بدأت دراسة الطبيعة الكهربية للدماغ، للمرة الأولى، منذ أكثر من 145 عامًا، عندما تمكن الطبيب البريطاني، ريتشارد كاتون، في عام 1875 من رصد نبضات كهربية على سطح الدماغ لعدد من الأرانب والقردة، باستخدام جهاز جلفانوميتر، الذي كان يُستخدم آنذاك لقراءة التيارات الكهربية الضعيفة، تلا ذلك إجراء سلسلة من الأبحاث على الحيوانات، حتى نجح الألماني هانز برجر في ابتكار وتصميم أول جهاز لرصد وقراءة النشاط الكهربي للدماغ، أو ما يُعرف بجهاز تخطيط كهربية الدماغ EEG، الذي كان بمنزلة نقلة طبية في تشخيص الأمراض العصبية والنفسية مثل اضطرابات النوم والصرع وأورام المخ وفقدان الذاكرة وارتجاج المخ وجلطاته وغيرها من الأمراض، كما استعانت وكالة الفضاء والطيران الأمريكية (ناسا) بالتقنية ذاتها لرصد إشارات المخ لرواد الفضاء خلال التدريبات لمشروع جيميناي الفضائي.

ومع رغبة العلماء في رصد الإشارات المخية الضعيفة، التي تتراوح بين 10 و100 ميكروفولت (واحد على 10000 فولت)، والتي عادةً ما تُفقد بسبب التشويش من حركة عضلات الفك أو الجمجمة وفروة الرأس، تمكن جراحا الأعصاب هربرت جاسبر ووايلدر بنفيلد من ابتكار أسلوب جراحي تثبت من خلاله المستشعرات ECoGعلى سطح القشرة المخية مباشرة، بعد إزالة جزء من فروة الرأس والجمجمة لقراءة إشارات البؤر الصرعية بكفاءة أعلى تُسهم في علاجها، وقد أعقب ذلك تطوير هذه التقنية وزرع أجيال مستحدثة من الإلكترودات لضبط كهربية المخ وعلاج بعض الأمراض.

وبفضل التطور في صناعة المستشعرات، ظهرت أجيال من الإلكترودات تتميز بكفاءة أعلى في الرصد، وأصبح من الممكن زيادة عدد المستشعرات التي يمكن استخدامها في مساحات أصغر على الدماغ، كما تم الاعتماد على معادن آمنة صحيًّا مثل البلاتينيوم والذهب والصلب المقاوم للصدأ، وهي جميعًا معادن يمكنها نقل إشارات المخ بكفاءة عالية.

وفيما يُعد بمنزلة ثورة تقنية جديدة في تشخيص أمراض الدماغ وعلاجها، بل وإمكانية قراءة الأفكار والمشاعر في المستقبل، ابتكر فريق بحثي من الأطباء والمهندسين بالولايات المتحدة شبكةً جديدةً من المستشعرات لتسجيل الإشارات الكهربية لسطح المخ بكفاءة عالية أعلى كثيرًا من التقنيات الراهنة، إضافةً إلى إمكانية الاستفادة منها للتدخل العلاجي في بعض الأمراض مثل الصرع.

Credit: David Baillot / UC San Diego Jacobs School of Engineering تقنية جديدة مطورة تتيح زرع أجيال مستحدثة من الإلكترودات لضبط كهربية المخ وعلاج بعض الأمراض

الدراسة المنشورة في دورية ساينس ترانسليشينال ميديسين Science Translational Medicine، شارك فيها ثلاث فرق بحثية من مستشفى ماساشوستس وجامعتي كاليفورنيا وأوريجون بقيادة أحمد رسلان، أستاذ جراحة المخ والأعصاب بجامعة أوريجون، وشادي أحمد، أستاذ الهندسة الكهربائية بجامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة. ووفقًا لما أعلنه الباحثون، فقد تمكنوا من تسجيل 100 نقطة على سطح المخ في السنتيمتر المربع الواحد، ما يتيح للأطباء قراءةً عالية الجودة لجميع الإشارات المخية والبؤر الصرعية الصغيرة، والتي لم تكن تُرصد بالمستشعرات السابقة، وتتيح التقنية الحديثة لجراحي الأعصاب تشخيص بعض الأمراض وعلاجها، كما تفتح المجال لدراسات أكثر عمقًا عن أورام المخ والتواصل الفعال بين المخ والكمبيوتر.

4000 نقطة رصد بشريحة بلاتينيوم

أوضح شادي أحمد -أستاذ الهندسة الكهربائية بجامعة كاليفورنيا- في حوار خاص لموقع "للعلم" أن هذا البحث بمنزلة نتيجة تراكمية لتعاون مشترك في عدة مشروعات بحثية بدأت منذ عام 2018، ومن أحدث نتائج هذا التعاون تلك الدراسة التي بدأناها منتصف عام 2020 بتصميم الشرائح وتجربتها على كلٍّ من الحيوانات والبشر.

وأضاف: لقد ابتكر فريق جامعة كاليفورنيا شبكة رصد الإشارات الكهربية، وهي عبارة عن شريحة من البوليمر على هيئة مربع، طول ضلعها قرابة 3 سم، وفيها 1024 نقطة رصد للإشارات الكهربية، كما أنها مزودة بقضبان نانومترية من معدن البلاتينيوم، تبلغ أبعاد الواحدة منها 400 نانومتر طولًا، وبقطر 50 نانومترًا.

بمقارنة التقنية السابقة بالحالية، نجد أنه في الشبكات السابقة كانت المسافة بين نقطتي رصد إشارات المخ متباعدة وتقدر بحوالي 4 إلى 10 ملليمترات، بينما تمكن الباحثون من تصغير المسافة بين النقطتين في الشبكة الجديدة لتصبح 100 ميكرون (واحد على عشرة ملليمترات)، كما أن كثافة نقط التسجيل في التقنيات القديمة كانت تقدر بنحو نقطة واحدة كل سنتيمتر مربع، في حين أن التقنية الجديدة تتيح الحصول على قراءات 100 نقطة في السنتيمتر المربع، ما يعني مضاعفة كفاءة شرائح رصد كهربية المخ ورصد إشارات كهربية لم تكن تُرصد من قبل.

وعن سبل انتقال الإشارات الكهربية المرصودة إلى أجهزة الكمبيوتر، أوضح شادي أحمد أنه في الوقت الراهن يتم ذلك عبر أسلاك كهربائية، وأنهم تلقوا مؤخرًا تمويلًا بقيمة 12 مليون دولار من معاهد الصحة الوطنية NIH  بالولايات المتحدة لدعم وتمويل بحوث وعلاج الصرع لمدة 5 سنوات، لذلك أطلقوا شركة ناشئة Precision Neurotech لتسريع عملية إتاحة التقنية للأطباء والباحثين، ولتطوير الشرائح بحيث تنقل إشارات المخ للكمبيوتر لاسلكيًّا، إلى جانب مضاعفة كفاءتها إلى 4096 نقطة بالشريحة بدلًا من 1024، والوصول إلى 1000 نقطة تسجيل في السنتيمتر المربع بدلًا من 100 نقطة، كما تقدموا بتسجيل براءة اختراع عن تصميم الشبكة الجديدة وابتكارها.

اكتشافان جديدان لفهم خلايا المخ

من ناحيته قال أحمد رسلان، أستاذ جراحة المخ والأعصاب بجامعة أوريجون: إن لجنة الأخلاقيات الطبية سمحت لنا بإجراء الاختبارات على البشر لمدة 30 دقيقة فقط خلال فترة الجراحة التي تُجرى على المريض، بشرط الحصول مسبقًا على موافقته.

وأضاف "رسلان" أنه للتأكد من السلامة الحيوية للشريحة، قامت جهة مستقلة بمراجعة مدى توافُق الشبكة مع اشتراطات إدارة الغذاء والدواء الأمريكية ومعايير الجودة (الأيزو). وأوضح أنهم أجروا الاختبارات ذاتها بنجاح في الفئران من أجل مراقبة نشاط الدماغ لمدة 196 يومًا، وبعد حصولهم على منحة المعاهد الوطنية للصحة، فإنهم يطورون الشريحة ويُجرون المزيد من التجارب على البشر، وأُولاها تركيب الشريحة في مخ المريض لمدة يوم كامل، كما يسعون لضمان سلامة زرع الشرائح لفترات أطول مثل شهرين ثم بشكل مستدام.

وأكد أن المستشعرات الجديدة ساعدتهم في إجراء اختبارات لغوية وحسابية وتحريك لأطراف المرضى بغرفة العمليات وفي أثناء يقظتهم لرصد إشارات المخ، مكتشفين وجود اختلافات في إشارات الجهاز الحركي (مثل تحريك اليد) والحسي، وهو أمر لم يُرصد بالوضوح ذاته من قبل.

وأضاف: كما وجدنا أن المناطق التشريحية بالمخ والخاصة بالنشاط الحسي أو الحركي ليست بالضرورة في المكان ذاته بقشرة المخ عند كل البشر، وبالتالي لا توجد منطقة ثابتة ومحددة لرصد الإشارات الحركية والحسية عند سطح المخ، بل هناك اختلافات في حدود 5 إلى 6 ملليمترات عما نعرفه، موضحًا أن تلك الاختلافات موجودة في 20% من البشر، وهو أمرٌ من الأهمية بمكان معرفته قبل التدخل الجراحي، خاصةً إذا افترض جراح أنه يزيل ورمًا في منطقة بعيدة عن النشاط الحركي ثم تسبب في إصابة المريض بإعاقة حركية.

ونجح الباحثون أيضًا في رصد تغيُّر نشاط القشرة المخية عبر المكان والزمان، أو كيفية انتقال النشاط الكهربائي للمخ من منطقة إلى أخرى، خلال جزء من الثانية قبل بدء أي نشاط حركي بالجسم؛ إذ رصدوا -على سبيل المثال- النشاط الكهربي للمنطقة المساعدة للحركة خلال 200 مللي من الثانية قبل بدء الحركة، ثم النشاط الكهربي للمنطقة الحركية بالمخ، ثم بعد 300 مللي من الثانية رصدوا النشاط الكهربي للمنطقة الحسية المكملة للنشاط الحركي (مثل إحساس العضلات بحركة الذراع) ثم العودة من جديد إلى رصد النشاط الكهربي للمنطقة الحركية بالمخ.

هذا التتالي من الإشارات الكهربية من مناطق مختلفة بالمخ وخلال جزء ضئيل جدًّا من الثانية كان الباحثون يعلمون به من قبل، ولكنهم تمكنوا أخيرًا من رصده وقياسه بكفاءة عالية وفي التوقيتات المحددة، مما يساعد على رصد معلومات لم نكن نعلمها عن المخ، ويُسهم في تحسين عملية تحريك الذراع الإلكترونية لمتحدي الإعاقة بكفاءة أفضل، وإدخال الذكاء الاصطناعي في تحليل إشارات المخ والتنبؤ بالنشاط الذهني أو الحركي الذي يؤديه الإنسان، ما يعني أننا قد نتمكن في المستقبل من قراءة الأفكار والمشاعر البشرية آليًّا.

بعض أفراد الفريق البحثي Credit: David Baillot / UC San Diego Jacobs School of Engineering

تطبيقات المستقبل

وتعليقًا على نتائج الدراسة أوضح زياد يسري -أستاذ جراحات المخ والأعصاب بكلية الطب بجامعة عين شمس- أن تلك المستشعرات يمكن زرعها في مناطق مختلفة بالشبكة العصبية لجسم الإنسان بخلاف المخ، مثل النخاع الشوكي والأعصاب الطرفية، للاستفادة منها في 4 مجالات:

أولًا: البحث العلمي وفهم الجهاز العصبي للإنسان والحيوان بشكل أفضل.

ثانيًا: تشخيص الأمراض، فبخلاف الصرع، نحن نعلم أن هناك بصمة أو إشارات كهربية خاصة بأمراض مثل باركنسون، وألزهايمر، وأورام المخ، ورصد تلك الإشارات سيساعد في تأكيد التشخيص.

ثالثًا: يمكن استخدام المستشعرات لأغراض علاجية، مثل توليد مجالات كهربية عبر الشرائح للحد من نوبات الصرع.

وأخيرًا: يمكن استخدام التقنية في التأهيل الاستباقي واستعادة الوظائف الحسية والحركية للحالات التي ستعتمد على أطراف صناعية، ما يفتح المجال لتطبيقات لا حصر لها للتواصل الفعال بين المخ والكمبيوتر.

وأشار عمرو السمان -أستاذ جراحات المخ والأعصاب بكلية الطب جامعة القاهرة- إلى أن تلك التقنية تمثل طفرةً في دراسة أمراض المخ والجهاز العصبي وعلاجها، مضيفًا أنه في الوقت الراهن فإن التوجه الأكبر في تطبيقات تلك التقنية هو إلى الأغراض البحثية والطبية، وإلى أن نصل إلى تلك المرحلة المتقدمة لصناعة الشرائح فإنه من المهم أن يكون هناك نقاش مجتمعي وأخلاقي وإجراءات تنظيمية حول استخدام الشرائح الإلكترونية في المخ لغير الأغراض الطبية.