عبر التاريخ البشري تغيرت مقاييس الجمال لدى الشعوب والأعراق المختلفة؛ فالعرب قديمًا كانوا يرون السمنة من علامات الجمال، حتى كتبوا في السمنة قصائد شعر!

لكن هذه المعايير تطورت عبر الزمن، خاصةً مع ظهور ارتباط السمنة المفرطة بالعديد من الأمراض مثل السكري وأمراض القلب والجلطات المخية وبعض أنواع الأورام السرطانية، ويومًا بعد يوم، تطور الأمر حتى صُنفت السمنة، من جانب الجمعية الطبية الأمريكية في عام 2013، بأنها أحد الأمراض المزمنة.

ويرتبط حدوث السمنة بالعديد من العوامل، على رأسها بطبيعة الحال مشكلات التغذية، لكن المثير للاهتمام أنه على النقيض من المعتقد الشائع بأن السمنة ترتبط دومًا بالتخمة، فقد ثبت ارتباطها أيضًا بسوء التغذية.

وتعيش الغالبية العظمى من أولئك الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة في البلدان النامية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 70% ممن يعانون من زيادة الوزن والسمنة على مستوى العالم يعيشون في بلدان منخفضة أو متوسطة الدخل.

وليست التغذية العامل الوحيد الذي يرتبط بحدوث السمنة؛ إذ إن قلة النشاط البدني والعوامل البيئية تسهم أيضًا في حدوثها، كما تبين أيضًا أن الجينات تؤدي دورًا مهمًّا في حدوث هذا المرض، إذ أثبتت الدراسات أن التبايُن بين الأفراد في مؤشر كتلة الجسم يعود إلى عوامل وراثية لدى نحو الثلثين، وتعطي الجينات تعليمات للجسم للاستجابة للتغيرات التي تطرأ في بيئته، ويؤدي وجود نسخ مختلفة منها دورًا مهمًّا عن طريق زيادة الجوع وتناول الطعام.

تشفير البروتينات

في السياق، سعت دراسة حديثة نشرتها مجلة "ساينس" (Science) إلى فهم دور الجينات في حدوث السمنة، ومن أجل التعرف على هذه العوامل استخدم الباحثون تقنية قراءة كل حروف "الإكسوم" في قرابة 650 ألف شخص من المملكة المتحدة والولايات المتحدة والمكسيك.

و"الإكسوم" عبارة عن تقنية تُستخدم لقراءة تسلسل جميع المناطق المسؤولة عن تشفير البروتينات داخل كل الجينات الموجودة في الجينوم البشري.

متغيرات جينية نادرة

بعد ذلك، ربط الباحثون بين المتغيرات الجينية النادرة التي جرى التعرُّف عليها من نتائج قراءة الإكسوم ومؤشر كتلة الجسم الذي يعتمد على إجراء معادلة بين الوزن وطول الشخص، ويُستخدَم باعتباره مؤشرًا لتقييم السمنة.

وبناءً على هذه النتائج، تمكن الباحثون من عمل خريطة للجينات الأكثر شيوعًا وبناء نموذج إحصائي للتعرف على الجينات المرتبطة بمرض السمنة.

تعرف الباحثون على 16 جينًا ارتبطت بمؤشر كتلة الجسم، منها 5 جينات تعمل باعتبارها مستقبلاتٍ في المخ، وهي: (GPR75, GPR151, GIPR, MC4R, CALCR)، ومن المثير للاهتمام أن التعبير الجيني لبعض هذه الجينات كان أعلى في منطقة تحت المهاد المخي، وهي منطقة صغيرة في قاعدة المخ تؤدي عدة أدوار في تنظيم مستوى الهرمونات والوظائف العصبية وإنتاج الطاقة داخل الجسم.

ليس هذا فحسب، فقد وجد الباحثون أيضًا أن وجود نسخ غير سليمة في أحد هذه الجينات، وهو جين GPR75، يؤدي إلى إنتاج بروتين غير كامل يعجز عن أداء وظيفته الطبيعية، وهو الأمر الذي ارتبط بانخفاض واضح في مؤشر الوزن ومؤشر كتلة الجسم، وكذلك باحتمالات أقل لحدوث السمنة لدى حاملي هذه النسخ.

وجين GPR75 هو أحد أفراد عائلة المستقبِلات المقترنة بالبروتين G، ويعمل أفراد هذه العائلة كمستقبلات على سطح الخلية، إذ يؤدي ارتباطها بالمحفز الخاص بها إلى تنشيط نوع من البروتينات يسمى بروتين G، وهو ما يؤدي بالتالي إلى تنظيم عمليات نقل الإِشارات والنمو وتكوين البروتينات داخل الخلية.

في خطوة تالية لتأكيد هذه النتائج، أجرى الباحثون تجربةً لإزالة هذا الجين في الفئران، وهو ما أدى إلى مقاومة تلك الفئران لزيادة الوزن على الرغم من إطعامها غذاءً عالي الدهون، بالإضافة إلى ذلك، تحسنت قدرة الفئران على التحكم في مستوى الجلوكوز من خلال زيادة حساسية هرمون الإنسولين الذي يقلل مستوى الجلوكوز في الدم.

نسخ غير سليمة

في المقابل ارتبط وجود نسخ غير سليمة من جين CALCR بزيادة مؤشر كتلة الجسم وخطر الإصابة بالسمنة، وجين CALCR أو مستقبِل الكالسيتونين هو عضو آخر في عائلة المستقبلات المقترنة بالبروتين (G)، ومن خلال الارتباط بهرمون الكالسيتونين يشارك البروتين الناتج من هذا الجين في الحفاظ على توازن الكالسيوم وفي تنظيم التمثيل الغذائي الخاص به في العظام.

واستنتج الباحثون من هذه النتائج أن تثبيط جين GPR75 يمكن أن يُستخدم كإستراتيجية علاجية جديدة للسمنة، وهو ما يدل على أهمية استخدام تقنيات قراءة الإكسوم في التعرف على الجينات المرتبطة بخطر الإصابة بالعديد من الأمراض.

قدرة جينية خارقة

يؤكد لوكا لوتا -رئيس قسم الوراثة البشرية لأمراض القلب والأوعية الدموية والتمثيل الغذائي والهيكل العظمي بمركز ريجينيرون لعلم الوراثة بالولايات المتحدة، والباحث الرئيسي في الدراسة- أن "الدراسة الحديثة تُعد الأكبر من نوعها، إذ تمت قراءة الإكسوم الخاص بقرابة 650 ألف شخص".

يقول "لوتا" في تصريحات لـ"للعلم": أردنا التعرف على الأشخاص الذين يمتلكون ما يمكن أن أسميه "القدرة الجينية الخارقة" للوقاية من السمنة، وقمنا فقط بقراءة حروف الإكسوم، وهو الجزء الذي يحتوي على التعليمات الخاصة ببناء البروتين، وربطنا هذه البيانات بمؤشر كتلة الجسم من أجل تحديد الجينات التي ترتبط بالسمنة أو الوقاية منها، كما قمنا بتحليل كمٍّ هائل من البيانات من كل أشخاص العينة للوصول إلى هذه النتائج.

وعلى الرغم من أن الجينوم البشري يحتوي على نحو 3 بلايين زوج من القواعد الوراثية (أو القواعد النيتروجينية)، إلا أن هذا العدد الهائل لا يضم سوى حوالي 30 ألف جين تتم ترجمتها إلى بروتينات تؤدي وظائف محددة، ليس هذا فحسب، فالجينات نفسها تنقسم إلى إكسونات (وهي الأجزاء التي تتم ترجمتها بالفعل إلى بروتينات)، وإنترونات (وهي أجزاء بينية تقع بين الإكسونات ولا تتم ترجمتها)، ومجموع الإكسونات داخل الخلية يُسمى الإكسوم، وهو ما قرأه وقام بتحليل بياناته "لوتا" وزملاؤه من خلال تقنية فحوص تسلسل الإكسوم الكامل.

يضيف لوتا: وجدنا أن الأفراد الذين تحتوي خلاياهم على نسخة واحدة غير نشطة على الأقل من جين GPR75 كان لديهم وزن أقل ومؤشر أقل لكتلة الجسم، واحتمالات أقل بنسبة 54% لحدوث السمنة، وللأسف هذه الطفرات كانت نادرةً للغاية؛ إذ وجدناها فقط في واحد من كل 3000 شخص شارك في الدراسة، لكن هذه الطفرات توفر أفكارًا ممتازةً لمنتجي الأدوية؛ إذ يمكن التفكير في تقليل نشاط هذا الجين من أجل منع السمنة أو علاجها.

وباء عالمي

تقول إيناس محمد فوزي -أخصائي التغذية وطب الأطفال بالمعهد القومي المصري للتغذية، وغير المشارِكة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": دون مبالغة، يمكنني القول بأن السمنة صارت وباءً عالميًّا، ومصر ليست استثناءً من ذلك؛ إذ تشير الأرقام إلى أن 22% من الأطفال المصريين و48.8% من النساء المصريات مصابون بالسمنة، وعلى الرغم من أننا نشتبه في وجود عامل وراثي في عدد من هذه الحالات (خاصةً في الأطفال)، إلا أنه ليس لدينا اختبار معملي أو تحليل جيني معتمد لتأكيد هذا الاشتباه أو نفيه.

من جهته، يعلق عقل فهد -الباحث المتخصص في الجينات والوراثة في معهد برود، والأستاذ المحاضر في كلية الطّب بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة، وغير المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": في الماضي كان التعرف على الجينات المرتبطة ببعض الأمراض يجري من خلال دراسة الحالات النادرة التي يتكرر فيها المرض بشكل معين في العائلة، أو من خلال دراسة قواعد البيانات الجينية الكبيرة المتاحة للباحثين، وهذا البحث يمثل أحدث ما توصل إليه العلم في هذا المجال، إذ إن استخدام تقنية قراءة الإكسوم في مئات الآلاف من الأشخاص يُعد طريقةً حديثةً نسبيًّا تمكِّننا من التعرف على جينات جديدة للأمراض المعقدة مثل السمنة.

دراسات شبيهة

يضيف "فهد": سبقت لي المشاركة في دراسة عن السمنة الوراثية وكيفية توقعها من خلال دراسة الجينوم الخاص بأكثر من 300 ألف شخص، وتمكَّن الفريق البحثي من إنشاء وسيلة تنبُّئية جديدة للسمنة يتم فيها استخدام أكثر من مليوني متغير جيني يمكن من خلال مجموعها حساب احتمالات حدوث السمنة، وهذه الوسيلة التنبُّئية التي يتم فيها استخدام مجموع الجينات الخاصة بالشخص، والتي تحقَّق الفريق البحثي من صحتها، قد تقدم إمكانيةً جديدةً لمنع حدوث السمنة وكذلك تقييمها.

كما سبق استخدام تقنية قراءة الإكسوم في دراسة سابقة استهدفت التعرف على الجينات الوراثية المرتبطة بالسمنة لدى الأطفال، وتمكن الباحثون في الدراسة التي أجراها باحثون أوروبيون ونشرتها دورية "سيل ميتابوليزم" (Cell Metabolism) في عام 2020، من التعرف على ثلاثة جينات (PHIP وDGKI وZMYM4) ارتبطت بالفعل بالسمنة الشديدة.

وتبيَّن أن الجين المسمى PHIP لم يرتبط فقط بالسمنة، بل أدى أيضًا إلى حدوث صعوبات ترتبط بالتعلم لدى هؤلاء الأطفال، وأثبت الباحثون أيضًا أن جين PHIP يعمل من خلال التحكم في جين آخر يسمى POMC، والأخير معروف بدوره في تثبيط الشهية، إذ تعمل النسخة الطبيعية من جين PHIP على زيادة التعبير الجيني لجين POMC، أما في حالة حدوث خلل في نسخة PHIP، فيتم تثبيط عمل POMC، وهو ما قد يؤدي إلى حدوث السمنة.

يقول "فهد" في تصريحات لـ"للعلم": من المعتاد في الدراسات الشبيهة أن يتم البحث عن الطفرات أو خلل الجينات الذي يؤدي إلى حدوث الأمراض، وهذا البحث استخدم منحىً مختلفًا؛ إذ عمل الباحثون على دراسة الخلل الجيني الذي ارتبط "بالحماية من الأمراض"، وهناك أمثلة سابقة لهذا النوع من الأبحاث، إذ اكتشف دور اثنين من الجينات (هما PCSK9 وANGPL3) في تقليل مستوى الدهون في الدم، وبالتالي تم استهدافهما في علاجات تقليل مستوى الدهون والحماية من أمراض القلب.

وأضاف أنه من المثير حقًّا للاهتمام أن نسير في الطريق نفسها لاستهداف GPR75 من أجل علاج السمنة، وإذا نجحنا في ذلك، فسوف يمثل هذا النجاح نقلةً نوعيةً كبيرةً ستؤثر تأثيرًا ملحوظًا على صحة البشر حول العالم.

من جهتها، تقول روث لوس، أستاذ الطب البيئي والصحة العامة بكلية إيكان للطب، والمتخصصة في علم الوراثة الخاصة بالسمنة والتمثيل الغذائي: الميزة الرئيسية في هذا البحث هي عدد الحالات الكبير التي جرت دراستها، وعلى الرغم من ذلك فإن عدد الجينات التي تم اكتشافها قليل نسبيًّا، وبعض هذه الجينات كان معروفًا من قبل وتم تأكيد النتائج من خلال هذا البحث، وبعضها جديد يتم التعرف عليه للمرة الأولى، ويمكن ربطها بشكل مباشر بعلاقة سببية مع السمنة، وفهم تفاصيل هذه العلاقة والآلية التي تتم بها، خاصةً فيما يتعلق بجين GPR75، الذي يحتاج إلى مزيد من الدراسة.

تضيف "لوس"، وهي باحثة مستقلة غير مشاركة في الدراسة، في تصريحات لـ"للعلم": ربما علينا أن نفكر من جديد، ما الذي نحتاج إليه حقًّا حتى نكتشف المزيد من الجينات التي ترتبط بالسمنة؟ نحن عادةً نلجأ إلى استخدام عدد كبير من العينات من أجل ذلك، لكن التكلفة تكون كبيرةً للغاية، وبالتالي سيقل العائد منها، وربما كان علينا أن نفكر في طرق جديدة ومبتكرة من أجل تحقيق هذه الأهداف؛ فعلى سبيل المثال، يمكننا أن نحسن اختيار أنماط المشاركين في هذه الدراسات أو أن نطبق طرقًا إحصائيةً أكثر دقةً وفاعليةً من أجل الوصول إلى نتائج أفضل بتكلفة أقل.

السمنة في الخليج

يعلق فهد: بشكل عام تعتمد معظم الدراسات الجينية على عينات من أفراد من أصل أوروبي أو غربي، وهو ما ينطبق أيضًا على هذه الدراسة، وهو ما يُعد أحد أوجه القصور فيها، ومن الصعب تعميم نتائج هذه الدراسة على الأجناس الأخرى كالعرب مثلًا؛ إذ لدى دول الخليج أعلى معدلات السمنة في العالم، وتأتي الكويت والبحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات ضمن قائمة أكثر 10 دول تعاني من السمنة على مستوى العالم.

ويتابع: حتى الدراسات التي تجرى في هذه الدول يكون عملها على عينة محدودة من المشاركين، لذا أعتقد أنه يجب بذل مزيد من الجهد لبناء بنوك حيوية كبيرة ومتنوعة في مختلف دول العالم؛ حتى تمثل مصدرًا مهمًّا للعينات والبيانات من أجل إجراء دراسات موسعة على الأجناس المختلفة بكل تنوعها.

يقول لوتا: لسنوات عديدة أثارت أسباب السمنة اهتمام الباحثين، وكان السؤال الدائم: أيهما يؤثر بشكل أكبر؟ طبيعة الجسم أم البيئة؟ وهذا الاهتمام تزايد خاصةً مع تحول السمنة إلى وباء يؤدي إلى العديد من الأمراض، بطبيعة الحال لا يمكن أن ننكر دور البيئة والنشاط البدني، لكن اكتشافنا لدور جين GPR75 سيساعد على فهم تأثير الجينات في هذا المرض بشكل أفضل.

وتابعت: يومًا بعد يوم نكتشف المزيد من أسرار الجينوم البشري ونعمل على ترجمة هذا الفهم بشكل سريع من أجل التوصل إلى علاجات جديدة للعديد من الأمراض، وهذا الاكتشاف الذي يُعد واحدًا من قائمة طويلة من اكتشافاتنا في مركز ريجينيرون سيمكِّننا -ويمكِّن الفرق البحثية التي نتعاون معها- من التعرف على طرق يمكن من خلالها استهداف هذا الجين من أجل منعه من العمل وتثبيط وظيفته.