كشفت دراسة أجراها باحثون بجامعة كاليفورنيا الأمريكية أن "مؤسسة أبحاث السكر" -وهي مجموعة تجارية تُعرف اليوم باسم "رابطة السكر"، وتربطها علاقة تنظيمية بالمنظمة العالمية لبحوث السكر البريطانية بلندن- دفعت أموالاً لثلاثة باحثي تغذية في جامعة هارفارد؛ من أجل إخفاء بحوث تُظهر علاقة السكر بأمراض القلب.

ووفق الدراسة المنشورة في دورية "بلوس بيولوجي"، فإن القصة تعود لعام 1965؛ إذ طلبت المؤسسة من الباحثين إلقاء اللوم على الدهون بدلًا من السكر فيما يتعلق بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب، وقد جرى نشر الوثائق التي تفضح هذه العملية في خريف عام 2016.

كشفت الدراسة عن أن التقرير الذي نشره علماء الجامعة في دورية "نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسن" آنذاك حول النظام الغذائي الأمريكي، دفع الكثيرين إلى التخلُّص من الأطعمة الدهنية واللجوء إلى الوجبات الخفيفة الغنية بالسكر، مشددةً على أن الأبحاث الجديدة أثبتت أن الإفراط في استهلاك السكر يمكن أن يكون مدمرًا للصحة.

تقول كرستين كيرنس -أستاذ طب الأسنان المساعد بجامعة كاليفورنيا، والباحث المشارك في الدراسة- لـ"للعلم": "كشفت أبحاث عديدة أن الإفراط في استهلاك السكر يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين وتجلُّط الدم وزيادة الوزن واضطرابات في إنتاج الإنسولين، وعندما يكون التمثيل الغذائي للدهون سيئًا، فإن تأثير السكر يصبح أكثر خطورةً على الصحة".

ومن هنا تأتي أهمية دراستنا التي تُسهم في توثيق تلاعُب الصناعة بالعلم، وفق كيرنس، التي توضح أنهم عثروا في أرشيف جامعة هارفارد وبعض المكتبات الأمريكية على وثائق تشير إلى أن منتجي السكر وضعوا خطةً كان هدفها التعتيم على أضرار السكر، وتضليل الرأي العام، وإيهامه بأضرار الدسم والدهون فقط، بما يُبعد كل الشبهات عن السكر.

تحكي كيرنس لـ"للعلم" واحدةً من القصص التى عاشتها بنفسها وكانت أحد دوافعها لإجراء الدراسة، فتقول: "خلال حضوري لمؤتمر عُقد في 2007 حول تثقيف أطباء الأسنان بشأن العلاقة بين مرض السكرى وأمراض اللثة، وجدت خبراءً في الصحة يقولون إن الشاي المحلى بالسكر هو الأفضل بالنسبة لهم، وعندما أجريت مداخلةً تحدثت فيها عن علاقة السكر بالأمراض المزمنة، ردوا قائلين: ما من بحثٍ يدعم فكرة تسبُّب السكر في مرض مزمن".

تضيف كيرنس: لم أكن أتخيل سماع مثل هذه الكلمات من خبراء في الصحة، فمن منطلق عملي في مجال طب الأسنان، كنت على يقين بأن المشروبات السكرية لها أضرار مزمنة بالنسبة للأسنان؛ لارتباطها بزيادة البكتيريا في الفم، ما يؤدي إلى تدمير مينا الأسنان.

دليل آخر

وتُظهر الدراسة أن رابطة السكر تدخلت أيضًا في مشروع بحثي يعود تاريخه لعام 1968، إذ طلبت من باحثين بجامعة برمنجهام في المملكة المتحدة إجراء دراسة تحت عنوان "«مشروع 259»: معدل الكربوهيدرات الغذائية والدهون في الدم في الفئران الخالية من الآفات"، وهي دراسة من شقين، اعتمد الشِّق الأول فيها على تغذية مجموعة واحدة من الفئران على نظام متوازن من الحبوب والفاصوليا والأسماك والخميرة، في حين أُعطيت الفئران الأخرى نظامًا غذائيًّا غنيًّا بالسكر.

 ووجد الباحثون أن الفئران التي تغذت على السكر كانت أكثر عرضةً للسكتات الدماغية والنوبات القلبية وأمراض القلب بشكل عام، وكان لديها مستويات أعلى من المعتاد من الدهون (الدهون الثلاثية) في دمائها، أما الشق الثاني من الدراسة، فتضمَّن مقارنة الفئران التي تغذت على السكر مع مثيلاتها التي تتغذى على النشا، وتوصلت نتائج الدراسة إلى أن جراثيم الأمعاء لها دور في ارتفاع نسبة دهون الدم نتيجة تناول الكربوهيدرات، وأن الفئران التي اعتمدت على نظام غذائي غني بالسكر كانت أكثر عرضةً لارتفاع مستويات إنزيم بيتا جلوكورونيداز المرتبط بسرطان المثانة لدى البشر، وهي النتائج التي لم تر النور؛ إذ تعمدت الرابطة التعتيم عليها ومنعت الباحثين من نشر دراستهم التي كانت قد تعاقدت معهم على إجرائها".

تكهنات وافتراضات

 تواصل موقع "للعلم" مع "رابطة السكر" لاستطلاع رأيها بشأن ما تضمنته الدراسة، ونفت الرابطة تلك الاتهامات، مضيفةً في بيان أرسلته للموقع أن "الدراسة الجديدة تقوم على مجموعة من التكهنات والافتراضات حول أحداث وقعت قبل نحو خمسة عقود، وموَّلها أفراد ومنظمات اشتهرت بانتقادها لصانعي السكر، وفق رأيها، مضيفةً: لقد راجعنا أرشيفنا البحثي وتوصلنا إلى "مشروع 259" الذي تقرر إنهاؤه لثلاثة أسباب، هي: عدم توصُّله لنتائج نهائية رغم أنه امتدَّ مدةً طويلة، بالإضافة إلى ضغط الميزانية، وإعادة هيكلة الرابطة على الصعيد التنظيمي، ما يؤكد أن الرابطة لم تتعمد مطلقًا منع نشر نتائج المشروع.

بدورها، ترفض كريستين بيان المؤسسة، مضيفةً: كان علينا البحث عن تأثير السكر على سياسات الأغذية وعلى صناعة السكر، موضحةً: ابتعدنا عن الإنترنت، ورحنا نبحث في أرشيف مكتبات الجامعة، ووجدنا أن تدخُّل الرابطة حول السكر حوَّلَه من "جانٍ" مسؤول عن أمراض السمنة والسكري إلى "ضحية".

لكن المرسي أحمد مرسي -أستاذ الصحة العامة وطب المجتمع، والعميد السابق لكلية طب جامعة بني سويف- في تصريحات لـ"للعلم" يستبعد وجود مصلحة لمصنِّعي السكر في إخفاء نتائج الأبحاث، مضيفًا أن "الأبحاث العلمية الخاصة بأضرار السكر وعلاقته بأمراض القلب والسرطانات قديمة جدًّا، وأنه مادة غذائية يصعب منع استخدامها، لكن لا بد من ترشيد استهلاكه".

السكر والإصابة بالسرطان

وفيما يتعلق بأحدث الدراسات العلمية التى تؤكد وجود علاقة بين الإفراط في استهلاك السكر واحتمالات الإصابة بالسرطان، أظهرت دراسةٌ أجراها فريق بحثي بلجيكي، ونشرتها دورية "نيتشر كومينيكيشنز" في أكتوبر من العام الماضي، عن أن السكريات تحفز نمو الأورام السرطانية.

وأوضحت الدراسة أن الجينات الأكثر شيوعًا المسببة للسرطان، والتي تسمى بروتينات "راس Ras"، تولِّد الأورام العدوانية عند تناول السكر، وأن السكر "يوقظ" الخلايا السرطانية الموجودة، مما يجعلها تتضاعف وتتوسع بسرعة.

وتُعَدُّ مجموعة "راس"، من أوائل البروتينات «العصية على الأدوية»، فطوال أكثر من 30 عامًا، كان معروفًا أن التحوُّرات في الجينات التي تشفرها تُعَدّ من أقوى مسببات السرطان في بعض أشرس حالات السرطان وأشدها فتكًا، وتشمل حوالي %25 من أورام السرطان، وحوالي %90 من أورام البنكرياس. وبالنسبة لبعض أمراض السرطان المتقدمة، ترتبط الأورام التي تحتوي على تحورات (راس) بحالات الوفاة المبكرة أكثر من الأورام التي تخلو من هذه التحورات.

كما كشفت دراسة أجراها مركز "إم دي أندرسون" التابع لجامعة تكساس الأمريكية -الذي يُعنَى بأمراض السرطان- أن الوجبات الغذائية الغنية بالسكر تُعَدُّ عامل خطورة رئيسيًّا للإصابة بعدة أنواع من السرطان، وخاصة سرطان الثدي.

وكالعادة، سارعت رابطة السكر بانتقاد نتائج تلك الدراسات، مشيرةً في بيان حصل موقع "للعلم" على نسخة منه، إلى أنه "لم يتم الوصول لروابط ذات مصداقية بين السكريات والإصابة بالسرطان".

من جانبه، يعلق المرسي على وجود هذه الصلة، قائلاً: "إن المشكلة الرئيسية في تناول السكر "على نحوٍ مفرط" أنه يؤثر على عمل البنكرياس وإفراز الإنسولين، مما يسبب التهاب الأنسجة وزيادة نسبة الدهون وضعف المناعة، والتي تُعَدُّ متلازمةً تؤثر على عمل أجهزة الجسم كلها، وبالتالي تزيد فرصة الإصابة بالسرطانات".