هل سألت نفسك يومًا عن المبلغ المالي الذي يمكن أن تطلبه مقابل التخلِّي عن تنشيط حسابك الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"؟

سؤال ربما لم يخطر ببالك، لكنه شغل بال ثلاثة من علماء الاقتصاد المتخصصين في أبحاث التواصل الاجتماعي، الذين أجروا دراسة لتحديد قيمة الموقع الذي أسسه رجل الأعمال والمبرمج الأمريكي "مارك زوكربيرج".

بدأت فكرة "فيسبوك" في صورة شبكة "مصغرة" للتواصل الاجتماعي، لجأ إليها "مارك" –ابن الحادية عشرة آنذاك- من أجل مساعدة والده الذي كان يعمل في عيادة الأسنان في الطابق الأول من منزلهم كي يوفر عليه عناء صعود ونزول الدرج، لكن الفكرة "البسيطة" سرعان ما تحولت إلى أحد أكبر المشروعات الاستثمارية العملاقة على مستوى العالم.

استهدف الباحثون -في دراستهم، التي نشرتها دورية "بلوس 1" (PLOS ONE)- قياس أهمية موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، الذي يبلغ عدد مستخدميه نحو 2.2 مليار شخص حول العالم، ولا يتطلب دفع أي أموال مقابل الولوج إليه.

أجرى الباحثون سلسلة من المزادات، إذ لجأوا إلى دفع أموالٍ حقيقية للمستخدمين مُقابل الابتعاد عن "فيسبوك" لمدة تتراوح بين يوم واحد وعام كامل، فوجدوا أن المستخدمين طلبوا أكثر من ألف دولار مقابل إلغاء تنشيط حساباتهم الشخصية على "فيسبوك".

وتقول الدراسة إنه من الصعب العثور على دليل يستمد منه العلماء قيمة مواقع التواصل الاجتماعي، التي غيرت طريقة حياة مستخدميها، خصوصًا أن الولوج إليها لا يُكلف أي أموال، لذا، صمم الباحثون منهجهم بطريقة معكوسة؛ إذ دفعوا أموالًا للمستخدمين مقابل عدم دخول موقع "فيسبوك" لفترات زمنية مختلفة.

وأعلن الباحثون عن ثلاثة مزادات مختلفة، في المزاد الأول، طلب الباحثون تحديد قيمة عدم الولوج لموقع "فيسبوك" لمدة يوم واحد، وعرضوا الأمر على 122 طالبًا يدرسون في جامعة "ميد ويسترن" الأمريكية، وطلبوا منهم تحديد الأموال التي يتعين على الباحثين دفعها لذلك الغرض، وبلغ متوسط ما طلبه المشاركون حوالي 4.17 دولارات.

وحين طلب الباحثون منهم إغلاق حساباتهم لمدة 3 أيام طلبوا 13.89 دولارًا في المتوسط، وارتفع المبلغ إلى 37 دولارًا مقابل إغلاق الحساب لمدة أسبوع كامل، ثم تراوح المبلغ بين 1511 و1908 دولارات مقابل غلق حساباتهم لمدة عام كامل.

وفي المزاد الثاني، خضع 138 طالبًا في الجامعة نفسها للاختبار، وطُلب منهم إغلاق حساباتهم لمدة عام، فقال بعضهم إن المبلغ المطلوب هو 2076 دولارًا، في حين طلب آخرون 1139 دولارًا.

أما في المزاد الثالث، فأجرى الباحثون التجربة على 931 شخصًا بالغًا، بمتوسط عمر 33 عامًا، وطلبوا منهم إغلاق حساباتهم لمدة عام، مقابل مبلغ يحددونه، فطلبت العينة 1921 دولارًا –في المتوسط- لإغلاق حساباتهم الشخصية على فيسبوك.

ووفق الدراسة، تصل القيمة السوقية لـ"فيسبوك" إلى نحو 420 مليار دولار، ما يعني أن قيمته بالنسبة للمستخدم –وفق قيمة السوق- تبلغ 190 دولارًا، وهو ما يقل عن القيمة الحقيقة التي أظهرتها الدراسة بأكثر من ثمانية أضعاف؛ إذ طلب المستخدمون نحو 1600 دولار -في المتوسط- لإغلاق حساباتهم لمدة عام واحد.

من جهته، يقول "سليم الحبش" -الأستاذ المشارك في الدراسة من جامعة ولاية "ميتشيجان"- في تصريحات لـ"للعلم": "إن مشروع الدراسة بدأ منذ 3 أعوام، واستهدف معرفة قيمة "فيسبوك" الاقتصادية عند المستخدمين، وأكدت النتائج أن الخدمات المجانية التي يقدمها موقع فيسبوك لها قيمة مالية موازية عند المستخدم".

بدوره، يقول "جاي كوريمان" -رئيس قسم الاقتصاد في جامعة "كينيون" الأمريكية، والباحث المُشارك في الدراسة-: "إن الولوج إلى مواقع التواصل الاجتماعي يُشبه إلى حدٍّ كبير غسيل أسناننا في الصباح أو الحصول على فنجان قهوة بعد الإفطار"، واصفًا فيسبوك بأنه "نظام هيكلي في حياتنا، ونمط تلك المزادات أظهر أهمية فيسبوك بالنسبة للمستخدمين".

يُذكر أن تلك الدراسة أُجريت قبل سلسلة الفضائح الأخيرة التي تعرض لها فيسبوك، والخاصة بتسريب معلومات المستخدمين إلى طرف ثالث دون الحصول على إذنهم.

يضيف "كوريمان"، في تصريحات لـ"للعلم"، أن "الفريق البحثي سيفحص ما إذا كان فيسبوك لا يزال مُحافظًا على قيمته لدى المستخدمين بعد تلك الفضيحة أم لا، كما سنسعى في دراسة مقبلة إلى معرفة مدى إهمال مستخدمي فيسبوك لمخاطر تعرُّض خصوصيتهم للاختراق وتعرُّضهم المُفرط للإعلانات الموجهة مُقابل استمرار حصولهم على تلك الخدمة بصورة مجانية".