يتباين معدل استخدام شفرة الحلاقة –قصيرة العمر أصلًا- بين شخص وآخر، وبيئة ثقافية وأخرى، وتبعًا لذلك يطول العمر الافتراضي للشفرة أو يقصر وفق المناطق والمجتمعات، فإطلاق اللحى والشعر يسود في بعض المجتمعات الشرقية، وعليه يقلّ استخدام أدوات الحلاقة الحادة.

لكن استجابةً واسعة النطاق لموضة اللحى الطويلة خلال السنوات القليلة الماضية في مجتمعات أخرى لم تألف عادة ترك شعر الوجه والذقن، جرّت مفاجأة مخيبة لآمال الشركات العالمية لتسويق آلات وشفرات الحلاقة، مُلحِقةً بها خسائر غير مسبوقة العام الماضي، ومنها شركة جيليت العالمية، على سبيل المثال.

ورب ضارة نافعة، صيحة الموضة هذه أطالت فعلًا عمر الشفرات وآلات الحلاقة، وفي حين قللت من العواقب الوظيفية للشفرات، فلربما خففت كذلك بعضًا من العواقب البيئية للنفايات المتصلة بإنتاجها واستخدامها المفرطَين، وكثيرها -كما هو معلوم- رخيص السعر، مصنَّع للاستخدام مرةً واحدة.

لكن فريقًا من المهندسين بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT اهتم بالموضوع لأسباب غير التي أدت إلى ترك الرجال لِحاهم، سالكًا طريقًا غير الذي سلكه المخترع الأمريكي كينغ كامب جيليت؛ إذ سئم ذات يوم من أيام العام 1903 موس الحلاقة العتيق المضني، وأشرق ذهنه بفكرة شفرة لا حاجة لها بالشحذ المتواصل، آمنة ومربحة أيضًا؛ لأنها تُستخدم مرةً واحدةً فقط.

لغز قرن من الزمان

بيد أن كونها وحيدة الاستخدام و/ أو معدودة الاستخدام هو بالتحديد ما أثار فضول فريق البحث الأمريكي الذي نشرت مجلة ساينس نتائج دراسته في 07 أغسطس 2020؛ فمن المدهش حقًّا أن ظل هذا اللغز الهندسي العالق لأكثر من مئة عام مطروحًا كمشكلة يومية، دون أن يثير قلقًا علميًّا مُلِحًّا لإماطة اللثام عنه، إلا بمقدار ما يَسَّرَ تطويرَ شفرات للحلاقة في حدود عتبةٍ متواضعةٍ لا تتجاوز بضعة استخدامات، مع أن المفارقة صارخةٌ في القوة: خصلة الشعر الواحدة، ليّنة وناعمة للغاية مقابل شفرة ذات حدة عالية وصلابة.

الأولى يهمنا من مكوناتها الجزء الظاهر، وهو الساق ذات البِنية ثلاثية الطبقات، والثانية مصنّعة من الفولاذ المقاوم للصدأ والغني بالكربيد، ومغلفة بمواد أكثر صلابةً مثل الكربون الشبيه بالماس، مع طبقة نهائية من مادة رباعي فلورو إيثيلين لتأمين سطح زلق ودرجة مقاومة عالية لجلّ المواد الكيميائية الشائع استخدامها في طلاء تجهيزات المطبخ غير اللاصقة.

خصوم أنداد لا يخطرون على بال

ولو بخصائص هندسية مختلفة لكنها متماثلة الدور، تتراجع على العموم حدة حوافّ الأدوات المعدنية المستخدمة في عملية التقطيع على الأسطح غير الصلبة وتبلى الأنصال بعد استعمالات محدودة، كالملاحَظِ مع أدوات المطبخ ومشارط الجراحة والسيوف وغيرها.

ومن المألوف أن تُستعاد قدرات التقطيع بطريق الشحذ، الشيء الذي أشاع تصورًا عامًّا بأن تدهور أداء الحواف المعدنية الحادة إنما يعود إلى الصدأ أو الإجهاد أو التآكل.

على الرغم من ذلك، ليس من السهل تصور كيف أن جزء النصل القاطع في حافة شفرة الحلاقة، المصنوع من المعدن المقوى بالحرارة، أي الفولاذ المارتينسيتي -أحد أشكال المعدن البلورية شديدة الصلابة- المقاوم للصدأ، والمعزز بأخرى مقاومة للتآكل لا يقوى -وفق مقياس الصلابة المستخدم في البحث- على كسر شوكة نعومة الشعر البشري، مع أنه يفوقه صلابةً بخمسين مرة!

تقدم الدراسة تفسيرًا لهذه المفارقة تحت عنوان يُغري باعتماد ترجمة حرفية "كيف يشوّه الشعر الفولاذ" في نقل النتيجة المتوصل إليها على النحو الذي يخلفه الانطباع الطريف حين نفكر بأن للقوة الضاربة والصلابة القاهرة لمعدن الفولاذ نقاط ضعف وخصومًا أندادًا لا يخطرون على بال، لا يزيد شأنهم عن خيط رفيع كشعر الإنسان المكون أساسًا من البروتينات، خاصة الكيراتين، ذا القطر المترواح بين 80 و200 ملليمتر والسُّمك الذي لا يتجاوز 0.1 من الملليمتر في المتوسط. وهذه المادة الحيوية متباينة الطبقات والخواص بدرجة عالية، فساق الشعرة التي تمنح الخصلة قوتها تتكون من ثلاث طبقات: اللب الواقع في مركز الشعرة medulla، والقشرة cortex، وهي الطبقة الوسطى المقواة ببعض الدهون، وبألياف الكيراتين أساسًا، وأخيرًا الجُلَيدة cuticle، وهي الطبقة الخارجية المكونة من طبقات من خلايا في شكل قشور السمك لتقوية ساق الخصلة وحمايتها.

لكن الطبقة الوسطى تمتلك سرّ القوة الناعمة للشعر، "إن كيراتين الشعر قوي جدًّا في الواقع، فحين يتعلق الأمر بقوة تحمُّل الوزن، يكون الشعر قويًّا مثل الأسلاك الفولاذية، اكتشفنا ذلك في بحثنا"، يعلق مارك أندري مايرز، أستاذ في علم المواد والهندسة الميكانيكية، في تصريح لـ"للعلم"، وكأنه ازداد اطمئنانًا إلى ما توصل إليه قبل بضع سنوات مع فريق عمله في جامعة كاليفورنيا بسان دييغو، حول مدى قوة الشعر وعدم قابليته للتكسير، "بفضل خيوط الكيراتين النانومترية التي تمنح الشعر نعومته وقوته المذهلة" في الآن نفسه. إن فشل شفرة الحلاقة أمام الشعر البشري الناعم شبيهٌ بعملية "سحب الثقة" الشائعة في العمل السياسي، وتشويهٌ لسمعة الصلابة ذائعة الصيت اللصيقة بالفولاذ. لكن، بالمعايير العلمية التي احتكم إليها فريق الباحثين، وبفضل بحث دقيق للبنية المجهرية لشفرة الحلاقة، يبدو مشكلة التلف الوظيفي -التدريجي والسريع معًا- للشفرة الفولاذية لها ما يسوِّغها. وفي اعتقاد مايرز أن فريق المهندسين استخدم "المعارف الأكثر حداثةً وتقدُّمًا في الميكانيكا وعلم المواد؛ للوصول إلى استنتاجات مفاجئة".

لغز جديد
عكف الفريق على دراسة الميكانيزمات الفيزيائية الدقيقة والمتشابكة الكامنة في تفاعل عناصر هذه الظاهرة في أثناء عملية التقطيع.
ومن البداية، بدا الأفق واعدًا مع مجموعة تجارب أولية أُجريت بواسطة مجهر إلكتروني ماسح (SEM) وتقنية حيود الإلكترونات (EBSD) لرصد عملية تآكُل شفرات حلاقة الوجه بعد حلاقة واحدة، وبعد مراحل مختلفة من الاستخدام، وعلى عينات عديدة من الشعر ذات أقطار مختلفة.

وقد تم تصميم جهاز فيديو بالغ الصغر لإدخاله في المجهر الإلكتروني من أجل التقاط صور عالية الدقة لعملية التفاعل بين عنصري البحث في أثناء القطع.

برزت نتيجةٌ مدهشةٌ لتحليل الصور المجهرية لنصل الشفرات المستعملة؛ فأولًا، فنَّدت النتيجة ما كان يُعتقد في السابق أنه المتسبب في جعل الشفرة عديمة الفائدة؛ إذ لم يحدث تآكُل الحافة إلا بشكل طفيف للغاية، بحيث استُبعد أن يكون وحده المسؤول عن إتلاف الحدّة، على غرار ما استُبعِد عامل التشقُّق الهش للطلاء الصلب للشفرة. وكذلك تم استبعاد أن يكون لمرور الوقت تأثيرٌ على إضعاف حدة نصل الشفرة وإصابتها بالإجهاد.

وثانيًا، أظهرت نتيجة تحليل الصور المجهرية تشكُّل تشققات في مناطق متفرقة على طول حافة الشفرة، عبارة عن شظايا مفقودة من الحافة الحادة من جَرَّاء التشقق.

وكان اكتشاف وجود هذه التشققات في مناطق معينة فقط "لغزًا جديدًا" بحد ذاته في تقدير فريق المهندسين، ليبدأ تعميق البحث في ظروف فشل الفولاذ، أي الشروط الحَدِّية المعقدة لما يحدث من تغيرات غير شاملة وغير موحدة على الشكل الأصلي لفولاذ الشفرة. "أردنا أن نفهم في أي ظروف يحدث هذا التشقق على الشفرة؟ ونتحرّى مكونات فشل الحافة"، يقول سيمال تاسان، رئيس الفريق البحثي، في تقرير عن الدراسة على الموقع الإخباري الإلكتروني لمعهد ماساتشوستش. إن الشروط الحَدِّية المتشابكة تؤدي إلى تعرُّض كلٍّ من شفرة الحلاقة والشعر "لتشوه" متبادَل وتغيُّرات سريعة في شكليهما الأصليين، فالمادتان المتفاعلتان لديهما بنى هرمية مجهرية معقدة ذات خواص متباينة واستجابات ميكانيكية تعتمد على زاوية الضغط والحجم المتسبِّب في التشويه.

حل اللغز
قادت الاختبارات المختلفة التي أجراها فريق البحث إلى استنتاج أن حجم التشقُّقات لا يؤثر عليه قُطر خصلة الشعر أو عدد الشعيرات المقطوعة بالتتابع، ولا زاوية القطع وحدها. إذ يمكن للجزء نفسه من النصل الحاد قص عدة شعيرات بزوايا قطع مختلفة، مما يؤدي إلى عدم حدوث تشوُّه مرئي، إلى أن تفقد الشفرة حدَّتها فجأة.

كما اكتشف الفريق أيضًا أن الشقوق كثيرًا ما تظهر حين تواجه حواف الشعر؛ إذ يمكن لخصلة شعر واحدة أن تتسبب في تشقُّقين في النصل على سبيل المثال. ويحدث أعلى تكثيف للضغط عند الشق الملامس لحافة الشعر، ويتناقص بسبب الشقوق التي لا تلامس الشعر.

 وبينما تمنح السمات البنيوية للفولاذ المارتينسيتي والكربيدات الموزعة بشكل غير متجانس صلابةً عاليةً للشفرة، فإن استجابتها الميكانيكية تظل مع ذلك غير موحَّدة، حتى إذا ما تشكّلت شقوق دقيقة على النصل، تتلف حافة القطع بسهولة؛ لأن الشعر يضغط على نقاط الضعف الموجودة على النصل المعدني، فيبدأ الفولاذ في التشقُّق ثم يتفكَّك بسهولة أكبر.

أفادت تجارب محاكاة بنمذجة شفرة فولاذية تقطع شعرةً واحدة، وفق تغييرات في زاوية القطع مثلًا، واتجاه القوة المطبقة في القطع، وتكوين معدن الشفرة. ما قاد فريق المهندسين إلى تحديد ثلاثة شروط لتشكّل هذه الشقوق وفشل الفولاذ، الحالة الأولى تحدث في أثناء اقتراب الشفرة بزاوية من الشعر، والحالة الثانية إذا كان تكوين فولاذ الشفرة غير متجانس، والحالة الأخيرة عند التقاء حافة خصلة الشعر بالشفرة عند نقطة ضعيفة في بنيتها غير المتجانسة.

لقد تبيَّن أن للفولاذ ضعفًا حيويًّا وحاسمًا في مصير الفشل الذي يلاقيه أمام الشعر الناعم، فعملية شحذ الفولاذ المارتنسيتي في أثناء تصنيع الشفرات لجعل الأنصال عالية الحدة تؤدي إلى تشكُّل شقوق دقيقة جدًّا على سطح المعدن، وهي الشقوق نفسها التي تتسع عندما يلتقي الشعر بشفرة الحلاقة ليحدث التشظِّي ثم التلف.

يقول "تاسان" في التقرير المنشور على موقع المعهد: إن هذه الشروط توضح آليةً تُعرف باسم تكثيف الإجهاد، فعدم التجانس في مادةٍ ما يمكن أن يزيد الضغط عليها، بحيث يمكن أن ينمو الشق، على الرغم من الضغط الناتج عن مادة ناعمة كالشعر، وبمجرد تشكُّل شقوق مصغّرة، فإن البنية غير المتجانسة للمادة تمكّن هذه الشقوق المصغّرة من الاتساع بسهولة.

"الأمر كله يتعلق بظروف التفاعل"، يؤكد سوفين ماثودة، أستاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة كاليفورنيا، لـ"للعلم"، منبهًا إلى أحد التفاصيل المهمة التي أشار إليها مهندسو معهد ماساتشوتس، وهي اهتمامهم بالأسباب الأولية لتلف الشفرة في الظروف الرطبة/ الجافة للشعر، ولكن ليس الآثار اللاحقة التي قد تحدث في أثناء الحلاقة المستمرة بالشفرة نفسها (التآكل، الأكسدة، الإجهاد)، لافتًا إلى أن عامل تعرُّض الشفرة للماء لم تجرِ دراسته بعد.

وإذ يسوق "سوفين" مثال الماء العذب الذي "يمكن أن ينحت الوادي إذا أُعطي الوقت الكافي لذلك"، فلكي يضيف أن "التآكل المحلي على حافة النصل الناتج عن التعرُّض للماء يمكن أن يُسهم أيضًا في فقدان حدة التقطيع والتشقق".

وللتدليل على ذلك، يوضح "سوفين" أن المياه في جنوب كاليفورنيا تحمل الكثير من المعادن، مثل الكالسيوم والمغنيسيوم، "ومن المحتمل أن تتفاعل هذه المواد بحيث تؤدي إلى تآكُل حافة النصل بطرق لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة". كما أشار إلى عوامل إفشال أخرى قد "تقع من جَرَّاء تلف الشفرة بسبب الضرر المادي الذي يمكن أن يلحقها إثر سقوطها أو تأثيرات أخرى".

عمومًا، سيفيد حل لغز التلف السريع لشفرات الحلاقة الفولاذية في تفادي المشكلات الهندسية القائمة وتطوير معدن الفولاذ ومعالجة نقاط ضعفه أمام المواد الناعمة ليصير أكثر تجانسًا وأعلى صلابةً ومقاومةً للتشقق. ويقول "سوفين"، الخبير في معالجة المواد المعدنية والمركبة: إن اقتراح فريق مهندسي معهد ماساتشوستش استخدام "مادة صلبة، متجانسة وذات مكونات صغيرة (أصغر بكثير من نصف قطر طرف الشفرة) مثل المارتينسيت الناعم، غير المتبلور (من دون حبيبات ولا بلورات على الإطلاق) أو نانوكريستالين (حجم الحبة المتبلرة أقل من 100 نانومتر)، يمكن أن يجنّب حدوث تركيز الإجهاد بين الأطوار المجهرية غير المتجانسة في المناطق التي يُحتمل أن يبدأ فيها التشقق".

يواصل فريق الباحثين حاليًّا العمل على تطوير شفرات حلاقة أطول عمرًا، لكن اكتشافهم يمكن أن يفيد في نطاق أوسع لتطوير أدوات تقطيع أكثر استدامةً مستخدمة في قطاعات حيوية عديدة غير الحلاقة، كالتصنيع والطب ومعالجة الأغذية والأجهزة المنزلية.