عادةً ما يتم تدريب الوسطاء المحترفين على تقدير السلوكيات الحميدة والأخلاق الدمثة والاهتمام ببناء الثقة في فض النزاعات؛ لكي يتسنى لهم العمل مع الأطراف المتفاوضة حتى يتم الوصول إلى اتفاق. لكن ثمة دراسة جديدة نشرتها دورية "مانجمنت ساينس" Management Science، تشير إلى أنه في مواقف معينة يمكن أن تكون السلوكيات العدوانية من جانب الوسيط حافزًا للأطراف المتشاحنة على التوصل إلى اتفاق. تشرح هذا الأمر تينج جانج، وهي باحثة في مجال السلوك التنظيمي بجامعة كولومبيا، والمؤلِّفة الرئيسية للدراسة، قائلة: "عندما يبدي الوسيط سلوكًا عدائيًّا، فإن أطراف النزاع تراه كعدو مشترك".

يساعد الوسطاء في حل نزاعات تتدرج من الخلافات الشخصية إلى النزاعات الدولية، ومن اتفاقيات الطلاق إلى معاهدات السلام؛ وهما نوعان من النزاعات لا يختلف أحدهما كثيرًا عن الآخر في بعض الجوانب، فكل منهما يشمل طرفين لديهما الكثير من الأمور على المحك، ولكن يتحتم عليهما مناقشة ما يريده كل طرف وما يحتاج إليه، إذا أرادا التوصل إلى اتفاق.

عرضَتْ جانج وزملاؤها سيناريوهات صراعٍ مختلفةً على عددٍ من المشاركين في الدراسة، والذين كان عليهم أن يلعبوا إما دور الوسيط، أو دور أحد طرفين يتفاوضان حول نزاع بينهما. ثم طُلِبَ من المشاركين أن يتوصلوا إلى اتفاق عن طريق التواصل كتابةً عبر غرف الدردشة، وفي بعض التجارب كان المشارِك يتصور أنه يتعامل مع أشخاص حقيقيين، دون أن يعرف أنه كان في الحقيقة يتعامل مع وسيط وخصم عبارة عن برنامج كمبيوتر. ولكن في جلسات أخرى من التجربة كان هناك بشر حقيقيون يؤدون الأدوار الثلاثة. وخلال سلسلة من هذه التجارب شملت مئات المشاركين، وجدت جانج وزملاؤها أن الطرفين المتفاوضين كانا يتوصلان إلى اتفاقات أكثر عندما يكون الوسيط –سواء كان بشرًا أو برنامجًا– عدوانيًّا، لأن الطرفين كانا على ما يبدو يشعران بأن الوسيط عدوٌّ مشترك.

تقول جانج إن هذا العمل مستوحى من مشاجرات الأشقاء الكلاسيكية، فعلى حد قولها: "الأشقاء الصغار الذين يتشاجرون معًا، غالبًا ما يجنحون إلى التصالح والتعامل معًا بشكل أفضل عندما يتدخل الأبوان بطريقة صارمة. وقد دفعنا هذا للتساؤل عما إذا كانت التجارب السلبية -مثل التعامل مع أناس شخصياتهم فظة أو وقحة أو وضيعة- قد يؤدي إلى تصالح شخصين متنازعين واتحادهما".

يرى راي فريدمان -الباحث في مجال المفاوضات وحل النزاعات في جامعة فاندربيلت، والذي لم يشارك في الدراسة- أنه في النزاعات الشخصية أو المهنية يكون لدى كل طرف من الأطراف المتفاوضة مشاعر غضب أو إحباط حقيقية تجاه الطرف الآخر، لكن الغضب يُمكن أن يُسْتَخْدَم أيضًا كأسلوبٍ لإجبار الأطراف المتنازعة على أخذ الوسيط على محمل الجد. ويضيف: "المفتاح الرئيسي لنجاح هذا الأسلوب هو ألا يكون الغضب هو الأسلوب الدائم للوسيط، بل يجب أن يُستخدم بحرص للإشارة إلى أن أمرًا بعينه له أهمية حرجة".

ورَغْمَ أن الوسطاء عادةً ما يتعمدون الاحتفاظ بهدوئهم وحيادية موقفهم، فإن الأطراف المتفاوضة في النزاعات الحقيقية دائمًا ما يكونون مشحونين عاطفيًّا وغالبًا غاضبين. وترى جين بريت -مديرة مركز أبحاث فض النزاعات بجامعة نورث ويسترن، والتي لم تشارك في هذه الدراسة- أن مثل هذه الحالة يصعب اصطناعها في التجارب المعملية، ومن ثَم تُعَد نقطة قصور في الدراسة التي أجرتها جانج والدراسات الأخرى المشابهة لها. وتقول: "من المفترض أن الناس عندما يدخلون في نزاع يكونون غاضبين؛ إما لأن دعوتهم قد تم رفضها، أو لأنهم يرفضون دعوة الخصم، ولكن في كافة أنواع محاكاة حل النزاعات، بما في ذلك الأبحاث التي أقومُ بإجرائها، فإننا نخرق هذه القاعدة".

السيناريوهات المختلقة بطبيعة الحال تتضمن أطرافًا لم يسبق لها التعارُف، ولا يحمل أحدُها حنقًا تجاه الآخر. وتقول جين بريت إنها وباحثين آخرين يحاولون تعويض ذلك من خلال إثارة غضب المشاركين في بداية التجربة، وهي خطوة لم تُتخذ في الدراسة التي أجرتها جانج. وتضيف بريت أن هناك عاملًا آخر يجب وضعه في الاعتبار، ألا وهو أن الأشخاص في النزاعات الواقعية يكون لديهم مصلحة حقيقية في نتيجة المفاوضات ويحتاجون إلى تقليل خسائرهم، موضحة أن هذا الاعتبار لا يكون موجودًا أيضًا في المواقف التي تتم محاكاتها في الاختبارات المعملية.

يقول دانيال إيمز -الذي يدرس السلوكيات والأحكام الاجتماعية بجامعة كولومبيا، والذي لم يشارك في الدراسة أيضًا-: إن دراسة جانج تساعد على تحليل مسألة المفاضلة بين الوسيط اللئيم والوسيط اللطيف. ويقول أيضًا إن مثل هذا البحث يبني على أساس من المعرفة في حل النزاعات عن طريق إيجاد أرضية مشتركة بين الأطراف المتنازعة، وهو أمر ذو قيمة كبيرة بالنسبة للوسطاء.

ويشير إيمز إلى أنه في بعض السيناريوهات تكون فكرة أن تجعَلَ من نفسك عدوًّا مشتركًا فكرة جيدة وتستحق العناء، ويضيف: "لكن هذه الدراسة توضح أيضًا أن الوسطاء السيئين لن يكونوا شخصيات محبوبة بالنسبة للمتنازعين بعد أن ينتهي النزاع". فإذا كانت هناك علاقة مستمرة تربط الوسيط بالطرفين المتنازعين، وهو ما تكون عليه الحال في كثير من النزاعات القانونية المعقدة، فربما لا يكون لعب دور الشرطي السيئ هو الطريقة المثلى للتعامل مع الأمر.