تقول رئيسة الوزراء البريطانية السابقة "مارجريت تاتشر" إن الإرهابيين يتعاملون مع تتبُّع وسائل الإعلام لعملياتهم الإرهابية بوصفه "أوكسجين الدعاية"، فيما يرى "أيمن الظواهري" -أحد أبرز قيادات تنظيم القاعدة- أن التغطية الإعلامية لتلك العمليات تعني أن "التنظيم كسب نصف المعركة"، في إشارة إلى أنها تمثل نجاحًا في الوصول إلى الجمهور العادي.

وعلى الرغم من الدور المركزي الذي يؤديه الجمهور في فهم ظاهرة الإرهاب ورد الفعل الحكومي تجاهه، فإن مناقشات النخبة وأهل السياسة وتنظيراتهم غالبًا ما تهمل استكشاف كيفية فهم المواطنين العاديين للإرهاب، مكتفين بطرح مجموعات متنوعة من الأطر المفاهيمية، وهي الأطر التي تقوم على بناء هيكلي للتسويغ وليس للتفسير، دون الاهتمام بالجمهور العادي الذي يُعَدُّ المَعنيَّ الأول بالحدث، وذلك في ظل وجود علاقة سببية بين التغطية الإعلامية الكبيرة واستفحال الارهاب؛ إذ إن الصدى الإعلامي الموسَّع هو بالضبط ما تسعى إليه هذه التنظيمات من خلال ما تنفذه من عمليات.

دراسة حديثة نشرتها مؤخرًا دورية "أمريكان جورنال أوف بوليتيكال ساينس"، حاولت الإجابة عن أسئلة مثل: كيف ومتى يصنف الجمهور العادي حادثةً ما على أنها "حادثة إرهابية"؟ وما العوامل التي تُسهم في هذا التصنيف؟ وكيف تشكل وسائل الإعلام وعيه، بحيث يكون قابلاً للتعامل مع الحدث على أنه حادثة إرهابية؟

دور مركزي

تشير الدراسة التي أعدها باحثان بقسم العلوم السياسية بجامعة هارفارد الأمريكية، إلى أن السياسيين يستطيعون التلاعُب في رسم تصورات الجمهور العادي عن الإرهاب من خلال تأطير حوادث العنف بطرق معينة لتحقيق أهداف معينة؛ إذ يتأثر الجمهور بما هو موضوعي، مثل درجة العنف وشدته، كما يتأثر في الوقت ذاته بالتفاصيل التي يعرضها منفذو الحادثة ووسائل الإعلام.

فمن المرجح مثلًا، أن يصنف الشخص العادي أي حادثةٍ عنيفةٍ على أنها "إرهابية" إذا تبنتها منظمات معينة، في حين يقل احتمال تصنيفه للحدث على أنه إرهابي إذا نفذه أفراد لديهم "تاريخ إصابة بأمراض عقلية".

وتكشف عن أن وسائل الإعلام تتمتع بقدرة كبيرة على تشكيل تصنيف الجمهور للأحداث العنيفة على أنها إرهاب من عدمه، وتؤدي دورًا مركزيًّا بالنسبة لكل الأطراف المعنية بالحدث الإرهابي، بداية من الإرهابيين أنفسهم، مرورًا بصانعي السياسات، وانتهاءً بالجمهور المتلقي لكل الرسائل الإعلامية الصادرة عن جميع الأطراف.

يقول جوشوا دي كيرتزر -الباحث المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الولايات المتحدة الأمريكية تشهد عددًا كبيرًا من حوادث إطلاق النار سنويًّا، وهناك مناقشات عامة كبيرة حول ما إذا كان يجب تصنيف تلك الحالات على أنها إرهاب"، مضيفًا أنهم توصلوا لوجهات نظر متباينة بين السياسيين والجمهور العادي حول كيفية تصنيفها.

ويؤكد "أنهم -الباحثين في مجال الإرهاب والعنف السياسي- أصبحوا مفتونين بهذه الخلافات، ما دفعهم لمحاولة فهم الظاهرة بشكل أفضل".

ويرى دي كيرتزر أن أهم ما يميز دراسته عن الدراسات الأخرى أنها تركز مباشرةً على الجمهور وليس المنظمات الإرهابية أو الحكومات، معتبرًا أن "الجمهور هو مَن يتحمل العبء الأكبر من تداعيات العمليات الإرهابية".

علاقة تبادلية

وتشير نتائج الدراسة إلى أن وسائل الإعلام لها دور كبير في تشكيل ميل الجمهور لتصنيف الأحداث العنيفة، وأنه بالرغم من أن الجمهور يصنف الأحداث على نحو مماثل لمخططات التصنيف الرسمية التي تستخدمها الحكومات المختلفة، فإنه ينحرف أيضًا في بعض النواحي، فعلى سبيل المثال، يعتقد الجمهور أن الحوادث التي تحركها الكراهية من المحتمل أن تكون إرهابًا كتلك التي تحركها أهداف سياسية، وبهذا المعنى، يبدو أن هناك انفصالًا بين التعريفات القانونية الرسمية والحدس الشعبي، لذا فإن التحليلات التي ستضيفها التغطية الإعلامية ستزيد من فهمنا لكيفية تصنيف الناس للحوادث على أنها إرهابية.

في تعليقها على نتائج الدراسة، تقول سهير صفوت -أستاذ مساعد علم الاجتماع السياسي بجامعة عين شمس- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الجمهور يعتمد على وسائل الإعلام باعتبارها أحد أهم مصادر الحصول على المعلومات. ويعدها أداةً لفهم المتغيرات الخاصة بزمان ومكان وتأثير المضامين المقدمة على سلوكيات الجمهور ومعتقداتهم ومشاعرهم.

وتشدد صفوت على أن الجمهور العام يسعى لإقامة "علاقة تبادلية" بينه وبين المعلومات التي تقدمها وسائل الإعلام لفهم البيئة المحيطة بالحدث ومراقبتها، والحصول على دلالات عن كيفية التعامل مع المواقف والأحداث المختلفة، وهو ما يترتب عليه تكوين الاتجاهات نحو القضايا الساخنة.

 وتبين الدراسة تجريبيًّا الطرق التي يمكن بها بناء مفهوم الإرهاب اجتماعيًّا من خلال وسائل الإعلام وتأطير النخبة، كما تتصدى لإحدى المعضلات الأساسية، وهي أن مشكلات تعريف الإرهاب تتعلق بارتباطه بالوصف الذي تطلقه وسائل الإعلام على المنظمات الإرهابية، والذي يؤدي فيه الموقف السياسي الذي يتبنونه دورًا كبيرًا، وفق صفوت، مضيفةً أن من ذلك استخدام أوصاف لغوية مختلفة لإطلاقها على عناصر تلك المنظمات، منها: إرهابيون، ومخربون، وعصاة، ومنشقون، ومتمردون، وجنود تحرير، ومناضلون، وما شابه ذلك، ما أدى إلى عدم وضع تعريف محدد للإرهاب، كما أدى إلى اختلاط صور العنف السياسي المشروع بالإرهاب غير المشروع، وفق رأيها.

ألاعيب السياسة

وحول تلاعب الساسة بالتصورات المتعلقة بالإرهاب، تعلق صفوت بأن "النتائج تشير إلى أن السياسيين يستطيعون التلاعب في تصورات الإرهاب من خلال تأطير حوادث العنف بطرق معينة، لتحقيق مصالح معينة، عن طريق التحكم في الخطاب الإعلامي بطريق مباشر أو عن طريق وكلاء".

وتضيف أن "ثمة ثلاث استراتيجيات مختلفة للتعامل الإعلامي مع الخريطة الإدراكية للجمهور، وهي التوظيف والتعديل والتنميط، فعن طريق تحليل الخريطة الإدراكية للجمهور يمكن صياغة الرسالة الإعلامية بحيث تتناسب مع تلك الخريطة، لتكون أكثر تأثيرًا ولتحقق مستوىً مرتفعًا من الاستجابة، وأيضًا لتهميش القدرات الدفاعية لدى المتلقي العادي بدرجة كبيرة".

من جهتها، ترى سحر حساني -رئيس قسم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة قناة السويس- أنه لا يمكن تعميم نتائج هذا البحث، مضيفةً في تصريحات لـ"للعلم"، أن "العينة، بالرغم من تنوُّعها، لا تمثل السكان الأمريكيين ككل؛ إذ أُجريت التجربة على عدد من البالغين الذين جرى اختيارهم عبر خدمة "أمازون ميكانيكال ترك" Mechanical Turk ، التي تتيح الاستعانة بأشخاص لإنجاز مهمات بسيطة تتطلب أداءً بشريًّا مقابل مبلغٍ من المال".

وتقول حساني: إن الباحث ارتكز على التصميم التجريبي المشترك، الذي مكَّنه من جمع مجموعة من السمات المشتركة في عدد من الحوادث، بلغت سبع سمات، مثل نوع التكتيك المستخدم، وحجم الإصابات، وموقع الحادثة، وغيرها، لكنه لم يوضح لماذا اعتمد ذلك المنهج دون غيره، ولا ما هي سمات وخصائص العينة التي تم اختيارها من حيث السن والمستويات التعليمية والمهنية والاقتصادية.

وتضيف أن البحث لم يتناول أيضًا الاختلاف بين الأفراد أنفسهم في رؤيتهم وتعريفهم للإرهاب، فما يراه البعض إرهابًا، يراه البعض الآخر عملًا مشروعًا، وبالتالي لم يوضح الأسس التي يستند إليها كلا الطرفين في رؤيتهم للإرهاب.

وكانت عينة البحث قد ضمت 1400 أمريكي بالغ، عُرضت عليهم سلسلة من الحوادث التي جرى التلاعب فيها بمؤثرات تتعلق بموقع الحدث وطريقة تناوله إعلاميًّا، ثم طُرحت عليهم أسئلة عما إذا كان ينبغي اعتبار تلك الحوادث إرهابًا أم لا، بهدف محاولة قياس الفهم الجماهيري لمصطلح الإرهاب.

 ويُعَدُّ هذا الإجراء التقني جزءًا من تيار آخذ في التزايد من مجال بحوث العلوم الاجتماعية، يرتكز على استخدام الطرق التجريبية لتفكيك حدس الجمهور العادي تجاه المبادئ السياسية.

واعترف دي كيرتزر بأن "الدراسة شابها بعض أوجه القصور، مثل أن عينة البحث اعتمدت فقط على مشاركين من الولايات المتحدة، وبالتالي فإن الأفراد من بلدان أخرى قد يفكرون ويحددون الإرهاب بطرق مختلفة جدًّا مقارنةً بعينة البحث".

وأضاف: "الدراسة تتعلق بالوقت الراهن، ما يعني أن الصورة الذهنية عن الإرهاب قد تتغير خلال السنوات القادمة، وكلها أمور تحتاج إلى مزيد من الدراسات في المستقبل".

ازدواجية المعايير

ونصح دي كيرتزر بأنه "يجب على صانعي القرار الاعتراف بخطورة ازدواجية المعايير التي تسيطر أحيانًا على الطريقة التي نصنف بها عملاً ما على أنه إرهابي أو غير إرهابي، وهي الازدواجية التي ترجع -إلى حد كبير- إلى الذاتية المتأصلة داخلنا فيما يتعلق بفهم الأسباب التي تدفع الأفراد إلى تنفيذ أعمال عنيفة، وينبغي أن يتخلى صانعو السياسات عن تلك الازدواجية، وأن يضعوا معايير موضوعية وواضحة ومحددة للتعامل مع أعمال العنف ذات الدوافع السياسية".

وكانت الدراسة قد حذرت من تبنِّي وسائل الإعلام لـ"معايير مزدوجة" في تغطيتها لجرائم العنف، مشيرةً إلى أنه إذا كان مرتكب الحادثة مسلمًا، فإن وسائل الإعلام تغطي الحدث في إطار كونه حدثًا إرهابيًّا إسلاميًّا، أما لو كان الجاني غير مسلم، فإنها تذهب، على الأرجح، باتجاه استكشاف حياته الشخصية ودراسة صحته العقلية.

وحول أهم الصعوبات التي واجهها الباحثون في أثناء البحث، يقول دي كيرتزر: "وجود أكثر من 200 تعريف للإرهاب، كلٌّ منها يضع تصورًا حول ما هو إرهاب وما ليس إرهابًا، وبين كل تعريف وآخر اختلافات طفيفة".