في إحدى وقائع إطلاق النار من جانب أفراد الشرطة على رجال سود عُزّل، أطلق ضابط شرطة في شمال ميامي النار على تشارلز كينزي في شهر يوليو الماضي، وهو معالج سلوكي كان راقدًا على الأرض وذراعاه مرفوعتان. وكان الرجل على ما يبدو يحاول مساعدة مريض مصاب بالتوحد كان جالسًا في الشارع. نجا كينزي من الموت، لكن الواقعة تجيء في أعقاب حوادث أخرى قاتلة في مينيسوتا ولويزيانا ومقتل ثمانية ضباط شرطة في ولايتين.

يبذل أفراد الشرطة، وواضعو السياسات، والعلماء جهودًا حثيثة لإيجاد حلول لمحاربة الاستخدام المفرط للقوة، وأحيانًا المميت، ضد الأمريكيين من أصل أفريقي. ويقول كثير من الباحثين إن إحدى الخطوات الأولى قد تتمثل في ضرورة الحصول على بيانات أفضل حول مدى تكرار استخدام دوائر الشرطة للعنف ضد الأشخاص وتحت أي ظروف.

نشر مركز بحثي يسمى "مركز الإنصاف في العمل الشرطي" في يوليو الماضي، أقوى بيانات حتى الآن حول مدى تكرار استخدام ضباط الشرطة للقوة في أثناء أدائهم لمهام وظيفتهم، وكيف تختلف تلك الأفعال وفقًا للعرق الذي ينتمي إليه الأشخاص الضالعون في الواقعة. وتردد هذه البيانات أصداء ما يجري تداوله بشكل شبه يومي في عناوين الأخبار، وهو أنه عبر مناطق متنوعة جغرافيًّا وديمغرافيًّا من البلد، يتم استخدام القوة البدنية المفرطة -عن طريق تقييد الحركة أو اللكمات أو المسدسات الصاعقة أو البنادق- ضد السود بشكل غير عادل، حتى بعد أخذ الفوارق بالنسبة لمعدلات الاعتقال على خلفية جرائم عنيفة، وعوامل أخرى في الاعتبار.

تأتي هذه النتائج من بيانات تغطي السنوات من 2010 إلى 2015، قدمتها 12 إدارة شرطة في عموم البلد بشكل تطوعي، علمًا بأنه جرى إخفاء هويات إدارات الشرطة في هذا التقرير.

تحدث الدكتور جاك جلاسر -أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، والخبير في التحامل العنصري الدفين من قبل أفراد الشرطة، والمشارك في تأليف التقرير الجديد- مع "ساينتفك أمريكان" عن عمل المركز وسبل مواجهة التحامل، والأسئلة الكثيرة التي تبدو الإجابة عنها مستحيلة في بلد أذهله العنف المتصاعد.

(فيما يلي نقدم نص الحوار بعد تحريره)

من المعروف، أن ضباط الشرطة، شأنهم شأننا جميعًا، يمكن أن يكونوا عرضة للتحامل الدفين. فهل يمكنك أن تصف لنا بإيجاز ما معنى هذا؟

تعكس مشاعر التحامل الدفينة، ارتباطات ذهنية إيجابية أو سلبية، تكون لدى الأشخاص تجاه مختلف الفئات، كالفئات العرقية أو الإثنية، وسمات معينة كالإجرام أو الخطر. ومشاعر التحامل تلك دفينة من حيث كونها تستقر في ذلك الجزء من المخ الذي لا يستطيع الوعي أن يصل إليه. ويتم تفعيل هذه المشاعر في ذاكراتنا، عندما نواجه شخصًا ينتمي إلى واحدة من تلك الفئات، أو عندما تتبادر إلى أذهاننا تلك الفئات. وهي سمة غير مرنة، عندما تجعلنا نصدر أحكامًا متحاملة بشأن هؤلاء الأشخاص، استنادًا إلى مفاهيم مسبقة عن الفئات التي ينتمون إليها.

عملت مجموعات -من ضمنها المركز البحثي الذي تنتمي إليه، وهو مركز الإنصاف في العمل الشرطي- من أجل تصميم برامج لضباط الشرطة تهدف إلى المساعدة على محاربة التحامل الدفين في سياق العمل. فما طبيعة هذا التدريب؟

 الكثير يدعون إلى التدريب على مكافحة التحامل الدفين، ومن ضمنهم هيلاري كلينتون. وفيما يخص طبيعة التدريب، فإنه يتخذ صورة أحاديث مستندة إلى محاضرات ومناقشات، عن ماهية التحامل الدفين، والكيفية التي يؤثر بها على أحكامك على الآخرين ويجعلك تصدر أحكامًا فيها تمييز.

 

 

هل لدينا بيانات حقيقية تُظهر أن هذا التدريب يغيّر أفعال الضباط في الميدان؟

مع الأسف، لم يثبت أن أيًّا منها كان له أي تأثير فعلي على الأداء. يمكنك زيادة وعي الناس بوجود تحامل دفين وأنه يؤثر عليهم، لكن هذا يختلف عن منع التحامل من التأثير على أحكامهم. إن طبيعة التحامل الدفين، هي أنك لا تستطيع الشعور به وهو يؤثر. وثَمة تقارير داخلية تقيّم هذه البرامج، لكن لم يتم نشرها ضمن البحوث المحكّمة. وما زلنا بوجه عام نعمل باستخدام القليل جدًّا من المعلومات. يؤكد العلماء ضرورة عدم تسمية هذا "تدريبًا"، لأنك لا تريد أن تترك لدى الناس انطباعًا بأنك تعمل على تغيير سلوكهم. والصواب أن ما نفعله هو زيادة الوعي. من الممكن أن يؤدي الحديث عن مشاعر التحامل، إذا لم يتم بشكل صحيح، إلى تعزيز مشاعر التحامل تلك. أو أن يشعر الناس –عندما يعتقدون أنهم تخلصوا مما بداخلهم من مشاعر تحامل أو دُربوا على التخلص منها– بأنهم أحرار في أن يمارسوا عملهم دون أي قلق بشأن هذا التحامل بعد اليوم، وهو الشيء الذي يمكنه بالفعل زيادة التحامل.

إذًا فكيف لنا الحصول على بيانات جيدة؟

نحن نعكف على بناء قاعدة البيانات الوطنية المعنية بالعدالة، في مركز الإنصاف في العمل الشرطي، ونأمل في أن نتمكن من إلقاء نظرة على آثار هذه الجلسات التدريبية [الخاصة بالتحامل] على الأداء الفعلي. ليست لدينا أي بيانات مقارنة فيما بين دوائر الشرطة. وإذا كنت ترغب في اختبار هذا داخل دائرة شرطة بعينها، فإنك تكلف بعض الوحدات بشكل عشوائي لأداء الاختبار، ثم تقارن بين أفعال أفراد هذه الوحدات، لكن هذا لم يحدث. في أحسن الأحوال أنت تحصل على بعض التغيرات في المواقف الظاهرة، لكن دون حدوث تغير فعلي في المواقف الداخلية، ودون أي تحسن ظاهر في الأداء.

 ماذا لو أن ورش العمل المعنية بالتحامل قد لا تكون الحل المناسب، فما الذي يمكن لدوائر الشرطة فعله؟

نحن لا نعرف كيف ننزع مشاعر التحامل من أنفس الناس؛ لأن الثقافة متشبعة بشدة بهذه القوالب النمطية الجامدة. والتوصية العامة التي أقدمها –وفي اعتقادي أنها متسقة مع ما يقترحه مركز الإنصاف في العمل الشرطي بوجه عام– هي أن تجد دوائر الشرطة سبلًا للحد من المعدلات التي تحدث بها هذه المعاملات.

ما معنى هذا؟

يملك أفراد الشرطة مساحة كبيرة للاجتهاد والتقدير الشخصي فيما يخص مَن يشتبكون معه ومَن يلقون القبض عليه، وهذا قد ينتج عنه تفاوت شديد في التوقيفات التقديرية. يمكنك أن تقلل من مقدار الاحتكاك، دون الإخلال بالسلامة العامة. وعندئذٍ فإن فرصة وجود معاملات متحاملة تنخفض انخفاضًا حادًّا. وقد رأينا هذا في مدينة نيويورك، إذ انخفض عدد التوقيفات بشدة وانخفضت التفاوتات العرقية بشدة؛ لأن هناك مساحة أقل للتعامل.

 دوائر الشرطة الاثنتا عشرة التي زودتك ببياناتها طواعية، أحيطت علمًا بأنه لن يتم الكشف عن هويتها. فكيف تعرف أن تلك البيانات دقيقة؟

دائمًا ما يخامرنا القلق بخصوص دقة البيانات التي يتم تقييمها ذاتيًّا. وكل ما نأمله أن نكون قد تحوطنا ضد هذا الشيء، من خلال إخفائنا هويات دوائر الشرطة صاحبة هذه البيانات.

وكلما كبرت قاعدة البيانات (لدينا بالفعل الكثير من دوائر الشرطة التي تنتظر إضافتها بجانب هذه الاثنتي عشرة)، سوف نرى نسبة كبيرة ممثلة من سكان الولايات المتحدة. وأتوقع أنه في غضون سنة أو سنتين من اليوم، سيكون لدينا –على أقل تقدير– دوائر شرطة تغطي نصف سكان الولايات المتحدة. فنحن نستهدف الدوائر الكبيرة. ما زالت هناك مخاوف بخصوص دقة البيانات المقدمة من دوائر الشرطة. فبعض هذه الدوائر يكتفي بإرسال ملفات من نوع (بي دي إف) تحتوي على إحصائيات موجزة. ونحن نعمل مع كل هذه الدوائر ليتم جمع وإرسال بيانات خام على مستوى أي واقعة، لكن هناك تفاوتًا كبيرًا في هذا الصدد.

هذه أول بيانات علنية حول هذه القضية. فكيف تمكنتم من ذلك؟

عمل مركز الإنصاف في العمل الشرطي طيلة سنوات حتى الآن لإقامة علاقات مع دوائر الشرطة، وهذا جزء كبير من المهمة. ثَمة علاقة قائمة بالفعل بين المركز وبعض رؤساء الشرطة في المدن الكبرى وبعض البلدات الصغيرة أيضًا. وقد حصلنا على منحة من مؤسسة العلوم الوطنية وبعض التمويل الإضافي من بعض الممولين من القطاع الخاص، بحيث يمكننا تشكيل فريق من الباحثين والموظفين لإنجاز هذه المهمة. كما لدينا ضمن طاقم موظفينا، بعض أفراد الشرطة المتقاعدين الذين يتولون القيام بهذا التواصل. وهو شيء فيه عون كبير لنا.

هل هناك أي مجالات أخرى جيدة مدعمة بالبيانات الكافية، يحدوك الأمل بشأنها لمحاربة الاستخدام غير الضروري للقوة؟

 الشرطة المجتمعية مفهوم غير واضح المعالم، وستجد كل دوائر الشرطة تقول إنها تمارسها. ولكي تحصل على بيانات جيدة في هذا الشأن، فلا بد من قابليتها للمقارنة ببيانات مناطق أخرى فيها مشكلات في أسلوب عمل الشرطة ، أو مناطق تُمارس فيها الشرطة المجتمعية مقابل مناطق لا تُمارس فيها. وتحاول قاعدة البيانات الوطنية المعنية بالعدالة الوصول إلى جزء من هذا. من الصعب أن نقول ما الذي قد ينجح على وجه التحديد، حتى نتعرف كل دائرة شرطة وما الذي تفعله بالتحديد.

هناك شيء واحد أشعر بحماس تجاهه، وهو سيكولوجية الاحتكاك بين الفئات المختلفة داخل مؤسسات العمل الشرطي. مجرد الاحتكاك مع أفراد من مختلِف الفئات (عرقية، إثنية، توجه جنسي، أيديولوجية، وطنية) طالما لم يكن احتكاكًا سلبيًّا أو تنافسيًّا، فإنه يحد من التحامل على الفئات الأخرى. وهناك بعض العمل الرائع الذي نُفذ في هذا الميدان، وأرجو أن أتمكن من الاسترشاد به في العمل الشرطي الموجه نحو المجتمع.