"هناك وحش تحت سريري"، عبارة كفيلة بأن تبث الرعب في قلوب مَن يسمعها في ظل ما تحمله من تأكيد أن وجود هذا الوحش هو أمر يقيني وليس مجرد احتمال، لكن إضافة كلمة مكونة من حرفين مثل "قد"، أو أربعة حروف مثل "ربما" إلى تلك العبارة من شأنه أن يخفف مشاعر الخوف ويحول اليقين إلى مجرد احتمال قابل للشك أو عدم التصديق.

من هنا تأتي أهمية الدراسة التي أجراها فريق من علماء علوم الأعصاب بجامعة "نيويورك"، وانتهوا فيها إلى أن "أدمغتنا تستجيب للألفاظ التي تعبر عن الحقائق بشكل مختلف عما تفعله مع الكلمات التي تنقل الاحتمالية".

وتقدم الدراسة التي نشرتها دورية "إي نيورو" (eNeuro) رؤية جديدة كُلِّيًّا حول تأثير اختيار المفردات في أثناء التحدث والاستماع على أدمغتنا.

تقول "ماكسيم تولينج"، الباحثة في قسم علوم اللغة بجامعة نيويورك، ومؤلفة الدراسة: "إن المعلومات التي تقدم كحقائق تُثير ردود فعل خاصة في أدمغتنا، وقد رصدنا اختلافًا في الوقت الذي يستغرقه الدماغ للمعالجة بين المعلومات التي نسمعها بألفاظ يقينية والبيانات الأخرى التي تُقال بألفاظ تحتمل الشك".

تضيف "تولينج" في تصريحات لـ"للعلم": حين نسمع كلمات مثل -ربما أو قد- يحدث تأخير في معالجة المعلومات في الدماغ بمقدار حوالي 200 مللي ثانية، مما يُظهر أن أدمغتنا تميز بسرعة بين الحقائق والاحتمالات.

وتتابع: الدماغ حساس للمنظور الذي تُقدمه الكلمات؛ إذ تستجيب المناطق الجانبية اليُمنى للدماغ مباشرةً للكلمات التي تُعبر عن الحقيقة، في حين تُعالج المناطق الأمامية الإنسية الكلمات التي تُعبر عن الاحتمالية، وهذا هو سبب الفرق الواضح في توقيت معالجة المعلومات.

في وقت تكثر فيه الأخبار المزيفة والمعلومات المضلِّلة، من المهم أكثر من أي وقت مضى فصل الحقائق عن التخمينات، أو عن الأمور التي تحمل في طياتها الاحتمالية.

يقول الباحثون: "إن تلك الدراسة -التي اشتركت فيها أيضًا جامعة نيويورك أبو ظبي- تهدف إلى الكشف عن الكيفية التي يتفاعل بها الدماغ مع المعلومات"، مشيرين إلى أن "اللغة أداة قوية لنقل المعلومات بشكل فعال، والطريقة التي يتم بها تقديم المعلومات لها عواقب مباشرة على كيفية معالجة أدمغتنا لها. لذا، استخدم الباحثون ذلك المنظور لبحث استجابة الأدمغة للكلمات".

لقد أدرك الباحثون منذ مدة طويلة أن الدماغ يستجيب بعدة طرق لاختيار الكلمات. ومع ذلك، فإن الفروق التي تظهر في معالجة الدماغ للغة التي تعبر عن الحقيقة مقارنةً بالكلمات التي تُعبر عن الإمكانية لم تكن واضحةً تمامًا.

وكان الهدف الأساسي لتلك الدراسة هو الكشف عن زمن معالجة الدماغ للكلمات التي تُعبر عن الحقائق ومقارنتها بالكلمات التي تشير إلى الاحتمالية.

لاستكشاف هذا، استخدم الباحثون نظريات في علم اللغة لتصميم تجارب متعددة، سمع فيها الأشخاص سلسلةً من الجمل والسيناريوهات تعبر عن الحقيقة والاحتمالية.

ثم عمل الباحثون على قياس نشاط أدمغة الأشخاص الخاضعين للدراسة في أثناء تجربة الاستماع عن طريق تخطيط الدماغ المغناطيسي، وهي تقنية ترسم خريطة للنشاط العصبي الدماغي عن طريق تسجيل المجالات المغناطيسية الناتجة عن التيارات الكهربائية التي ينتجها الدماغ.

وأظهرت النتائج أن اللغة الواقعية أدت إلى زيادة سريعة في النشاط العصبي، مع استجابة الدماغ بشكل أقوى وإظهار المزيد من المشاركة مع العبارات والسيناريوهات القائمة على الحقائق، مقارنةً باللغة التي تُعبر عن الإمكانية أو الاحتمالية.

ولاحظ الباحثون أن "الحقائق تسود عندما يتعلق الأمر بالدماغ؛ إذ تميز مناطق الدماغ المشاركة في معالجة الخطاب بسرعة بين الحقائق والاحتمالات، وتستجيب بشكل أقوى بكثير للبيانات الواقعية مقارنة باستجابتها لتلك غير الواقعية. وتشير هذه النتائج إلى أن الدماغ البشري لديه تمثيل عصبي قوي ومعدّل للمعلومات الواقعية".

تقول "تولينج": بدأ العمل في هذا المشروع في عام 2017، وأجرى الفريق تجربتين منفصلتين لتأكيد تلك النتائج، وتم تخصيص الكثير من الوقت لتطوير المواد اللغوية التي قدمناها للمشاركين؛ لأننا أردنا التأكد من أننا درسنا تبايُن الحقيقة مقابل الاحتمال دون تقديم أي عوامل محيرة أخرى.

وتتابع: نحن الآن في عام 2020، وهناك نقاش متزايد حول الأخبار المزيفة وانتشار المعلومات المضللة، مما يجعل موضوع البحث مناسبًا جدًّا. والبحث يقدم نظرة ثاقبة حول كيفية تمييز أدمغتنا بين الحقائق والاحتمال، ويُظهر أننا حساسون جدًّا لهذا التبايُن اللغوي منذ اللحظة التي يصبح فيها متاحًا لنا. فحقيقة أن اللغة البشرية تسمح لنا بالتحدث عن أي شيء، حتى عن الأشياء خارج الوقت الحاضر، مثل الاحتمالات، أمرٌ رائعٌ للغاية. إن ما يسمى بقدرة "الإزاحة" هي إحدى الخصائص المميزة التي تمتاز بها لغتنا على أنظمة الاتصال الحيوانية الأخرى.

وتوكد "تولينج" أن "اللغة مهمة؛ إذ تشكل أداة قوية لنقل المعلومات بشكل فعال، والطريقة التي يتم بها تقديم المعلومات لها عواقب مباشرة على كيفية معالجة أدمغتنا لها. فالمعلومات المقدمة كحقائق تثير على الفور ردودًا خاصة في أدمغتنا، تختلف عن الوضع عندما نعالج المعلومات نفسها بعلامات واضحة لعدم اليقين، وبالتالي علينا جميعًا توخي الحذر في أثناء التحدث، كما يجب علينا اختيار الألفاظ بدقة للتعبير بصدق عما نتحدث به.