يقول خورخي لويس بورخيس :"الله يحرك اللاعب، وهو بدوره يحرك القطعة. ولكن أي إلَهٍ من وراء الله يبدأ الجولة... جولة من الغبار والزمان والنوم والاحتضار؟"

في الوقت الذي أكتب فيه هذا العمود، هناك برنامج كمبيوتر يُدعى "ألفاجو" يهزم اللاعب المحترف لي سيدول Sedol Lee في بطولة حظيت بتغطية إعلامية واسعة في العاصمة الكورية سيول. يُعَدُّ سيدول واحدًا من أكبر ثلاثة لاعبين في العالم، بعد أن بلغ أعلى رتبة في اللعبة، رتبة "9 دان". هذا الانتصار على واحد من أفضل ممثلي البشرية، في هذه اللعبة التقليدية الضاربة في القدم، كان ساحقًا: 3 مقابل 1، مع انتظار جولة أخرى قادمة. بهذه الهزيمة، تفوق أداء أجهزة الكمبيوتر على البشر في آخر ألعاب الألواح الكلاسيكية، وهي لعبة تتميز بعمقها وبساطتها في آن واحد. وهكذا، فثمة عصر قد ولّى وعصر جديد قد بزغ، ومن الواضح أن الأساليب الأساسية التي يقوم عليها "ألفاجو" ، وتفوّقه الأخير على البشر، سيكون له تداعيات مذهلة على مستقبل الذكاء الاصطناعي.

القدوم من العدم

كان صعود "ألفاجو" إلى القمة في عالم لعبة الـ"جو" صعودًا مذهلًا ومتميزًا عن مسار الآلات التي تمارس لعبة الشطرنج. فعلى مدى 10 سنوات، عكف فريق من المهندسين المتخصصين في عتاد أجهزة الكومبيوتر وبرمجياته –والذين تعاقدت معهم شركة "آي بي إم" IBM في نهاية المطاف- على بناء وبرمجة حاسوب عملاق، أطلقوا عليه "ديب بلو" Deep Blue، من أجل القيام بعمل واحد فقط: لعب الشطرنج بقدرة تقييم بلغت 200 مليون حركة في الثانية الواحدة. وفي تطور متوقع، تحدى فريق "آي بي إم" بطل العالم في الشطرنج جاري كاسباروف Garry Kasparov. وخلال ست جولات من المباراة، التي عُقدت في عام 1996، فاز كاسباروف ضد "ديب بلو" ثلاث مرات، وتعادل مرتين، وانهزم في جولة واحدة. لكنه انهزم في السنة التالية خلال مباراة عودة تاريخية، مسجلاً نتيجة 2.5 مقابل 3.5 لـ"ديب بلو".

والشطرنج لعبة قديمة من نمط الألعاب الاستراتيجية، على غرار لعبة "إكس -أو" tic-tac-toe ولعبة الداما "الشيكرز" checkers ولعبة "الريفيرسي" reversi ولعبة الطاولة ولعبة "جو". في كل هذه الألعاب يتناوب اللاعبون على وضع قطع أو تحريكها. وعلى عكس ألعاب الورق "الكوتشينة" -حيث يقتصر دور اللاعب فيها على مشاهدة أوراقه فحسب والأوراق التي يتخلص منها الآخرون- يكون لاعبو الشطرنج على اطلاع كامل على كافة المعلومات ذات الصلة بالدور والخصم؛ إذ لا دور للصدفة أو الحظ في أثناء اللعب.

إن قواعد لعبة الـ"جو" أبسط بكثير من لعبة الشطرنج. فللجانبين الأبيض والأسود وعاء من الحجارة السوداء والبيضاء، ويضع كل منهما بالتناوب حجره في شبكة خانات 19×19. وإذا وُضع حجر فلا يجوز تحريكه بعد ذلك. والهدف النهائي من اللعبة -التي نشأت في الصين منذ أكثر من 2500 سنة- هو أن تحيط حجارة كل لاعب بحجارة الخصم فتطوِّقها، وحينئذٍ تُعتبَر الحجارة المطوَّقة أسيرة، ويتم سحبها من لوحة اللعبة. إنها قاعدة بسيطة جدًّا، لكنها رائعة الجمال؛ إذ تظهر فيها معارك معقدة بين الجيشين الأسود والأبيض تمتد من زوايا اللوحة إلى مركزها.

يمكن وصف الألعاب المنطقية المحضة، مثل لعبة الشطرنج و"جو"، بعدد التحركات الممكنة في كل لحظة أثناء اللعب، والتي تقفز باللعبة تدريجيًّا باتجاه التعقيد. ووفقًا للمرحلة التي بلغتها اللعبة، يجب على اللاعبين اختيار حركة واحدة من عدد قليل من التحركات المتاحة، ويدعى ذلك بـ"اتساع اللعبة" أو "عامل التشعب ب"، فإذا كان الدور للأبيض، فعليه اختيار حركة من التحركات "ب" المتاحة؛ وعندئذٍ يمكن للأسود الرد على كل منها بحركات مضادة عددها "ب"، وهكذا، وبعد دورة واحدة، يكون الأبيض بحاجة إلى عدد من الحركات يساوي ب×ب، أي ب 2 لأخذها في اعتباره أثناء تخطيطه الاستراتيجي خلال اللعب.

إذا افترضنا أن لعبة شطرنج تستغرق في المتوسط عددًا من ​​التحركات يساوي د (يدعى "عمق اللعبة")، فإن شجرة اللعبة الكاملة انطلاقًا من أية وضعية بداية –أي قائمة التحركات والتحركات المضادة والتحركات المضادة للتحركات المضادة، وهلم جرًّا... حتى فوز أحد اللاعبين- تحتوي على نحو ب×ب×ب... تحركًا، وعدد "د" تحركًا في كل صف، أو عدد "بد" من وضعيات النهاية (وهو ما يسمى بـ"العُقد الطرفية" أو أوراق شجرة البحث). وبالنظر إلى أن لعبة الشطرنج النموذجية لها عامل تفرع يُقدر بـ35 وتتم في 80 خطوة، فإن عدد التحركات المحتملة يكون مرتفعًا، حوالي 35 80 (أو 10 123)، ويُعرف هذا العدد باسم "عدد شانون"، نسبة إلى رائد مختبر "بيل"، كلود شانون، الذي لم يخترع فقط نظرية المعلومات، ولكنه كتب أيضًا أول بحث حول كيفية برمجة الآلة من أجل لعب الشطرنج، في عام 1950. ونلاحظ أن عدد شانون، عند 10 123 حركة محتملة، هو عدد ضخم، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار أن عدد الذرات في كل الكون الملحوظ، من المجرات والنجوم والكواكب والكلاب والأشجار والبشر، هو 1080 ذرة فقط. لكن تعقيدات الـ"جو" أكبر من ذلك بكثير، مع اتساعها البالغ 250 حركة محتملة في كل دور (نشير إلى أن الـ"جو" تُلعب بلوحة 19×19 خانة، وهنا نلحظ الفرق بالمقارنة مع لوحة 8×8 خانة في لوحة الشطرنج) ومع لعبة بعمق نموذجي يقدر بـ150 حركة، فإن هناك قرابة 250 150، أو 10 360 حركة محتملة. إنه رقم يتجاوز حدود الخيال، ويجعل أي تفكير في تقييم شامل لكل الحركات الممكنة ضربًا من الجنون.

ونظرًا لهذا التعقيد الافتراضي غير المحدود، فإن الـ"جو" تتجاوز بكثير لعبة الشطرنج في موضوع إدراك الأنماط، التي تنشأ عندما تحيط الحجارة بحيز فارغ. ذلك أن اللاعبين يدركون -بوعي أو بغير وعي- العلاقات بين مجموعات الحجارة، ويتحدثون عن مثل هذه المفاهيم التي تبدو غامضة كأنها أشكال "خفيفة" و"ثقيلة" من الحجارة والعاج، والتي تعني الاحتمالات الكامنة. ومع ذلك، فالتقاط هذه المفاهيم حسابيًّا (خوارزميًّا)، أصعب بكثير من إدراك القواعد الرسمية للعبة. وبناء عليه واجهت البرامج المعلوماتية، التي اعتنت بلعبة الـ"جو"، صعوبات جمة مقارنة بمثيلاتها الخاصة بالشطرنج. ولم تسجل أي فوز ضد محترف بشري في أي وقت مضى في ظل ظروف المسابقات العادية، وقد خمّن البعض أن مثل هذا الفوز لن يتحقق قبل عقد من الزمن على الأقل.

وبعد، فقد انفجر "ألفاجو" في الوعي العام من خلال مقال نشرته مجلة نيتشر، إحدى المجلات العلمية الأكثر احترامًا في العالم، في 28 يناير من العام الجاري. وقد تم تطوير البرنامج من قبل فريق يضم 20 شخصًا، أشرف عليه معجزة الأمس في لعبة الشطرنج، وعالم الأعصاب الذي تحول اليوم إلى رائد للذكاء الاصطناعي "ديميس هاسابيس" ، وذلك عبر شركته في لندن "ديبمايند تكنولوجيز"، والتي استحوذت عليها جوجل في عام 2014. وما يثير الدهشة أكثر في مقال مجلة نيتشر، أنه كشف أن "ألفاجو" قد لعب ضد الفائز بالبطولة الأوروبية، فان هوي، في أكتوبر 2015، وفاز بـ5 مقابل 0.

البحث تحت الغطاء

واللافت أن خوارزميات "ألفاجو" لا تحوي أية معارف جديدة أو ابتكارات خارقة، فالبرنامج يجمع بين خوارزميات شبكة عصبية جيدة قديمة الطراز وتقنيات تعلُّم الآلة، وكل ذلك مدعوم بهندسة برمجيات رائعة تعمل على أجهزة معيارية قوية -48 وحدة معالجة مركزية (CPU) أضيفت إليها 8 وحدات معالجة رسومية "جرافيكس" (GPU)- وقد صُممت لجعل الرسومات ثلاثية الأبعاد بادية أمام جمهور اللاعبين، كما زودت الأجهزة بقوة تشغيل عالية من شأنها تنفيذ بعض العمليات الحسابية.

وتقع الشبكات العصبية في قلب عمليات الحوسبة، وكأنها سلالة منحدرة من الدوائر العصبية التي تعمل في الأدمغة البيولوجية، وتعمل طبقات من الخلايا العصبية، مرتبة الواحدة تلو الأخرى، على معالجة المدخلات -هنا هي وضعيات الحجارة على اللوحة 19×19 للعبة الـ"جو"- وتستمد تمثيلات الجوانب المختلفة للعبة بشكل تجريدي على نحو متزايد باستخدام ما يعرف بـ"شبكات التلافيف" convolutional networks. نَلحظ أن هذه التكنولوجيا نفسها كانت قد أتاحت مؤخرًا إمكانية تحقيق الأداء الخارق في عملية التعرُّف الآلي على الصور، مثل وسم كل الصور المنشورة على صفحات فيسبوك.

بالنسبة لأية وضعية على اللوحة، هناك شبكتان عصبيتان تعملان جنبًا إلى جنب لتحسين الأداء: الأولى هي "شبكة القيمة"، التي تخفض من العمق الفعلي للبحث من خلال تقدير مدى احتمال أن تؤدي وضعية معينة على اللوحة إلى الفوز، دون حاجة إلى تعقُّب كل عقدة من شجرة البحث. أما الشبكة الثانية فهي "شبكة الخطط" التي من شأنها تخفيض اتساع نطاق اللعبة، وبذلك يتقلص عدد الحركات من أجل وضعية معينة على اللوحة، ومن ثمّ يتم اختيار أفضل الحركات لبلوغ وضعية معينة. تنشئ "شبكة الخطط" قائمة بالتحركات المحتملة، والتي تقيّمها بعد ذلك "شبكة القيمة" وفقًا لأهمية كل تحرك في إلحاق الهزيمة بالخصم.

ومن المثير للسخرية أن تكون أقوى التقنيات لهذه اللعبة المتميزة بطابعها الحتمي –حيث نَلحظ أن كل حركة فيها تتحدد تمامًا بناءً على الحركات السابقة- هي تقنيات احتمالية مبنية على إدراك استحالة استكشاف غالبية فروع شجرة البحث من الناحية العملية، ولذا فمن الأفضل اختيار بعض الفروع الواعدة، بصورة عشوائية تقريبًا، وتقييمها حتى النهاية -ذلك هو المتبع لتحديد وضعية على اللوحة كي يفوز أحد اللاعبين. وبالتالي، يمكن أن توزن العقد المختلفة في شجرة اللعبة تجاه تلك التي تزيد من فرص الفوز. ومع إعادة الكَرَّة مرارًا؛ يُطلق على إنشاء مثل هذه العينات شبه العشوائية اسم "شجرة بحث مونت كارلو"، وهي بمقدورها أن تؤدي إلى السلوك الأمثل، حتى لو لم يُكتشَف إلا جزء صغير من الشجرة الكاملة للعبة. وظهرت تقنية مونت كارلو عن طريق الخطأ في مختبر لوس ألاموس الوطني، في أواخر أربعينيات القرن العشرين، في أثناء تصميم أولى الأسلحة النووية، وهي مستخدمة على نطاق واسع في الفيزياء. وقد تم تطبيق تقنية شجرة مونت كارلو بنجاح في برنامج "كريزي ستون"، الذي يُعَد واحدًا من أقدم البرامج التي قدمت لعبة الـ"جو" للهواة على مستوى لائق.

ورغم ذلك، لم تكن شجرة بحث مونت كارلو كافية في حد ذاتها لكي تعطي هذه البرامج قدرة تنافسية على المستوى العالمي. ويتطلب ذلك تزويد برنامج "ألفاجو" بالقدرة على التعلُّم، في البداية عن طريق تعريضه لمباريات مسبقة جرت بين محترفين في اللعبة، ثم تمكينه من لعب ملايين المباريات ضد نفسه، ومواصلة تحسين أدائه في هذه العملية.

في المرحلة الأولى، بدأت شبكة عصبية للخطط من 13 طبقة باعتبارها رقعة بيضاء –دون تعرض مسبق للعبة الـ"جو". ومن ثَم، جرى تدريب البرنامج على 30 مليون وضعية على اللوحة انطلاقًا من 160 ألف لعبة حقيقية مأخوذة من قاعدة بيانات الـ"جو". ويفوق هذا العدد بكثير عدد الألعاب التي يمكن للاعب محترف أداؤها خلال حياته. تقترن كل وضعية للوحة بالحركة الفعلية التي اختارها اللاعب (لذلك سُميت هذه التقنية "التعلُّم بالإشراف")، وتُعَدل الوصلات بين الشبكات عن طريق ما يسمى بـ"تقنيات التعلم الآلي العميقة"، لجعل الشبكة أكثر عرضة لاختيار أفضل حركة في المرة القادمة. وبعد ذلك يتم اختبار الشبكة بتزويدها بوضعية لوحة من لعبة لم يطَّلع عليها البرنامج من قبل. بدقة، وإن كانت بعيدة عن الكمال، توقَّعَ البرنامجُ الحركةَ التي فعلها اللاعب المحترف.

في المرحلة الثانية، تدربت شبكة الخطط نفسها باستخدام التعلُّم المعزَّز. وهي التقنية الموروثة من المدرسة السلوكية –وهي مدرسة فكرية هيمنت على علم النفس وعلم الأحياء في النصف الأول من القرن الماضي، تؤمن بالفكرة القائلة إن الكائنات الحية -من الديدان والذباب والرخويات البحرية إلى الفئران والبشر- تتعلم من خلال الربط بين فعل معين ومؤثرات معينة تسبقه. ولما كان ذلك يحدث مرارًا وتكرارًا، تتراكم لدى الكائن العضوي ارتباط بين المحفزات والاستجابة لها، ويمكن عمل ذلك دون وعي تمامًا، باستخدام تقنية التعلُّم عن غيب أو التعليم عن بعد.

هب أنك تدرب كلبك على التدحرج و"تمثيل دور الميت" عندما تأمره بذلك، إنك تستطيع تجزئة هذا السلوك المعقد إلى إجراءات قصيرة -الاستلقاء على الأرض، والدوران، وتمديد القوائم في الهواء. وبمجرد قيام الكلب بالحركة تلقائيًّا أو لأنك تشرح له كيف يتم ذلك ويحاول تقليدك، اعمل على مكافأته (ما يُعرف لغويًّا بالتعزيز) بالثناء أو بلقمة من الطعام. كرر هذه العملية عددًا كافيًا من المرات، وسترى الكلب يؤدي دور الميت عندما تأمره بذلك.

لقد جرى تطبيق التعلُّم المعزَّز منذ سنوات في الشبكات العصبية لتقليد سلوك الحيوان وتدريب الروبوتات، وقد أثبتت "ديب مايند" هذا الأمر خلال العام الماضي، عندما لقنت الشبكات درسًا في كيفية لعب 49 لعبة فيديو مختلفة من ألعاب أتاري 2600، وتشمل هذه الألعاب فيديو "بنبول"، و"ستار جانر"، و"روبوتنك"، و"رودرانر"، و"بونج"، و"سبيس انفيدرز"، و"مس باك-مان"، و"إليان ومونتزوما ريفانج". (ما قد يكون مؤشرًا يتوقع ما ستؤول إليه الأشياء مستقبلًا، هو أن "أتاري" لفظ ياباني في لعبة الـ"جو" يدل على التقاط وشيك لحجر واحد أو أكثر).

في كل مرة تعمل فيها شبكة "ديبمايند"، فإنها "تشاهد" نفس شاشة لعبة الفيديو، بما في ذلك النتيجة الحالية للمباراة والتي يراها كل لاعب بشري. أما خرج الشبكة فهو أمر يرسَل إلى عصا اللعب لتحريك المؤشر على الشاشة. وتبعًا لتعليمات المبرمج، التي تقضي ببلوغ أفضل النتائج في اللعبة، تعمل الخوارزمية على تنفيذ ذلك، حيث تعرف قواعد اللعبة على مدى آلاف وآلاف من التجارب. إنها تتعلم كيف تتحرك، وتضرب السفن المعادية وتتجنب تدميرهم لها. وبالنسبة لبعض الألعاب، فإن الخوارزميات تحقق أداءً يفوق طاقة البشر. وقد استغل برنامج "ألفاجو" خوارزمية التعلُّم المعزَّز القوية نفسها، بدءًا من تهيئة شبكة الخطط بعد خطوة "التعلُّم تحت الإشراف".

في المرحلة الثالثة والأخيرة من التدريب، يتم تدريب "شبكة القيمة" -التي تقدر مدى احتمال أن تؤدي وضعية معينة على اللوحة إلى الفوز- باستخدام 30 مليون وضعية من الوضعيات المولَّدة ذاتيًّا، والتي اختارتها شبكة الخطط. إنها ميزة اللعب الذاتي، والتي يستحيل على البشر تقليدها (لأنها تتطلب من عقل اللاعب أن يقسم نفسه إلى قسمين)، والتي تمكن الخوارزمية من تحسين أدائها على الدوام.

يتميز "ألفاجو" بقدرته على اختيار استراتيجية تزيد من احتمال الفوز، بغض النظر عن مقداره. على سبيل المثال، فإن "ألفاجو" يفضل الفوز باحتمال 90% باستخدام حجرين بدلًا من الفوز باحتمال 85% باستخدام خمسين حجرًا. قليل من الناس مَن يتخلى عن فرصة تكون فيها بعض الخطورة، في سبيل سحق خصمهم والفوز الأكيد عليه، حتى لو كان فوزًا ضعيفًا.

والنتيجة النهائية كانت تصميم برنامج أداؤه أفضل من أي منافس، وأن يفوز على بطل الـ"جو"، فان هوي. ومع ذلك، فهذا الأخير ليس من بين اللاعبين الـ300 الأفضل في العالم –نَلحظ أنه بين المستويات العليا من اللاعبين، تختلف قدراتهم بشكل واضح، إلى درجة أن عمرًا كاملًا من التدريب لم يكن ليكفي كي يفوز فان هوي على شخص مثل لي سيدول. وهكذا، واستنادًا إلى المباريات الخمس المتاحة للجمهور، والتي جرت بين "ألفاجو" وهوي، توقَّعَ سيدول -توقُّع الواثق بنفسه- أنه سوف يسيطر على "ألفاجو"، وأنه سيحقق فوزًا خماسيًّا عليه مقابل لا شيء، أو ربما في أسوأ الأحوال يفوز عليه في أربع مباريات مقابل مباراة واحدة. لكن ما لم يحسب سيدول حسابه هو أن البرنامج الذي سيواجهه في سيول هو نسخة محسنة بشكل كبير من تلك التي واجهها هوي قبل ستة أشهر، علمًا بأن النسخة الأخيرة قد حُسنت بتزويدها بعامل "اللعب الذاتي" الذي لا يُقهَر.

الفرق المثير للاهتمام بين "ديب بلو" و"ألفاجو" هو أن محرك التقييم في الأول، الذي يمنح قيمة إيجابية (جيد) أو قيمة سلبية (سيئ) لوضعية من الوضعيات في رقعة الشطرنج، كان عملية مبرمجة بشكل واضح. وقد سمح هذا الفارق لمبرمجي "ديب بلو" بإضافة قواعد واضحة، مثل "إذا حدث هذا الموقف، افعل كذا"، لقائمة من التكتيكات. ولم يكن ذلك ممكنًا في "ألفاجو"، المنحدر من الشبكة العصبية الخاصة بـ"ديب بلو"؛ لأن كل المعارف في "ألفاجو" مشفرة ضمنيًّا في "مكونات" الشبكة.

ماذا بعد؟

كان "ديب بلو" بمنزلة انتصار لقوة الآلة على العقل البشري المتفرد. واستند نجاحه بشكل شبه كامل إلى المعالجات المعلوماتية بالغة السرعة، والتي صُممت لهذا الغرض. وعلى الرغم من أن فوزه على كاسباروف كان حدثًا تاريخيًّا، لم يؤدِّ الانتصار إلى أي تطبيق عملي أو فوائد جانبية. ذلك أن شركة "آي بي إم"، أحالت الآلة للتقاعد بعد ذلك بوقت قصير.

من غير المرجح أن يلقى برنامج "ألفاجو" المصير نفسه؛ فالبرنامج يعمل بمعالجات متوفرة في الأسواق. وإذا ما مُنح المزيد من القوة الحسابية (عن طريق توزيعه عبر شبكة مؤلفة من 1200 وحدة معالجة مركزية ووحدة معالجة رسومية) فلن يحسن ذلك أداءه إلا على نحو طفيف. وتكمن الميزة التي ينفرد بها برنامج "ألفاجو" في قدرته على تقسيم نفسه إلى قسمين، واللعب ضد نفسه والعمل باستمرار على تحسين أدائه. عند هذه النقطة، ليس من الواضح ما إذا كان هناك حد لقدرة "ألفاجو" على تحسين أدائه. (إلا إذا كان من الممكن قول نفس الكلام حول أدمغتنا)، ومن المحتمل أن يشكل هذا القلب النابض في أي نظام ذكي، تلك الضالة التي يسعى إليها الباحثون، أي الذكاء الاصطناعي العام المنافس للذكاء البشري في القوة والمرونة .

ومن المرجح أن فريق هاسابيس في "ديبمايند" يفكر ويعمل على تصميم برامج أكثر قوة، مثل الإصدارات القادرة على تعليم نفسها لعبة الـ"جو" ذاتيًّا من الصفر، دون الحاجة إلى الاعتماد على الأمثلة المستمدة من الألعاب المعروفة عند الإنسان، وكذلك إصدارات تتعلم لعبة الشطرنج، أو برامج تلعب في آن واحد لعبة "الداما" والشطرنج و"الجو" على مستوى عالمي، أو تلك التي يمكن أن تتعامل بلا حدود مع لعبة "تكساس هولديم بوكر"، أو ألعاب القمار المشابهة.

في خطوة جديرة بالثناء، وصف هاسابيس وزملاؤه باستفاضة تفاصيل الخوارزميات والإعدادات الوسيطة التي يستخدمها فريق "ديبمايند" لتوليد "ألفاجو" في نشرة مرافقة صدرت في مجلة نيتشر. وهو ما يسرع الوتيرة المحمومة للأبحاث حول الذكاء الاصطناعي في المختبرات الأكاديمية والصناعية حول العالم. من أجل التعزيزات، هناك خوارزميات تعتمد على التجربة والتعلُّم من الخطأ، يمكن تطبيقها لحل مشكلات لا تعد ولا تحصى في العديد من المجالات، سواء ما يتعلق بالأسواق المالية، والتشخيص الطبي، والروبوتات، والحروب، وغيرها. لقد بدأ عهد جديد بأداة غير معروفة لكنها ذات قدرات كامنة بالغة القوة –ولها تداعيات على المدى الطويل تخص أنماط التوظيف والمراقبة على نطاق واسع، وكذلك الحالات المتزايدة لعدم المساواة في السياسة والاقتصاد.

وماذا عن انعكاسات "ألفاجو" على لعبة "جو" ذاتها؟ على عكس رأي المتشائمين، فإن نمو برامج الشطرنج في كل مكان قد نشط لعبة الشطرنج، مما ساعد على تدريب جيل من اللاعبين صاروا أكثر مهارة من سلفهم. نَلحظ أن الظاهرة نفسها يمكن أن تحدث أيضًا لدى جمهور لعبة "جو". ومهما يكن من أمر فإن سرعة السيارة أو الدراجة النارية، التي تفوق سرعة أي عدَّاء، لم تقض على متعة الركض. فهناك المزيد من الناس يمارسون سباق الماراثون أكثر من أي وقت مضى. في الواقع، يمكن القول إنه عند إزالة الحاجة إلى إثبات "أنا الأفضل" باستمرار، يمكن للبشر التمتع أكثر بالطابع الجمالي والفكري الذي تتميز به هذه اللعبة، رغم تقشُّفها اللافت مقارنة بمضمونها. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن لعبة الـ"جو" كانت واحدة من الفنون الأربعة في الصين القديمة، التي ينبغي على كافة المثقفين وعلية القوم إتقانها.

علينا أن نعيش كل حياة تحمل معنى، ولها ما يبررها من أسباب جوهرية خاصة بها، وكذلك يجب أن يكون شأن لعبة "جو": أن نلعبها لقيمتها الجوهرية. وكما قال الفيلسوف مارك رولاندز، يمكن لهذه المتعة أن تأخذ عدة أشكال:

"هناك متعة التركيز، أي تجربة أن نكون منغمسين تمامًا فيما نعمله. وهناك متعة الإخلاص، وهي تجربة أن نكون متفانين في العمل وليس فيما سينتج عنه، أي في النشاط وليس في الهدف منه. وهناك متعة الديمومة، أي تجربة لعبة صعبة نلعبها بكل ما أوتينا من قوة ونقدم كل ما لدينا دون ادخار أي جهد، ولا يهم الثمن الذي تتطلبه اللعبة. تلك هي متعة التحدي والتوحش والشراسة: لا، لن تكسروني، ليس هنا، وليس اليوم".

لقد أظهر لي سيدول هذه المتعة في معركته ضد قوة الـ"جو" الجديدة والمتفوّقة، وفي ذلك، كان سيدول يمثلنا جميعًا. هذا المقال مُهدى إليه.

لي سيدول، لاعب الـ"جو" الكوري الجنوبي المحترف يظهر على شاشة التلفزيون خلال مباراة التحدي "جوجل ديبمايند" ضد برنامج جوجل الخاص بالذكاء الاصطناعي.