحياء كائنات العالم القديم لا تقتصر على علماء الحفريات فقط، بل هي مهمة فنانين علميين متخصصين في رسم الأحياء القديمة، حيث يعمل الفنان إلى جوار العالم في تكامل وانسجام لإعطاء الصورة النهائية للجمهور، ومهمة الفنان هنا ليست متروكةً لخياله وحسب، بل هناك معايير وآليات علمية مُتّبعة. يقول براين إنج، أحد الفنانين المتخصصين في رسم الكائنات المنقرضة: "يتطلب تصور كائن منقرض وإعادة هيكلته عدة خطوات، سواء كان هذا الكائن له أقارب يعيشون في وقتنا الحالي أم لا، ففي البداية لا بد من التحدث مع العالم المكتشَف كخطوة أولى حول الحفرية المكتشفة، وتعلُّم ما يمكن تعلُّمه من خلال الدراسة المباشرة للعينات بشكل جيد، مضيفًا أنه إذا كان للكائن أحفاد أو أقارب يعيشون بيننا اليوم فلا بد من دراسة تشريح الكائن والبيئة التي يعيش فيها، وقد يتطلب الأمر أحيانًا تشريح بعض الحيوانات الحية من أجل فهمٍ أفضل لبعض الأنسجة الرخوة والعضلات للكائن المنقرض، التي من النادر أو المستحيل تَحفُّرها، وفي النهاية أقوم بعمل عدة نماذج للتصور الأخير للكائن موضع البحث، ثم مناقشتها مع العالم لإبداء الرأي فيها".

credit: Mansoura University Vertebrate Paleontology center (MUVP)

قد يتطلب الأمر أحيانًا استخدام مجموعة من الحفريات للكائن نفسه من مواقع استكشافية مختلفة لاكتمال الصورة، وإذا لم يُتَح سوى نصف فقط، سواء الجزء الأيمن أم الأيسر، فهذا يكفي اعتمادًا على التماثل الثنائي للحيوانات الفقارية، أي تطابق النصفين الأيمن مع الأيسر. ليس هذا وحسب، فالنقلات النوعية فى التكنولوجيا أحدثت فارقًا كبيرًا في إعادة الهيكلة أو التصور التقريبي لشكل الكائنات المنقرضة، فعلى سبيل المثال أشعة إكس واستخدام الأشعة المقطعية وأيضًا الطابعات ثلاثية الأبعاد التي تُسهم بدورها إلى حدٍّ كبير في إعطاء صورة أكثر دقة. وعلى الجانب الآخر، فإن تصوُّر العلماء والفنانين العلميين للون بشرة أو عين أو حتى طبيعة شعر معينة، مرهون بالطفرات العلمية في استخدام تحليلات الحمض النووي والعلاقات الجينية عالية الدقة، مما يؤول بدوره إلى وضع اللمسات النهائية للهيكل أو الصورة فيما لا يدعُ مجالًا للشك أو التخمين.

الشكل الفعلي للكائن المنقرض

يساعد تقديم نموذج حي وصورة واضحة المعالم عن الشكل الخارجي للكائنات المنقرضة إلى المجتمع غير المتخصص، على توثيق أواصر التفاعل بين الناس والعلم، فيُحدث فارقًا في مستويات الاستيعاب.

وعن أهمية إعادة بناء الكائنات القديمة وتصورها يقول مات ليمانا، عالِم الحفريات الفقارية بمتحف كارنيجي للتاريخ الطبيعي بالولايات المتحدة الأمريكية: "إن إعادة هيكلة الكائنات وبنائها أمرٌ بالغ الأهمية، خاصةً على صعيد الجمهور العام". ويضيف قائلًا: "رغم إن تأثير إعادة هيكلة الكائنات المكتشفة وتصوُّرها لن يُحدث فارقًا على المستوى الأكاديمي، إلا أنه موضوع ذو سحر خاص، فقد يكتب عالِم ورقة بحثية لحيوان لم يُكتشَف من قبل، ولا يلقى هذا الاكتشاف التقدير والاهتمام الكافي من الإعلام، وبالتبعية من الجمهور؛ نتيجةً لعدم وجود صورة تخيُّلية لهذا الكائن، والعكس صحيح.

 أحد الأمثلة الحية على ذلك الاكتشاف المصري ديناصور منصوراصورس، الذي رسمه الفنان الشهير آندرو ماكفي، والذي ساعد بدوره على إعطاء شهرة واسعة للديناصور المصري على المستوى العالمي، ومن ثم الفريق المكتشِف، بعيدًا عن أهميته العلمية التي لا جدال فيها، وهذا يرجع إلى سهولة تداول صورة جذابة للشكل التخيلي لديناصور "منصوراصورس".

credit: McAfee, Carnegie MNH شكل تخيلي لديناصور "منصوراصورس".

الدقة ومقاربة الواقع

إلى أي مدى تكون الصورة التي يرسمها العلماء و الفنانون أقرب إلى الواقع؟

تصل نسبة الدقة في تصور أشكال الكائنات المنقرضة إلى مستويات عالية جدًّا، لكن قد يجد جديد في البحث العلمي الخاص بكائنٍ ما وطريقة معيشته، ففهمنا للبيئة القديمة والنظام البيئي لهذه الكائنات متغير باستمرار مع مزيد من الاكتشافات العلمية، على حد تعبير دكتور "ليمانا" . وأضاف أنه من هنا تختلف المعطيات، لذا فإن تصويرنا للأنواع القديمة سيتغير باستمرار في المستقبل، فعلى سبيل المثال الديناصور الشهير Edmontosaurus المُكتشَف منذ أكثر من قرن، وله حفريات محفوظة بشكل غير اعتيادي، لم يُعرف عن هذا الديناصور أن له قمة على رأسه من الجلد أو اللحم مثل تلك الموجودة في عرف الديك سوى في عام 2013 من خلال ورقة بحثية قدمت لنا الأدلة على هذه الإضافة .

أعتقد الآن أنه لا داعي للدهشة المثارة عند رؤية تصور معين لبعض الكائنات القديمة، كصور بعض أنواع البشر المنقرضة بأنوف كبيرة وبشرة سمراء وشعر مجعد، أو لديناصور شرس يغطي جسمه الريش، فكل هذه التصورات رسمها فنانون على أسس علمية رصينة، ربما تتغير يومًا ما لو جد جديد في البحث العلمي المتعلق بها، ولكن تبقى تلك القدرات العظيمة على إعادة إحياء تلك الحيوانات التي ماتت قبل ملايين السنين علمًا عظيمًا يُمَكّننا من رؤية الماضي الغابر بعيون الحاضر.