نجح فريق بحثي من مختبر "كولد سبرينج هاربور" في اكتشاف دائرة عصبية دماغية يُمكنها التعامل مع حافزَين متعارضَين تمامًا، وهما اللذة والألم.

وقالت الدراسة التي نشرتها مجلة "نيورون" (Neuron): إن تلك الدائرة العصبية تتحكم في الدوافع الإيجابية والسلبية على السواء، وهو ما يعني أنها تتعامل طوال الوقت مع إشارات متعارضة على طول مركز معالجة المعلومات في الدماغ.

يسعى الدماغ البشري على نحوٍ طبيعي إلى البحث عن المتعة ومنع الألم، لكن التغيرات التي تحدث في الدماغ من جَرَّاء تلك العملية ليست معروفةً بالكامل، كما يجهل العلماء تمامًا الكيفية التي تستجيب بها أدمغتنا للمنبهات الإيجابية والسلبية.

وفي تلك الدراسة، كشف العلماء عن فئة من الخلايا العصبية تنقل إشارات اللذة والألم على السواء عبر "دائرة دماغية واحدة"، يبدو وكأن وظيفتها "معالجة الحوافز".

وأشار العلماء في تلك الورقة إلى أن طبيعة نشاط تلك الدائرة هي التي تُحدد إن كان الشخص يتصرف للبحث عن تجارب ممتعة "اللذة" أم لتجنُّب التجارب السلبية "الألم".

إذا ما قررت يومًا الذهاب إلى حفل موسيقي في مكان مفتوح، كمسرح الأوبرا المكشوف على سبيل المثال، وكان الطقس الخارجي باردًا للغاية، فسيبدأ دماغك في العمل وقياس المخاطر، فهل ستتصرف بطريقة تُمكِّنك من الحصول على بعض المتعة، أم ستفضِّل البقاء في المنزل لتتحاشى آثار البرد القارس؟

بعضنا سيقرر الذهاب إلى الحفل وتحمُّل الألم الناجم عن البرد، في حين سيفضل بعضنا الآخر البقاء في المنزل وتجنُّب التجربة السيئة للصقيع. تلك العملية تحدث في الدائرة التي اكتشفها هؤلاء العلماء. إذ تبدأ شبكتك العصبية في الوميض، وتنساب أفكارٌ عبر ملايين الخلايا، التي تعمل على حساب "اللذة مقابل الألم".

بشكلٍ عام، تعتمد قدرة التعرف على المكافآت أو العقوبات المحتملة والاستجابة لها –اعتمادًا جزئيًّا- على منطقة في الدماغ يُطلق عليها "الشاحبة البطنية"، وهي منطقة داخل المادة البيضاء تؤدي دورًا في السلوك والعواطف وحتى الإدمان.

في تجارب سابقة على حيوانات التجارب، أعطى العلماء شحنات كهربائية للفئران التي تخطئ في الوصول إلى الطعام. لاحظ الباحثون أن تلك المنطقة تنشط حين تسعى الحيوانات إلى تناوُل الطعام المقدَّم لها (المكافآة)، أو حين تتجنب التحفيز بالكهرباء (العقاب).

لكن الفريق العلمي الذي نفذ تلك الدراسة أراد أن يفهم كيف تستجيب الخلايا العصبية المكوِّنة لمنطقة "الشاحبة البطنية" (الموجودة في العقد القاعدية في الدماغ) بشكل منفصل. قام الباحثون بمراقبة الخلايا في أثناء الاستجابة لنوعين من التحفيز، إذ دربوا الفئران العطشى على الحصول على رشفة ماء حين سماع صوت معين، أو ضربها بتيار قوي من الهواء حين سماع صوت آخر.

ثم استخدموا مجموعةً من الأدوات -من ضمنها التصوير بالأشعة المقطعية- لتتبُّع نشاط خلايا الدماغ بشكل فردي في تلك المنطقة.

ووجد الباحثون أن دائرة عصبية تستخدم حمضًا أمينيًّا يُسمى "جاما أمينوبريك" تومض باستمرار في حالة الحصول على المكافآت، أو محاولة تجنُّب الألم.

يعمل ذلك الحمض الأميني بمنزلة ناقل عصبي في الدماغ؛ إذ يحجب بعض الإشارات أو يمنعها أو يُقويها وفقًا لنوع النشاط الكيميائي. وجد الباحثون أن الدائرة العصبية تَزيد من إفراز الحمض الأميني حال الحصول على المكأفاة "رشفة الماء في حالة الفئران"، أو تُقلل من إفراز ذلك الحمض "لتجنُّب عقوبة الضرب بتيار من الهواء".

قام العلماء بتصميم تجربة أخرى، بسيناريوهات أكثر تعقيدًا، قسموا فيها الفئران إلى مجموعتين، المجموعة الأولى مكونة من الفئران العطشى، في حين تتكون المجموعة الثانية من فئران تم تقديم المياه لها قبل التجربة. وجد الباحثون أن الحيوانات العطشى أكثر استعدادًا للمخاطرة بالضرب بتيار من الهواء للحصول على رشفة مُقارنةً بالفئران غير العطشى (تمامًا كاتخاذ القرار الخاص بالذهاب إلى حفل موسيقى. فالشخص المحب للموسيقى سوف يخاطر بالذهاب رغم البرد، في حين سيفضل الشخص الأقل حبًّا لها الجلوس في المنزل والاستمتاع بالدفء!"، وفي كلتا الحالتين، تومض الدائرة نفسها.

وحين أجرى الفريق تحفيزًا كهربيًّا لتلك الدائرة، وجدوا أنهم يُمكنهم تغيير سلوك الحيوانات بصورة كبيرة. وهذا يعني أن التوازن بين الإشارات التي تمنع أو تحفز الخلايا العصبية في تلك الدائرة يبدو حاسمًا في السيطرة على الدافع الذي يعمل عليه الحيوان.

يقول عالِم الأعصاب في مختبر كولد سبرينج "بو لي"، وهو المؤلف الرئيسي لتلك الدراسة: إن فهم العلاقة بين الدوائر العصبية والسلوك "مهم للغاية في فهم الأمراض النفسية ذات الصلة بالفسيولوجيا".

ويضيف "لي" في تصريحات لـ"للعلم": "إن ذلك البحث استخدم تقنياتٍ متعددةً للوصول إلى تلك النتائج، من ضمنها الأشعة المقطعية والتصوير الجزيئي، وقد كشفت لنا تلك التقنيات عن وميضٍ في تلك الدائرة تحديدًا حين يتعلق الأمر بالاستجابة للمكافأة أو الألم أو عمل التوازن بينهما، وهو ما يؤكد أن نشاط تلك الدائرة حاسمٌ في ذلك الأمر".

استمرت تلك الدراسة ثلاث سنوات، وفق "لي"، الذي يقول إن الهدف الرئيسي لتلك الدراسة هو تقديم مجموعة من الرؤى الأساسية حول طبيعة عمل الخلايا العصبية في حالات المكافأة أو الألم، وهو الأمر الذي يُمكن أن يُسهم في علاج الأمراض العصبية العقلية، كالاكتئاب واضطرابات القلق.