كان للحجر الصحي أو "الكرنتينة" دور كبير في التصدي للعديد من الأمراض التي حصدت أرواح الملايين على مر التاريخ، وفي ظل عدم توافر علاج أو لقاح مؤكد لجائحة كوفيد-19، اتجهت حكومات بعض الدول إلى فرض الإجراءات التقييدية، مثل العزل والتباعد الاجتماعي والحجر الصحي، للحفاظ على الصحة العامة، بالإضافة إلى تدابير وقائية أخرى، كغلق المدارس والمراكز التجارية ودور العبادة، ووضع قيود على السفر، وتعليق الكثير من الأنشطة. في هذا الإطار، نشرت "مكتبة كوكرين" مراجعة منهجية جديدة لعدد من الدراسات التي بحثت تأثير الحجر الصحي على انتشار فيروس كورونا الجديد، في محاولة للتوصل إلى مدى فاعلية تطبيق إجراءات الحجر الصحي وحدها في التصدي للجائحة، وما إذا كان اتخاذ تدابير وقائية أخرى إلى جانبها يمكن أن يعطي نتائج أفضل؟

أظهرت هذه المُراجعة أن نظم المحاكاة الخاصة بسيناريوهات الحجر الصحي كشفت عن أنه يؤدي دورًا حيويًّا في التحكم في انتشار مرض كوفيد- 19، مقارنةً بأي تدابير وقائية أخرى تطبق من دونه، إذ أدى إلى انخفاض معدل العدوى بنسبة تتراوح بين 44% و81%، ومعدل الوفيات بنسبة تتراوح بين 31% و63%. كما كان للجمع بين إجراءات الحجر الصحي والتدابير الوقائية الأخرى -مثل غلق المدارس ومنع السفر والالتزام بالتباعد الاجتماعي- تأثيرٌ أكبر على الحد من أعداد الحالات التي تتطلب رعاية حرجة وكذلك أعداد الوفيات، مقارنةً بتطبيق إجراءات الحجر الصحي وحدها.

يُذكر أن "الحجر الصحي" هو عزل الأشخاص المخالطين لحالات مؤكدة أو لحالات يُحتمل إصابتها بالمرض لفترة زمنية تحدد وفقًا لفترة حضانة المرض -الفترة ما بين حدوث العدوى وظهور الأعراض- وقد قُدرت بـ14 يومًا في حالة كوفيد-19، أما "العزل" فيُعرف بأنه حجز المرضى الذين ظهرت عليهم الأعراض بالفعل بعيدًا عن الأشخاص الأصحاء. ويوصف "التباعد الاجتماعي" بأنه الحفاظ على مسافة -متر واحد على الأقل- بين الأفراد الأصحاء.

29 دراسة تحت المجهر

تضمنت تلك المراجعة 29 دراسة مختلفة عن الحجر الصحي، عَشْرٌ منها (دراسات نمذجة علمية modelling studies) تناولت مرض كوفيد- 19، في حين تناولت 15 دراسة نمذجة أخرى تطبيق الحجر الصحي في حالة فيروسي (سارس)، و(ميرس)، بالإضافة إلى أربع دراسات أخرى قائمة على الملاحظة فقط observational studies.  ودراسات النمذجة العلمية هي دراسات تعتمد على إنشاء نماذج رياضية تحاكي سيناريوهات تفشي المرض في دولةٍ ما. وقد تناولت نظم المحاكاة الخاصة بهذه المراجعة سيناريوهات تفشي هذه الفيروسات في كلٍّ من الصين والمملكة المتحدة وكوريا الجنوبية، وكذلك حالة تفشي المرض على متن السفينة "دايموند برنسيس".

يعتقد بعض الباحثين أن تلك النماذج لا تقدم دليلًا علميًّا قويًّا، تقول مها فتحي -أستاذ الميكروبيولوجيا الطبية والمناعة بكلية الطب، جامعة عين شمس، وأمين عام الجمعية المصرية لمكافحة العدوى- في تصريحاتها لـ"للعلم": "يُقدر الباحثون ثقتهم بنتائج الدراسة بـ(مُنخفضة) إلى (مُنخفضة للغاية) بسبب اعتمادها على نماذج رياضية، أما في الدراسات الطبية فنحتاج إلى أدلة علمية واضحة، وإلى دراسات إحصائية متعددة المتغيرات توفر نتائج أقوى". وأوضحت أن الدراسات الإحصائية متعددة المتغيرات هي نوع من الدراسات التي تُطَبِّق مجموعة من التقنيات الإحصائية الخاصة بتحليل بيانات أكثر من مُتغير واحد -في الوقت ذاته- لاستنتاج توصيات معينة مثل نتائج الدراسات السريرية العشوائية، وتأخذ في الاعتبار معايير ضابطة لقوة الدراسات التي يتم تحليلها، وتستبعد الدراسات منخفضة الدقة، سواء في الوسائل البحثية المستخدمة أو النتائج.

إلا أن "فتحي" تعود لتستطرد بالقول: "ولكن ذلك النوع من دراسات النماذج الرياضية يكون مفيدًا في حالة الأوبئة المستجدة؛ إذ نحتاج إلى آراء الخبراء لتكوين نظرية علمية حول الوباء، خاصةً في ظل عدم توافر الأدلة القوية التي لا تصبح متاحةً إلا بعد انتهاء الجائحة، وتلك التي تحتاج إلى دراسات إكلينيكية حقيقية".

في هذا الشأن تقول باربرا نوسباومر- ستريت -المدير المساعد لمنظمة كوكرين النمسا، والباحثة الرئيسية في الدراسة- في حديثها مع مجلة "للعلم": "إن دراسات النمذجة الرياضية تعتمد على التقديرات الحالية لقابلية انتقال الفيروس وفترة حضانته وقدرته على إلحاق الضرر بخلايا العائل؛ من أجل تحديد تأثير التدخلات المختلفة الممكنة للسيطرة على انتشار المرض".

يرى البعض أن هذه العوامل ليست كافيةً لرصد سيناريوهات واقعية حول انتشار الفيروس وتأثير ذلك على معدلات الإصابة والوفاة، إذ هناك عوامل ومتغيرات أخرى كثيرة تختلف من دولة إلى أخرى، بل وقد تختلف من منطقة إلى أخرى داخل الدولة نفسها، لذا تظل تلك الافتراضات محل شك من حيث إمكانية تعميمها، كما تقول نسرين جمال -طبيبة في قسم أمراض الدم المناعية وطب نقل الدم بمستشفى مودينا الجامعي بإيطاليا- في تصريحاتها لـ"للعلم": "لا شك أن تطبيق الحجر الصحي والتدابير الوقائية الأخرى يمكن أن يساعد في احتواء الوباء، لكن كل دولة تختلف في بنيتها السكانية وبيئتها وثقافاتها ومستوياتها الاجتماعية، فحتى داخل كل دولة يمكن أن يختلف معدل التكاثر الأساسي (R0) من مدينة إلى أخرى".

ويعتبر معدل التكاثر الأساسي (R0) مقياسًا وبائيًّا يُستخدم لوصف العدوى، ويشير إلى عدد الأشخاص الذين من الممكن أن يصابوا بالعدوى من مريض واحد، وإذا كانت قيمة R0 أعلى من واحد صحيح فإن العدوى تنتشر بشكل كبير، وإذا كانت أقل من الواحد الصحيح فإن العدوى تتلاشى سريعًا.

تُعد إيطاليا من الدول ذات الوضع الحرج فيما يخص جائحة كوفيد- 19، وتمثل مثالًا جيدًا من حيث اختلاف قيمة R0 بين مدنها المختلفة، في هذا الشأن تشارك "جمال" تجربتها مع "للعلم" قائلة: "كانت قيمة R0 في مدينة "لومباردي" تساوي 4، وذلك بسبب التأخر في فرض الإجراءات الوقائية وتطبيقها، في حين كانت قيمة R0 أقل بكثير في مناطق أخرى، حيث بدأت الإجراءات في وقت مبكر من انتشار الوباء".

وتضيف "جمال": "اتخذت إجراءات الحد من انتشار المرض في بعض المقاطعات من شمال إيطاليا قبل غيرها، مما أدى إلى انتشار المرض في بعض المناطق قبل أن تُطبق فيها الإجراءات الوقائية الصارمة، إذ اتخذت الحكومة الإيطالية تلك الإجراءات بطريقه تصاعدية وغير موحدة على جميع مقاطعات الدولة، وذلك فور تشخيص أول حالة لشاب إيطالي في آخر أسبوع من شهر فبراير في مدينه "كودونيو" الواقعة شمالي البلاد وعلى بُعد 60 كيلومترًا من ميلانو.

تحاول إيطاليا الآن تسطيح المنحنى، وبالفعل انخفضت النسبة المئوية للزيادة اليومية للحالات الجديدة من 27% -وذلك عند بداية تطبيق التدابير الوقائية المشددة والموحدة على كافة مقاطعات الدولة في يوم 8 مارس الماضي- إلى 2% في 13 أبريل الماضي. ظهر مصطلح "تسطيح المنحنى" مع جائحة كوفيد- 19، ويعني محاولة إبطاء انتشار الفيروس وتقليل عدد الحالات التي تُكتشف يوميًّا؛ من أجل تخفيف الضغط على أنظمة الرعاية الصحية.

أوصت المراجعة المنهجية -التي نحن بصددها هنا- بأهمية اتخاذ الإجراءات الوقائية في وقت مبكر من انتشار الفيروس. تتفق "فتحي" مع التوصيات النهائية للمقالة بضرورة رفع الوعي المجتمعي وإجراءات الصحة العامة كغسل اليدين وتطهير الأسطح، بالإضافة إلى الالتزام الصارم داخل المنشآت الصحية لمنع التعرُّض للعدوى، مشددةً على ضرورة تقديم الحماية الكاملة للأفراد المسؤولين عن تقديم الرعاية الوقائية داخل المنشآت الصحية، وكذلك الحد الأدنى من المعايير الصحية في البنية التحتية لمستشفيات العزل، وأبرزها التهوية الجيدة؛ حتى لا تكون المنشآت الصحية مكانًا لنشر العدوى.

وكان تقرير حديث صادر عن اللجنة الأوروبية لمكافحة الأمراض والوقاية منها ((ECDC قد أكد أهمية التدابير الوقائية للحد من انتشار الوباء، ولتخفيف العبء على أنظمة الرعاية الصحية تحديدًا، خاصة أن نسبة 9 إلى 26٪ من الإصابات في الاتحاد الأوروبي كانت بين العاملين في المجال الصحي.

وأوصت "فتحي" بضرورة عدم الاعتماد على نتائج تحاليل المسحة الطبية للأشخاص المخالطين للمرضى، والتي تؤخذ بعد التعرُّض المباشر للمريض وعادةً ما تكون سلبية، إذ إن نتيجتها تعتبر خادعة؛ لأن الفيروس لم يتكاثر بعدُ في الأنسجة ليعطي نتيجة إيجابية، وفق رأيها، كما أن الاختبارات السريعة -التي تعتمد على الكشف عن الأجسام المضادة في الدم- لم تثبت فاعليتها، موضحةً أن الحل هو الحجر الصحي وضرورة متابعة المخالطين، وعمل التحليل بعد فترة كافية من آخر تعرُّض لشخص مصاب.

التدابير الوقائية، إلى متى؟

تشير نسرين جمال إلى أنه قد تطبق إجراءات الوقاية بشكل إلزامي صارم من قِبَل الحكومات أو بشكل تطوعي من قِبَل الأفراد، وبينما بدأت بعض الحكومات تتجه إلى تخفيف بعض إجراءات الإغلاق -تحت شروط محددة- للحد من الخسائر، إلا أنه لا يزال الوضع غير مُطمئِن، وعلينا الالتزام بالإجراءات الوقائية طَواعِيَة، خاصةً التباعد الاجتماعي في الأماكن الداخلية المغلقة، فكما أوضحت دراسة حديثة أن تفشي الفيروس يحدث بنسبة أكبر داخل المنازل، يليها وسائل المواصلات.

تقول "جمال": قبل التفكير في تخفيف الإجراءات الوقائية، يجب تقليل عدد الإصابات الجديدة إلى مستوى منخفض جدًّا يساوي "الحد الأدنى لمناعة القطيع". بالنسبة لمرض كوفيد- 19 فإن قيمة R0 تساوي 3 تقريبًا، وفي تلك الحالة يكون الحد الأدنى لمناعة القطيع -نسبة الأشخاص الذين يجب أن يحصلوا على مناعة ضد المرض كي يبدأ الانحسار- يساوي 67٪ تقريبًا، فيما معناه أنه يجب أن يكون اثنان من كل ثلاثة أشخاص قد اكتسبوا مناعةً ضد المرض ليتوقف انتشاره.

وتتابع: "في حالة عدم وجود لقاح، يتم اكتساب هذه المناعة عن طريق الإصابة بالفيروس، لذا فإن الطريقة الوحيدة المتاحة لاحتواء هذا الفيروس هي الاستمرار في إجراءات الوقاية حتى وصول قيمة R0 إلى أقل من 1". يشار إلى أن الحد الأدنى لمناعة القطيع هو نسبة الأشخاص الذين يجب أن يحصلوا على مناعة ضد المرض كي يبدأ في الانحسار.

من جانبها، أوضحت نوسباومر- ستريت أن هذه المراجعة سعت لتقديم أفضل الأدلة المتاحة لدعم متخذي القرار وصناع السياسات في تقرير تدابير الحجر الصحي المناسبة وتنفيذها، ولكنها غير قادرة على البت في مسألة متى وكيف يجب تخفيف أو رفع التدابير التي تهدف إلى الحد من انتشار كوفيد- 19. وأضافت أن صناع القرار يحتاجون إلى مراقبة حالة التفشي وظروفه محليًّا من أجل الحفاظ على أفضل توازن ممكن في تنفيذ التدابير الوقائية مع أقل قدر من الخسائر.

وفيما يتعلق بالآثار الصحية والاقتصادية والاجتماعية لتطبيق إجراءات الحجر الصحي، مثل نوعية الحياة والبطالة والعنف المنزلي، أفادت أن المراجعة التي أجْرتها هي وفريقها تركز على انتقال العدوى، والحد من الوفيات والتدابير الوقائية، ولكنها لم تغطِّ الآثار الضارة المحتملة للحجر الصحي من الناحية الصحية والاقتصادية

.