يُحدث داء ألزهايمر تدهورًا وموتًا في الخلايا العصبية الدماغية، يصاحبه انخفاض مستمر في قدرة المرضى على التفكير والتذكر، بالإضافة إلى تراجُع مهاراتهم المعرفية والسلوكية والاجتماعية.

وثمة لغز محير ارتبط طوال السنوات الماضية بداء ألزهايمر، الذي يُعد أحد أبرز أسباب الإصابة بالخَرَف، الذي يداهم -وفق موقع منظمة الصحة العالمية على الإنترنت- 50 مليونًا حول العالم، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا العدد ثلاث مرات بحلول عام 2050.

وعلى مدار الأعوام السابقة، اكتشف علماء الأعصاب أن الخلايا العصبية لا تتأثر بالتساوي نتيجة الإصابة بألزهايمر؛ فبعض أنواع الخلايا في مناطق معينة من الدماغ أكثر تعرضًا للتدهور بشكل غامض، في حين يظل بعضها الآخر سليمًا، يتعلق هذا اللغز بالتنكس العصبي الذي يحدث بشكل انتقائي في الخلايا العصبية؛ إذ تموت خليّة معينة في الدماغ، في حين تبقى جارتها دون أن يلحقها مكروه.

باحثون في معهد جلادستون للأمراض العصبية في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة، عثروا مؤخرًا ضمن نتائج دراسة جديدة على أدلة جزيئية جديدة تُساعد -لأول مرة- في تفسير ما الذي يجعل بعض الخلايا العصبية في الدماغ أكثر حساسيةً من غيرها للتأثر من جَرَّاء الإصابة بألزهايمر.

وأوضحت الدراسة المنشورة في العدد الأخير من دورية "نيتشر نيوروساينس" (Nature Neuroscience) أن الخلايا العصبية التي تحتوي على مستويات عالية من بروتين يسمى (apoE) أكثر حساسيةً للتدهور، وأن هذه الحساسية ترتبط بدور هذا البروتين في عملية تنظيم جزيئات الاستجابة المناعية داخل الخلايا العصبية.

يادونغ هوانغ، أستاذ أمراض المخ والأعصاب بمعهد جلادستون للأمراض العصبية، سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية، وقائد فريق البحث، قال: "إن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الربط بين بروتين (apoE) والاستجابة المناعية داخل الخلايا العصبية، وهو أمرٌ مثيرٌ للغاية، ويمكن أن يفتح مساراتٍ جديدةً لتطوير علاجات لمرض ألزهايمر".

وأضاف لـ"للعلم" أن الدراسات الإضافية التي يطمح الفريق لإجرائها، يمكن أن تكشف عن أهداف جديدة محتملة للعلاجات التي قد تكون قادرةً على تعطيل هذه العملية المدمرة في مرض ألزهايمر، وربما في الاضطرابات العصبية التنكسية الأخرى أيضًا.

تقنية حديثة

لطالما كان بروتين (ApoE) محورًا لأبحاث مرض ألزهايمر؛ لأن الأشخاص الذين يحملون جينًا معينًا ينتج شكلًا منه يسمى (apoE4) يكونون أكثر تعرضًا للإصابة بالمرض، لذا ركّزت الدراسة على توظيف التقنيات الحديثة، لكشف الدور المحتمل لهذا البروتين في توليد الحساسية المتغيرة للخلايا العصبية لدى مرضى ألزهايمر.

استخدم الفريق تقنيةً تُعرف باسم تسلسل الحمض النووي الريبي أحادي الخلية (scRNA-Seq) التي تكشف عن مدى التعبير عن الجينات المختلفة في خلية مُعيّنة، وتحويلها إلى (RNA)، وهو الوسيط بين الجينات والبروتينات، وأتاح هذا النهج للباحثين مقارنة الخلايا المختلفة، كل واحدة على حدة، وكذلك عبر أنواع مختلفة من الخلايا.

واستخدم الفريق هذه التقنية لدراسة أنسجة المخ في الفئران السليمة والفئران المصابة بألزهايمر، كما حلَّلوا عيناتٍ من أنسجة المخ البشري، بعضها من أدمغة أشخاص أصحاء، والبعض الآخر من أدمغة أشخاص أصيبوا بدرجات متفاوتة من مرض ألزهايمر أو ضعف إدراكي خفيف.

وأظهرت النتائج في كلٍّ من الفئران والبشر، أن الخلايا العصبية تختلف اختلافًا كبيرًا في مدى التعبير عن (apoE) حتى داخل النوع الفرعي نفسه من الخلية، بالإضافة إلى ذلك، كان مقدار التعبير عن (apoE) مرتبطًا بقوة بالتعبير عن جينات الاستجابة المناعية، والتي تتفاوت أيضًا بشكل كبير بين الخلايا العصبية.

من جانبها، قالت كيلي زالوكوسكي، عالِمة الأعصاب بمعهد جلادستون للأمراض العصبية، والباحثة الرئيسية للدراسة: "لقد استخدمنا تقنية التسلسل الفردي للخلية (Single-cell sequencing) من أجل النظر في التعبير الجيني للخلايا الفردية في أدمغة الأشخاص المصابين بألزهايمر، وكذلك في نماذج الفئران المصابة بالمرض".

وعن وظيفة تلك التقنية، أضافت لـ"للعلم"، أنها تُستخدم عادةً للتساؤل عن الكيفية التي تتغير بها فئةٌ من الخلايا، مثل الخلايا العصبية، عندما يعاني شخصٌ ما من مرض مثل ألزهايمر، ما فعلناه هو أن نسأل: لماذا يموت بعض الخلايا العصبية في حالة الإصابة بداء ألزهايمر، بينما تبقى خلايا أخرى من النوع نفسه على قيد الحياة؟".

وتابعت: "من المعروف منذ مدة طويلة أن (ApoE) يُعد أكبر عامل خطر وراثي منفرد للإصابة بألزهايمر، والذي يعتقد العديد من العلماء أن الخلايا العصبية تنتج القليل جدًّا منه، أو لا تنتجه على الإطلاق، لكن نتائج دراستنا كشفت أن الخلايا العصبية هي التي تُصنّع الـ(ApoE)، وما توصلنا إليه هو فقط مجرد خطوة أولى في سلسلة من الإشارات التي تؤدي إلى موت تلك الخلايا".

تدمير الخلايا العصبيّة

أما "هوانغ" فقد أوضح أن الدراسة قد أثبتت أن الخلايا العصبية التي تُصنّع (apoE) مسؤولة أيضًا عن تصنيع بروتين يسمى (MHC-I)، وهو المعروف بمعقد التوافق النسيجي الرئيسي من الدرجة الأولى، أو "المركّب الرئيسي للتلاؤم النسيجي"، وهو فئة من جزيئات الإشارات المناعية التي تتعرف عليها الخلايا المناعية التي يمكن أن تأتي بعد ذلك وتُدمر تلك الخلايا العصبية، وهذه النتيجة تكشف الدور المناعي لجين (apoE) في الخلايا العصبية، ما يفتح طريقًا جديدًا للبحث عن علاجات محتملة لألزهايمر.

ووجد الفريق أنه في أنسجة المخ، تتقلب نسبة الخلايا العصبية التي تعبر عن مستويات عالية من (apoE) و(MHC-I) بطريقة تتطابق تطابُقًا وثيقًا مع التنكس العصبي وتطور ألزهايمر، وقد لاحظوا هذه العلاقة في نماذج الفئران وأنسجة المخ البشري في مراحل مختلفة من التنكس العصبي، كما أظهرت النتائج أيضًا وجود صلة سببية بين التعبير الزائد عن (MHC-I) الناجم عن (apoE) وزيادة التجمعات المتشابكة لبروتين يسمى "تاو"، التي تُعد سمة مميزة لمرض ألزهايمر ومؤشرًا على حدوث التنكس العصبي.

وبناءً على النتائج، قارن "هوانغ" بين دور (apoE) و(MHC-I) في الظروف الطبيعية، وعند الإصابة بألزهايمر، موضحًا أنه عند الأصحاء، يقوم (ApoE) بتشغيل عملية التعبير عن بروتين (MHC-I) في عدد صغير من الخلايا العصبية التالفة، لإنتاج إشارات تُدعى (Eat me)، وظيفتها تحديد الخلايا العصبية التالفة في المخ لتدميرها بواسطة الخلايا المناعية، فهي لا تريد الاحتفاظ بالخلايا العصبية التالفة حولها؛ لأنها قد تتعطل وتتسبب في حدوث مشكلات، أبرزها أمراض التنكس العصبي.

لكن في حال الإصابة بألزهايمر -والكلام لـ"هوانغ"- فإن عملية إزالة الخلايا التالفة قد تصبح مُفرطة النشاط، ما يؤدي إلى فقدان الخلايا العصبية بشكل تدريجي ليشمل ذلك التالفة والسليمة، وهذا يحدث فقط في الخلايا العصبية التي تزيد فيها مستويات التعبير عن (apoE)، أما الخلايا التي تكون فيها مستويات التعبير منخفضةً فإنها تظل سليمة، ومن هنا جاءت فكرة حدوث تنكس عصبي انتقائي للخلايا في مرض ألزهايمر.

أطلس الخلايا البشرية

من جانبه وصف محمد سلامة -الأستاذ المشارك في معهد الصحة العالمية والبيئة البشرية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة- نتائج هذا البحث بأنها سيكون لها مردود ثوري في مجال دراسة الأمراض العصبية وعلاجها بشكل عام، وخاصة الدراسات الجينية المتعلقة بكشف مسببات الأمراض.

وأضاف لـ"للعلم" أن نتائج البحث ترد على التساؤل التقليدي الذي يشغل بال علماء الأعصاب، وهو: لماذا يحدث الضرر في خلايا معينة دون أخرى في مرض ألزهايمر أو باركنسون؟ وما الأساس الذي يحدد ذلك؟ موضحًا أن الفريق اعتمد في الإجابة عن هذا التساؤل على تحليل (Single-cell sequencing)، وهذا اتجاه جديد يسلكه العلماء حاليًّا لفهم طبيعة معظم الأمراض، ويعتبر خطوةً تالية بعد الاهتمام الكبير الذي منحه العلماء في السنوات الأخيرة لدراسة الجينات بغية معرفة العوامل الوراثية المسببة للأمراض.

وحول مميزات هذا الاتجاه، أفاد "سلامة" بأن هذه التقنية تمنحنا نظرةً فاحصة على مستوى الخلية الواحدة، ليكشف لنا أن كل خلية في الجسم لها تعبير مختلف عن تعبير الأخرى، إذ يؤدي عدم التجانس الخلوي هذا أدوارًا حاسمةً في حدوث الأمراض والاستجابات الدوائية، ومن هنا بدأ العالم يتجه إلى تأسيس أطلس أو مرجع شامل لجميع الخلايا البشرية (Human Cell Atlas)، على غرار الجينوم المرجعي، باعتباره أساسًا لفهم صحة الإنسان وتشخيص الأمراض ومراقبتها وعلاجها، ولمعرفة الاختلافات في مدى التعبير عن الجينات في خلايا المخ على سبيل المثال لدى الأفارقة والأوروبيين وغيرهم من الشعوب.

وأشار إلى أن هناك خطوات اتُّخذت مؤخرًا في هذا الاتجاه ، ومنها ما تفعله منظمة (CZI) التابعة لمارك زوكربيرج مؤسس فيسبوك، التي تعمل على تمويل الأبحاث المتعلقة بدراسة بيولوجيا الخلية (Single-Cell Biology) في المجموعات السكانية، بهدف الوصول إلى طرق تحليلية جديدة تساعد المجتمع العلمي على تخزين البيانات الخاصة بالخلايا، للمساعدة على فهم كيفية نشوء الأمراض في خلايا الجسم وأنسجته.

ونوه بأن ثاني الدروس المستفادة من هذه الدراسة أنها تُعد مؤشرًا على أهمية تعدُّد البنوك الحيوية، وعدم الاكتفاء بعينات الدّم لدراسة تسلسل الجينات، وهي مؤشرات لم تعد كافيةً لرصد مسببات الأمراض المختلفة رغم أهميتها، بل يجب الوصول إلى عينات من خلايا العضو المصاب بالمرض، محفوظة في "بنوك الدماغ" التي تحتوي على خلايا مأخوذة من أدمغة المرضى المتوفين، للوصول إلى فهم مسببات الأمراض التي تصيب الدماغ وعلى رأسها ألزهايمر، ولقد بدأت دول مثل أمريكا وبعض دول أوروبا مؤخرًا في إنشاء تلك البنوك، لتسهيل إجراء "تحليل الخلية الواحدة"؛ وذلك لصعوبة الوصول إلى عينات الدماغ في الظروف الطبيعية، على غرار العينات المأخوذة من الكبد على سبيل المثال.

وعن أهمية النتائج فيما يتعلق بإيجاد علاجات فعالة لألزهايمر في المستقبل، أوضح "سلامة" أنها ستمثل خطوة مهمة في هذا الإطار؛ لأنها ستركز على فكرة تطوير مركبات دوائية تستهدف وقف التعبير عن الجينات المسببة للمرض أو إبطاءه، دون اللجوء إلى تقنيات "التحرير الجيني" الأكثر تعقيدًا.

آلية الالتهام الذاتي

وأشار "سلامة" إلى أن ما يميز نتائج الدراسة أيضًا أنها تضيف بُعدًا جديدًا لمسببات ألزهايمر وغيره من الاضطرابات العصبية التي تنتج في الأساس عن تراكُم البروتينات السامة التي لم يتخلص منها بشكل سليم في المخ نتيجة خلل فيما يُعرف بآلية "الالتهام الذاتي" (Autophagy)، وهي آلية تدمير طبيعية تُفكّك -بصورة منظّمة- المكوّنات الخلوية غير الضرورية أو التالفة، لكن الدراسة أثبتت أن ذلك لا يحدث بسبب خلل أو تعطُّل في هذه العملية، ولكن نتيجة التحفيز المفرط لهذه العملية، فإن الجسم لا يتخلص فقط من الخلايا التالفة، بل يُدمِّر الخلايا السليمة.

ووافقه الرأي البروفيسور شريف الخميسي، أستاذ الطب الجيني، ورئيس قسم الأبحاث بجامعة شيفيلد في المملكة المتحدة، الذي أشاد بنتائج الدراسة التي سعت إلى فهم نقطة محيرة في علم الأعصاب تتعلق بالناحية الانتقائية في إصابة الخلايا العصبية بأضرار نتيجة الاضطرابات التنكسية العصبية.

وأضاف لـ"للعلم"، أن تلك الانتقائية تقود إلى إصابة خلايا معينة في خلايا الجهاز العصبي بضرر أو تلف، تتنوع باختلاف المرض، ففي مرض باركنسون أو الشلل الرعاش على سبيل المثال تصاب الخلايا المُفرزة للدوبامين (Dopaminergic neurons)، أما عند الإصابة بالخرف وألزهايمر فتُصاب خلايا معينة بمنطقة الحُصين (Hippocampus) في المخ.

وأوضح أن الجديد في هذه الدراسة هو كشف العلاقة بين بروتين (apoE) وجينات الاستجابة المناعية (MHC-I) داخل الخلايا العصبية، وتم تأكيد ذلك في دراسات أُجريت على نماذج من الفئران المصابة بألزهايمر، بالإضافة إلى أنسجة من الدماغ البشري، لكن تلك العلاقة لا تزال تحتاج إلى إجراء مزيد من الدراسة من أجل إثباتها بشكل نهائي.

علامات استفهام

وأشار "الخميسي" إلى أنه رغم أهمية النتائج التي توصلت إليها، إلا أنها تطرح المزيد من علامات الاستفهام التي تحتاج إلى إجابات، أبرزها أن آلية "الالتهام الذاتي" عادةً تحتاج إلى إشارات معينة من الخلايا العصبية تدعى (Eat me) لبدء التهام المكونات الخلوية التالفة، لكن تظل تلك الإشارات غير معروفة حتى الآن، لكن يتضح من الدراسة أن (apoE) يؤدي دورًا محوريًّا في حدوث تلك الإشارات، وتظل معرفتها عمليةً ضروريةً لفهم المزيد من العلاقة بين (apoE) والاستجابة المناعية، والطريقة التي يخاطب بها هذا البروتين (MHC-I)، ما يمكن أن يقود إلى طفرات كبيرة في علاجات ألزهايمر التي يمكن أن تتحكم في تلك الإشارات وتسيطر عليها في المستقبل.

وتابع أن ثاني الأسئلة التي تطرحها الدراسة، أنها كشفت أيضًا أن بروتين (apoE) يزيد مع الإصابة بألزهايمر، كما أنه يزيد أيضًا كلما تقدم الإنسان في العُمر، لذلك نحتاج في المستقبل إلى وضع تفسير لتلك الزيادة.

ونوه بأن ثالث الأسئلة يتعلق بإجراء الدراسة على نماذج من إناث الفئران فقط، لعدم ظهور الأعراض على ذكور الفئران، ما يمكِّن العلماء من دراسة التغيرات عليها، وهي مشكلة شائعة في هذا النوع من الدراسات، وبالتالي فإننا لا نعلم حتى الآن هل تنطبق النتائج على الإناث فقط، أم تشمل الذكور أيضًا؟ وهذا لن يظهر بالطبع إلا مع إجراء التجارب السريرية المستقبلية.

وعقّب "هوانغ" بأن الفريق يخطط لإجراء مزيد من الدراسة حول كيفية تحديد (apoE) و(MHC-1) للخلايا العصبية التي تموت والأخرى التي تظل سليمة لدى مرضى ألزهايمر، بالإضافة إلى محاولة الإجابة عن جميع الأسئلة المفتوحة في هذا الإطار.