شكّل الانفجار المروع الذي دمر مرفأ بيروت مؤخرًا، صدمةً كبيرةً للعالم؛ لشدة هول الدمار الذي شمل الحجر والبشر، إذ تحولت الأحياء القريبة من موقع الانفجار إلى ما يشبه ساحات الخردة، من كثرة الركام الذي تطاير من المنشآت.

تداعيات الانفجار لم تقتصر على القتلى والمصابين نتيجة الحطام المتطاير، لكنها تُعَد أيضًا مسببًا رئيسيًّا لحدوث أحد أنواع إصابة الدِّماغ الرَّضِّيَّة، وهي حالة مرضية تنتج عن قوة خارجية تُسلّط على الرأس وتؤذي الدماغ بطريقةٍ ما.

وتشكل إصابات الرأس المتكررة في الملاعب، وميادين القتال، بالإضافة إلى الانفجارات وحوادث الطرق، سببًا رئيسيًّا في حدوث إصابة الدِّماغ الرَّضِّيَّة (TBI)، التي تتفاوت من ضربةٍ خفيفة على الرَّأس مصحوبة بدُوار عابر، إلى تلف بالشرايين يؤثر على الدّماغ نتيجة التَّعرُّض لإصابة رضِّيَّة كبرى، كما تُعَد أحد أسباب الإصابة بمرض الباركنسون (الشلل الرعاش).

لكن هل يؤثر ما نأكله على سرعة التعافي من إصابات الدماغ الرضّية؟ سؤال أجابت عنه دراسة مرجعية أجراها باحثون من كلية الطب بالجامعة الأمريكية في بيروت، إذ توصلت إلى أن النظام الغذائي الغربي المشبع بالدهون والسكريات والكربوهيدرات، يمكن أن يعرقل فرص التعافي من إصابات الدماغ الرضّية التي تؤثر على 50 مليون شخص حول العالم، بتكلفة إجمالية للعلاج تصل إلى 400 مليار دولار أمريكي.

الدراسة التي نشرتها دورية "إي بيو ميديسين" (EBioMedicine)، رصدت الآليات الجزيئية الكامنة وراء الضرر الذي يصيب الأوعية الدموية والعصبية بعد إصابات الدماغ الخفيفة، نتيجة تناوُل نظام غذائي غير صحي، وفقًا لنتائج 140 بحثًا أُجري في هذا الشأن بين عامي 1974 و2019.

ووفق الدراسة، فإن مَن يتعرضون لإصابات الدماغ الرضّية، يتم إرسالهم إلى أقسام الطوارئ، وعند عدم ظهور أي علامات على وجود خلل عصبي لديهم، يُسمح لهم بالعودة إلى منازلهم بعد 24 ساعة من الملاحظة، على اعتبار أنهم قد تعافوا جزئيًّا.

لكن على المدى الطويل، فإن هذه الإصابات يمكن أن تسبب التهابات تؤدي إلى تلف الأعصاب الدماغية ولكن ببطء. وفي حال اتبع المرضى حميةً غذائيةً سيئة، مثل استهلاك كميات كبيرة من الدهون المشبعة والسكريات المكررة، فيما يُعرف بالنظام الغذائي الغربي (Western Diets)، ينتج عن ذلك تغيُّرات أيضية تؤدي إلى زيادة التهاب الأعصاب، وبالتالي يكون التأثير على الدماغ أسوأ.

يقول فراس قبيسي -الباحث بقسم الكيمياء الحيوية وعلم الوراثة الجزيئي بالجامعة الأمريكية في بيروت، وأحد أعضاء فريق البحث- في تصريحات لـ"للعلم": ركزت الدراسة على تأثير نمط الغذاء الغربي على سرعة التعافي من إصابات الدماغ الرضّية. وينتشر نمط الغذاء الغربي الآن بقوة في عالمنا العربي؛ إذ يُقبِل الأشخاص بنهم على أطعمة مشبعة بالدهون والكربوهيدرات، مثل البيتزا والبيرجر.

وأوضح "قبيسي" أن "خطورة إصابات الدماغ لا تكمن فقط في الإصابات الظاهرية، كالتي تحدث نتيجة الحوادث والإصابة بشظايا الحروب؛ لأن هذه الجروح عادةً ما يتعامل معها الأطباء ويعالجونها، ويزيلون الأجزاء التالفة من الخلايا عبر الجراحة، لكن الآثار الخطيرة تشمل مَن يصابون بارتجاجات خفيفة، أو تأثيرات نتيجة وجودهم ولو على بُعد عدة كيلومترات من موقع انفجار ضخم كالذي حدث في لبنان".

وتابع: الارتجاج الخفيف الذي يحدث للمخ دون حدوث نزيف، يمكن ببساطة أن يؤثر على أنسجة المخ، وقد يقود إلى تلفها، وستكون له عواقب طويلة الأمد؛ بسبب التهاب الأعصاب دون أن يشعر الشخص، وفي حال أقبل هذا المصاب على الأطعمة الغربية، تتفاقم هذه التغيرات الالتهابية بسبب الاضطرابات الأيضية الناتجة عن اتباع نظام غذائي غير صحي، وتؤدي إلى آثار خطيرة على السلوك ووظائف الذاكرة.

إصابات الدماغ وانفجار لبنان

يلقي "قبيسي" الضوء على إصابات الدماغ، مشيرًا إلى أن علماء الأعصاب كانوا يعتقدون في السابق أن أكثر أنواع إصابات الدماغ الرضّية خطرًا هو الذي ينجم عن الإصابات المباشرة نتيجة شظايا الحرب، أو حوادث الطرق، ويُحدث جروحًا غائرةً في المخ، لكن نتائج الدراسات الحديثة أظهرت أن هناك أنواعًا أشد خطرًا، وهي التي تحدث نتيجة رضَّات الدماغ بسبب الألعاب الرياضية، أو بسبب تعرُّض الرأس لضربات أو ارتجاجات متتالية، دون أن يحدث نزيف ظاهري في المخ.

وأضاف أن "تزامُن نشر الدراسة مع كارثة انفجار بيروت يقودنا إلى الحديث عن تداعياته؛ إذ يمكن أن يسبب أحد أنواع إصابات الدماغ الرضّية، وهو النوع الذي ينجم عن الموجات الارتدادية للانفجار التي تشبه الهزة الأرضية، والتي يمكن أن تشمل الأشخاص في محيط قد يصل قطره إلى 10 كيلومترات، وتؤثر على الشرايين الصغيرة وتصل إلى الدماغ".

وتابع أن دراسة سابقة اكتشفت أن 30% من العائدين من حروب مثل العراق وأفغانستان، وتعرضوا للموجات الارتدادية للانفجارات في أثناء الحرب، تتطور لديهم اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)، كما تؤدي إلى الإصابة بـ"إصابة محورية منتشرة" (Diffuse Axonal Injury)، ما قد يؤثر على المحاور العصبية التي تنظم عملية التواصل بين الخلايا العصبية في الدماغ.

وأشار إلى أن إصابات الدماغ يمكن أن تقود إلى تراكُم مستويات بروتين تاو (Tau protein) وبروتين (TDP 43)؛ إذ تعتبر الزيادة في مستويات هذين البروتينين في الدماغ مقدمةً للإصابة بالأمراض التنكسية العصبية، مثل ألزهايمر والخرف.

آلية التأثير على الدماغ

في المقابل، يقول أحمد الياظبي، الباحث بقسم علم الأدوية والسموم بالجامعة الأمريكية في بيروت، وأحد أعضاء فريق البحث: إن النظام الغذائي غير الصحي يقود إلى تغيُّرات دقيقة في عملية التمثيل الغذائي، وهي تغيُّرات لا تؤدي بالضرورة إلى حدوث اضطرابات في مستويات السكر في الدم وضغط الدم، ولكنها بطبيعة الحال سيكون لها آثار كبيرة على القلب والأوعية الدموية؛ إذ ستتأثر قدرة الأوعية الدموية في الدماغ على توفير كميات كافية من الأكسجين والمغذيات للأنسجة العصبية، وسيؤدي ذلك إلى المبالغة في حدوث الالتهابات التي تُبطئ من عملية التعافي بعد إصابة الدماغ الخفيفة.

وأضاف "الياظبي" في تصريحات لـ"للعلم": يهدف بحثنا إلى التحقيق في الآلية الجزيئية التي تربط الخلل الأيضي، حتى في المراحل المبكرة، مع تغيير نشاط الأوعية الدموية في الدماغ والتهاب الأعصاب بعد الإصابة الخفيفة المرتبطة بالارتجاج.

وتابع: سيمكِّننا هذا الفهم من متابعة الدراسات السريرية التي تقيِّم دور التدخلات الغذائية ونمط الحياة في رعاية مرضى إصابات الدماغ، علاوةً على ذلك، فإنه يفتح المجال أمام تطوير دواء أفضل لوقف وعلاج تدهور وظائف المخ بعد إصابات الدماغ المتكررة.

ووفق الدراسة، تُعد عملية تنظيم معدلات التمثيل الغذائي أمرًا حيويًّا، وبشكل خاص في الجهاز العصبي المركزي، وبالتالي، فإن حدوث اختلال في هذه العملية، ناتج عن الاستهلاك المفرط للأنظمة الغذائية الغنية بالدهون والسكريات والنشويات، يمكن أن يؤدي إلى تشوُّه سريع للوظائف الدماغية، نتيجة حدوث خلل في الميتوكوندريا التي تُعَد مصنع الطاقة للخلايا، ويقود إلى تطور مقاومة الأنسولين، بالإضافة إلى فرط الالتهاب، وهي عوامل خطر مباشرة لحدوث الاضطرابات السلوكية والمعرفية والمزاجية.

وبالنظر إلى وظيفة الميتوكوندريا في العديد من المهمات التي تُسهم في الحفاظ على صحة المخ، ومنها تكوين الخلايا العصبية، وتوليف الناقل العصبي، واللدونة العصبية، فإن حدوث خلل في الميتوكوندريا يمكن أن يسبب العديد من الأمراض التنكسية العصبية، مثل ألزهايمر.

ووفقًا للدراسة، فإن الأنسولين هو الهرمون الرئيسي الذي ينظم مستويات الجلوكوز في الدم وامتصاص الجلوكوز في الأنسجة، وبالتالي فإن الأغذية الغنية بالدهون تقود إلى المستويات غير الطبيعية للأنسولين في الدم. وبسبب قدرته على عبور الحاجز الدموي الدماغي (BBB)، يعمل الأنسولين كمضاد عصبي وينشط إشارات مستقبلات الأنسولين العصبية، وهو أمر مهم لنمو الخلايا العصبية وبقائها.

بالإضافة إلى ذلك، فإن إشارات الأنسولين العصبية تعزِّز تكوين الخلايا العصبية، وتزيد من بقاء الخلايا العصبية وتقلل من الالتهاب العصبي، لذلك ترتبط مقاومة الأنسولين في الدماغ بالأمراض العصبية، والعجز المعرفي.

يشير "قبيسي" إلى أنه يجب التفرقة بين النظام الغذائي الكيتوني (KD) والنظام الغذائي الغربي؛ فالأول يعتمد بشكل أساسي على زيادة الدهون، وتقليل الكربوهيدرات، لذلك تكون الدهون هي مصدر الطاقة الأساسي للخلايا، عبر ارتفاع مستويات الأجسام الكيتونية (Ketone bodies) التي تعمل باعتبارها مصدر طاقة بديلًا للدماغ في ظل انخفاض الكربوهيدرات وانخفاض مستويات السكر، وبالتالي يمكن أن تؤدي هذه الحمية إلى انخفاض الالتهابات العصبية وتقليل الأنماط السلوكية للاكتئاب، وتحسين العلوم المعرفية.

لكن في المقابل، فإن خطورة النظام الغذائي الغربي أنه لا يعتمد على الدهون فقط، لكنه مشبع بالكربوهيدرات أيضًا، التي تزيد من مستويات السكر في الدم، وتؤدي إلى فرط مقاومة الأنسولين، بالإضافة إلى زيادة الالتهاب، وحدوث خلل في الميتوكوندريا، وهذه العوامل يمكن أن تعطل الدوائر العصبية المشاركة في الإدراك والذاكرة، وتفاقم الإصابة بأمراض التنكس العصبي، وفق "قبيسي".

وتابع أن نتائج الدراسة تقود إلى أن تعظيم أهمية برامج إعادة تأهيل هؤلاء المصابين، التي تتضمن ممارسة رياضات كالمشي لتحريك العضلات، وضرورة إخضاعهم لبرامج غذائية صحية، وبطبيعة الحال الابتعاد عن الأطعمة الغربية؛ حتى يتعافوا سريعًا من إصاباتهم.

وعن خطواتهم المستقبلية، أشار إلى أن فريق البحث لم يكتفِ بإجراء دراسة مرجعية، لكنه بدأ بالفعل دراسةً على الفئران لبيان تأثير الأغذية الغربية وعلاقتها بسوء التعافي من إصابات الدماغ الرضّية، وجاءت نتائجها مطابقةً للدراسة، كما سيواصلون أبحاثهم على البشر لرصد تأثير اتباع نظام غذائي صحي على التعافي من هذا النوع من الإصابات.

رسالة تحذيرية

من جهته، اعتبر محمد سلامة -أستاذ علم السموم العصبية، ومدير مركز البحوث الطبية التجريبية بجامعة المنصورة- أن ما يميز هذه الدراسة أنها منشورة في مجلة متميزة في مجال الطب التجريبي، وهي علامة على جودة البحث، كما أنها لخصت بصورة شاملة أبرز الدراسات التي أُجريت من قبل فيما يخص النظام الغذائي الغربي وعلاقته بوظائف الدماغ.

وأضاف في تصريحات لـ"للعلم" أن "الهدف الرئيسي لهذه الدراسة المرجعية، أنها تلقي الضوء على ما سبق من أبحاث رصينة؛ للخروج بفكرة محددة، يستفيد منها المتخصصون في هذا المجال على المستوى العلمي؛ لرصد ما توصل إليه العلم في هذا الشأن، وهي أن النظام الغذائي الغربي يمكن أن يضر بصحة الدماغ، خاصةً بالنسبة لمَن يعانون من إصابات الدماغ الرضّية".

واعتبر "سلامة" أن للدراسة رسالةً توعويةً مفيدة، يمكن أن تصل إلى الأشخاص غير المتخصصين في علوم الأعصاب، وهي أن النظام الغذائي الغربي، كما هو متعارف عليه، لا يفاقم السمنة والسكري وأمراض القلب وحسب، بل إن ضرره يصل إلى الدماغ، وبالتالي فهي رسالة تحذيرية قوية جدًّا لمَن يفضلون هذا النظام، بأن يتوخوا الحذر؛ لأن تلك الأغذية الغنية بالدهون والسكر يمكن أن تضر بصحة المخ، وخاصةً مَن يعانون من إصابات الدماغ الرَّضِّية.

وتابع أن نتائج الدراسة يمكن أن يُبنى عليها توصيات، منها ضرورة وجود أخصائي تغذية في مستشفيات وعيادات الطوارئ التي تتعامل مع إصابات الدماغ الرضّية؛ للإشراف على نوعية الأغذية التي يمكن أن يتناولها المرضى، كي لا تتعارض مع الأدوية التي يصفها أطباء المخ والأعصاب للمرضى أو تؤثر على نتائجها.

واتفقت معه هيام القطري -أستاذ التغذية العلاجية المساعد بجامعة الملك فيصل بالسعودية- التي اعتبرت أن هذه الدراسة وإن كانت متخصصةً في الجانب الطبي لأحد أمراض المخ، إلا أنها تتناول بشكل عام موضوعًا يحظى بشبه إجماع من جميع التخصصات العلمية، وخاصةً مجال التغذية العلاجية، وهو موضوع خطورة الأغذية السريعة أو ما يسمى بالوجبات الجاهزة، التي انتشرت بقوة حول العالم دون محاذير أو احتياطات.

وأضافت -في تصريحات لـ"للعلم"- أن الدراسة تناولت جانبًا يُغفله كثير من الناس، وهو تأثير تلك الأغذية على الدماغ؛ بسبب مكوناتها التي تتركز فيها الدهون المشبعة والسكريات والمواد الحافظة الصناعية، التي تسهم بشكل كبير على المدى الطويل في إصابة الجسم بالعديد من الأمراض، وأبرزها أمراض القلب والأوعية الدموية والسمنة والسكري وضغط الدم، وغيرها من الأوبئة التي لم تكن منتشرةً في السابق، خاصةً في مرحلة الشباب، وهذا نابع من افتقارها إلى كثير من العناصر الغذائية المهمة، مثل الفيتامينات والأملاح المعدنية والألياف الغذائية.

وفي محاولة لتلافي أخطار تلك الأغذية، أوصت "القطري" بالتنوع في الوجبات الغذائية، على أن تحتوي على العناصر الغذائية المختلفة من فيتامينات وأملاح معدنية وألياف غذائية، وخاصةً تلك الموجودة في الخضراوات والفواكه الطازجة، مقابل تقليل تناول الدهون المشبعة المتوافرة في الدهون الحيوانية والوجبات الجاهزة، وإحلال الدهون غير المشبعة محلها، وهي متوافرة في الزيوت النباتية مثل الزيتون والكتان، أو الأسماك الدهنية مثل الماكريل والتونة والسلمون.