آلان تورنج ، وألبرت آينشتاين، وستيفن هاوكينج ، وجون ناش- أسماء لأشخاص ذوي عقول "رائعة" افتتن بها العوام، ولكنها تظل مبهمة وعصية على الفهم. إذ كيف يتمكن بعض الناس من التحول من أداء العمليات الحسابية البسيطة إلى استيعاب المفاهيم الرياضية المتقدمة، والتفكير في مستويات من التجريد يندهش لها عامة الناس؟ لقد توصل علماء الأعصاب إلى تحديد قدرة دماغ شخص بارع في الرياضيات على السمو بالتفكير النظري إلى مستويات أخرى.

وما يجري في واقع الأمر أن العلماء يناقشون منذ مدة طويلة فكرة ما إذا كان أساس التفكير الرياضي رفيع المستوى مرتبطًا بمراكز المعالجة اللغوية في الدماغ -أي مدى احتياج ذلك المستوى من التجريد إلى تجسيد لغوي وإدراك لقواعد بناء الجمل- أو إذا كان مرتبطًا بمناطق مستقلة ذات علاقة بالأعداد وبأسلوب التفكير الحيزي. ففي دراسة نُشرت في أبريل الماضي في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences، أشار باحثان من وحدة تصوير الأعصاب المعرفي، التابعة للمعهد الوطني للصحة والبحث الطبي بفرنسا INSERM-CEA إلى أن مناطق الدماغ ذات الصلة بالرياضيات تختلف عن تلك المعنية بالتفكير غير الرياضي الذي لا يقل تعقيدًا بدوره.

واستخدم فريق الباحثين التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لمسح أدمغة 15 مختصًّا في الرياضيات و15 آخرين من غير العاملين في مجال الرياضيات، جميعهم متساوون في المستوى الأكاديمي. يراقب الماسح الضوئي الدماغ عند الإجابة عن 72 سؤالًا رفيع المستوى، قُسمت بالتساوي بين مجالات الجبر والتحليل الرياضي والهندسة والطوبولوجيا، إضافة إلى 18 سؤالًا غير رياضي جاء معظمها في مجال التاريخ. وكانت كل هذه الأسئلة ذات مستوى متقدم، وتُطرَح في شكل مقولات، المطلوب الحكم على صحتها من عدمه. ويُمنَح المجيب في كل سؤال أربع ثوانٍ للتفكير، ثم يُطلَب منه الإدلاء بإحدى الإجابات : "صحيح" أو "خطأ" أو "لا معنى له".

ولَحَظَ الباحثون أنه عند الاستماع إلى أجوبة المختصين في الرياضيات دون غيرهم، تتسبب البيانات ذات الصلة بالرياضيات في تنشيط مناطق من الدماغ نجدها في ثنائي الفص الجداري، والجبهية الظهرية، والصدغية السفلية. وفي أغلب الأحيان لا ترتبط هذه الدوائر بالمناطق ذات الصلة بمعالجة اللغة ودلالاتها، والتي تم تنشيطها خلال الاختبار من قِبل الرياضيين وغير الرياضيين على السواء. تقول طالبة الدراسات العليا والباحثة المشاركة في الدراسة، ماري أمالريك: "على العكس من ذلك، تُظهر نتائجنا أن التفكير الرياضي المتقدم يعيد تفعيل مناطق الدماغ المرتبطة بمعارف قديمة تتعلق بالعدد والمكان نشأت مع تكوُّن الإنسان".

وتبيّن من خلال أبحاث سابقة أن هذه المناطق غير اللغوية تنشط عند إجراء عمليات حسابية بسيطة، بل وحتى عند مشاهدة أرقام على الصفحات، مما يشير إلى احتمال وجود صلة بين التفكير الرياضي المتقدم والتفكير الرياضي الأساسي (البسيط). بل إن المؤلف المشارك في وضع الدراسة، ستانيسلاس ديهاين -مدير وحدة تصوير الأعصاب المعرفي، والمختص في علم النفس التجريبي- قد درس كيف أن الإنسان -وحتى بعض أنواع الحيوانات- يُولَد بحدس فطري تجاه الأرقام، وحس كمي وحسابي وثيق الصلة بالتجسيد المكاني. ومع ذلك، تظل مجهولةً تلك الكيفية التي تنشأ بها الصلة الفطرية بين "الإحساس بالعدد" وبين الرياضيات رفيعة المستوى.

وتطرح تلك الدراسة تساؤلًا مثيرًا: هل القدرة الفطرية على التمييز بين كميات مختلفة –كتمييز ثمرتي فاكهة بكونهما أكبر حجمًا من ثمرة ثالثة- تمثل الأساس البيولوجي الذي يمكن أن تقوم عليه القدرة على استيعاب نظرية الزُّمَر؟ وفي هذا السياق، يقول دانيال أنصاري -المتخصص في الأعصاب المعرفية بجامعة ويسترن أونتاريو بكندا، والذي لم يشارك في الدراسة-: "سيكون من المهم البحث في الارتباط العرضي بين المستويين الأدنى والأعلى في موضوع الكفاءات الرياضية. نَلحظ أن معظمنا يتقن إجراء العمليات الحسابية الأساسية فتنشط تلك المناطق في الدماغ. ولكن قِلّة منا تمضي قدمًا وتصل إلى مستوى رفيع في الرياضيات. إننا لا نعرف حتى الآن ما إذا كان بلوغ مستوى رفيع في الرياضيات من شأنه أن يغيّر طريقتنا في حل المسائل الحسابية، أو أن تعلُّم الحساب هو أساس اكتساب المفاهيم الرياضية عالية المستوى".

ويلمح أنصاري إلى أن تلقين المفاهيم الرياضية المتقدمة كجزء من دراسة لغير المختصين في الرياضيات، يمكن أن يحسِّن من إدراكنا لهذه الروابط وكيفية تشكُّلها.

وقد يؤثر بلوغ مرتبة "الخبير في الرياضيات" على الدوائر العصبية بطرق أخرى. فقد اتضح من دراسة ماري أمالريك أن نشاط علماء الرياضيات قد انخفض في المناطق البصرية من الدماغ ذات الصلة بنشاط الوجه. وهذا يعني أن الموارد العصبية اللازمة لإدراك بعض مفاهيم الرياضيات والعمل بها قد يُضعِف بعض القدرات الأخرى في الدماغ أو "يستهلكها". وعلى الرغم من الحاجة إلى المزيد من الدراسات لتحديد ما إذا كان لعلماء الرياضيات طريقة مختلفة للتحكم بوجوههم، يتطلع الباحثون إلى التعمُّق أكثر في الآثار التي تخلفها الخبرة على كيفية تنظيم الدماغ لأنشطته.

ويضيف أنصاري: "يمكننا الشروع في البحث عن المصدر الذي تأتي منه القدرات الاستثنائية، وعن الروابط العصبية البيولوجية لمثل هذه الخبرات المتقدمة. أعتقد بأنه من الرائع الآن أن تتوفر لدينا إمكانية استخدام تقنية تصوير الدماغ للإجابة عن هذه الأسئلة العميقة حول تعقيدات القدرات البشرية."