في منتصف ديسمبر الماضي، نُشِرَ بحثٌ مهم في دورية نيتشر إنيرجي (Nature Energy) الشهيرة يتناول إطلاق قاعدة بيانات خاصة بأحد مجالات الخلايا الشمسية سريعة التطور يسمى "خلايا البيروفيسكايت الشمسية"، أحدثَ البحث ضجةً في الأوساط العلمية ذات الصلة بمجالات الطاقة، وخصوصًا الطاقة المتولدة من الخلايا الشمسية، كما احتفى بالبحث عددٌ من كبار الباحثين لدرجة أن المجلة ذاتها (نيتشر إنيرجي)، والتي تُعد من أفضل الدوريات البحثية في مجال الطاقة عالميًّا، نشرت مقالًا آخر لتوضيح أهمية قاعدة البيانات تلك وتأثيرها على تطور هذا المجال المهم في المستقبل... فما قصة هذا البحث؟ ولماذا يُعتبر بحثًا مهمًّا؟ 1.

في عام 1839 وفي منطقة جبال الألب الروسية، اكتشف عالِم المعادن الألماني جوستاف روز نوعًا جديدًا من البللورات في القشرة الأرضية، وتمت تسميتها بيروفيسكايت، نسبة إلى ليف بيروفيسكي، الذي كان مهتمًّا بالمعادن، كما كان يمول العديد من الرحلات الاستكشافية العلمية.

 في خمسينيات القرن العشرين، اكتشف بعض العلماء الأمريكيين الخصائص الكهروضوئية المتميزة لتلك البللورات؛ إذ يصدر منها تيار كهربائي عند تعريضها للضوء، كما أنها سهلة التحضير وبسيطة التركيب كيميائيًّا ومنخفضة الثمن، وتتكون من مواد متوافرة على نطاق واسع3، وعلى الرغم من تلك الاكتشافات وخلال العقود التالية، لم يتنبه أحد للإمكانيات الكامنة في هذا النوع من المواد حتى جاء عام 2009، حين استخدم العالِم الياباني تسوتومو مياساكا4 ولأول مرة مادة البيروفيسكايت في تركيب الخلايا الشمسية بكفاءة بلغت 3.8% فقط، ولكن ما لبث البروفيسور هينري سنيث -من جامعة أوكسفورد- أن تلقَّف تلك المادة الجديدة القديمة وطورها كمادة ماصة للضوء داخل الخلايا الشمسية حيث تكمن وظيفتها -بشيء من التبسيط- في امتصاص ضوء الشمس وإنتاج إلكترونات تتحول إلى تيار كهربائي خارج من الخلية الشمسية.

ومنذ ذلك الحين انطلق سباق بحثي محموم بين العلماء لتطوير هذا النوع الجديد من الخلايا الشمسية ورفع كفاءتها وتسهيل طرق تصنيعها وإطالة عمرها، وبعد عشر سنوات تقريبًا من العمل المكثف وصلت كفاءة أفضل خلية صُنعت من البيروفيسكايت إلى 25.5%، وهي قيمة كبيرة جدًّا، مقارنة بالفترة الزمنية المستغرقة في تطويرها، وحتى تتخيل عزيزي القارئ هذا الإنجاز يكفي أن تعلم أن خلايا السيليكون السائدة اليوم في سوق الخلايا الشمسية استغرقت نحو نصف قرن من الأبحاث والتطوير حتى تحقق القفزة نفسها في الكفاءة5.

لماذا جذبت مواد البيروفيسكايت اهتمام العلماء بهذا الشكل؟ السبب يعود إلى خصائص تلك المواد شبه الموصلة للتيار الكهربي، إذ يمكن هندسة التركيب الذري والجزيئي لمواد البيروفيسكايت بحيث تمتص جزءًا معينًا من ضوء الشمس بكفاءة عالية6، فمثلًا يمكن تغيير ذرة المعدن الموجودة في مركز البللورة للقصدير بدلًا من الرصاص، كما يمكن تغيير عنصر الهالوجين المتمركز عند أطراف البللورة من الكلور إلى البروم أو حتى إلى اليود، وهذا التغيير في التركيب الذري للمادة يغير في امتصاصها لضوء الشمس كمًّا وكيفًا، وبالتالي يغير في كفاءة الخلية الشمسية المبنية عليها، كما يمكن ترسيب تلك البللورات من محلول، وبالتالي لا تحتاج إلى أي تنقية أو تجهيز مكلف ماديًّا مثل السيليكون، بل يمكن إنتاجها أيضًا بكميات كبيرة في وقت قصير جدًّا، وبتكاليف منخفضة باستخدام تقنيات الطباعة على الزجاج أو البلاستيك القابل للانحناء، هذا المستوى من المرونة في التركيب والسهولة في التطبيق والرخص في التكلفة جذب أنظار علماء المواد من كل التطبيقات، وبدأت مواد البيروفيسكايت تظهر في تطبيقات أخرى متعلقة بالإلكترونيات والطاقة، مثل الشاشات عالية الدقة والمكثفات الفائقة والمجسات والحساسات الدقيقة.

على مدار العقد الماضي، أثبتت مواد البيروفيسكايت نفسها بوصفها أحد تكنولوجيات الجيل القادم من الخلايا الشمسية، لكن الطريق إلى السوق ليست مفروشةً بالورود؛ فخلايا البيروفيسكايت الشمسية لا تزال تعاني من قصر عمرها مقارنةً بخلايا السيليكون؛ ففي أفضل حالاتها، تعيش خلايا البيروفيسكايت لمدة خمس سنوات فقط مقابل عشرين عامًا لخلايا السيليكون، لا تتوقف التحديات أمام البيروفيسكايت عند العمر، بل تمتد إلى الأثر البيئي والاستدامة، فخلاياها عالية الكفاءة تحتوي على الرصاص في تركيبها الجزيئي، وهو ما يمثل عائقًا بيئيًّا كبيرًا أمام الإنتاج التجاري والانتشار الواسع لها، ولكن مؤخرًا بدأ العلماء يركزون على تطوير خلايا تعتمد في بنيتها على القصدير بدلًا من الرصاص، باعتبار القصدير بديلًا آمنًا على البيئة، لكن كفاءتها لا تزال أقل من 15%7.

هذا الأداء البحثي غير المسبوق صاحبَه ارتفاعٌ كبيرٌ جدًّا في معدل النشر العلمي، إذ وصل إلى أكثر من ثلاثة آلاف بحث سنويًّا، وهذا رقم مذهل ويستحيل على أي باحث أو عالِم أن يقرأ هذا العدد الكبير من الأبحاث أو يتابعه أو يحلله؛ لأن معدل تدفق المعلومات كبير جدًّا ويفوق طاقة أي باحث، نتيجةً لذلك نشأت بعض الفجوات العلمية في المجال، فهناك بعض النقاط البحثية تمت تغطيتها بكثرة والتركيز عليها، في حين هناك نقاط أخرى مهمة لم تحظَ بالاهتمام البحثي المطلوب، علاوةً على ذلك إذا أراد أحد الباحثين الجدد البدء في هذا المجال فعليه أن يقرأ نحو عشرين ألف بحث علمي نُشر حتى الآن، وهو شيء مستحيل.

دفع هذا التحدي العلمي كلًّا من الباحثين إيفا أونجر وجيسبر جاكوبسون -من معهد هيلمهولتز برلين لأبحاث المواد والطاقة بألمانيا- للتفكير بإنشاء قاعدة بيانات عالمية مفتوحة المصدر، الهدف منها هو تجميع كل البيانات المتاحة عن كل خلية شمسية نُشرت في هذا المجال على مدار السنوات العشر الماضية، لتحقيق هذا الهدف الطموح نُظم عددٌ كبيرٌ من المحاضرات والعروض التقديمية في عدد من أفضل المجموعات البحثية عالميًّا في مجال الخلايا الشمسية والمواد المتعلقة بها، لإقناع أكبر عدد ممكن من الباحثين الشبان بالانضمام إلى هذا المشروع والمساعدة في استخلاص البيانات بدقة من كل الأبحاث المنشورة وتنظيمها تنظيمًا دقيقًا في قاعدة بيانات محكمة الضبط وإتاحتها مجانًا لجميع الباحثين على مستوى العالم، وبالفعل انضم ما يقرب من ثمانين باحثًا إلى المشروع.

في الفترة من آخر 2019 وحتى منتصف 2020 قرأ الباحثون أكثر من 20 ألف بحث علمي منشور واستخرجوا نحو 100 معلومة عن 42200 خلية شمسية نُشرت حتى وقت انتهاء الدراسة، وهو ما يضعنا أمام ملايين المعلومات العلمية الدقيقة التي تتضمنها تلك القاعدة النادرة، تمثل هذه القاعدة المعلوماتية أيضًا مصدرًا ثريًّا ومفتوحًا لكل المعلومات المنشورة في هذا المجال المهم والمتسارع، بل إن تجميع تلك المعلومات معًا بشكل بياني يمكِّن الباحثين من استخلاص معلومات كان من المستحيل الحصول عليها مسبقًا؛ فعلى سبيل المثال نجد في الأسفل شكلًا بيانيًّا يوضح أهم التركيبات الكيميائية التي اعتمد عليها الباحثون لتحضير خلايا البيروفيسكايت الشمسية وعدد الخلايا المنشورة كل عام والكفاءة النسبية لكل نوع مقارنةً بالآخر، وهذا الشكل البياني رُسم استخلاصًا من أكثر من 20 ألف بحث علمي، وهو ما كان مستحيلًا في الماضي قبل وضع قاعدة البيانات المذكورة.

صُممت قاعدة بيانات خلايا البيروفيسكايت الشمسية لتكون مفتوحة المصدر بالكامل، وهو ما يعني أن الكود البرمجي وكذلك البيانات التي جُمعت بالكامل ستكون متاحةً للجميع، كما ستكون مفتوحةً أيضًا للتعديل والإضافة والتحديث المستمر لكل ما يتم نشره في هذا المجال المتسارع، هذه الخاصية -المصادر المفتوحة- ستجعل من تلك القاعدة المعلوماتية مصدرًا للإلهام بالنسبة لعلماء التخصصات المشابهة مثل المكثفات الفائقة والبطاريات وغيرها؛ إذ يمكن بسهولة الآن تصميم قاعدة معلوماتية مشابهة، والبدء في تجميع جيش من الباحثين الشبان وتجميع البيانات وبناء قاعدة تلو الأخرى في مجالات متعددة، مما سيكون له أثرٌ كبيرٌ جدًّا على تسارُع الاكتشافات العلمية والتطور العلمي والمعرفي في مجالات شديدة الحيوية مثل مجالات الطاقة.

يمتد تأثير قاعدة البيانات خارج مجال البيروفيسكايت إلى مجال تعلُّم الآلة والذكاء الاصطناعي؛ إذ يعمل الباحثون في تلك المجالات على برمجة خوارزميات تحلل المعلومات المتاحة، ومن ثم تتنبأ بأفضل التركيبات الكيميائية التي تحقق أعلى كفاءة، أو تحدد أفضل معمارية لبناء الخلايا الشمسية من أجل تحقيق أقل تكلفة وأسهل طريقة تصنيع، وهو ما يجعل الطريق نحو المستقبل واضحًا جدًّا أمام الباحثين، وكلما ازدادت كمية المعلومات المتاحة لتغذية تلك الخوارزميات، ازدادت كفاءتها ودقتها في التنبؤ بالاتجاهات المستقبلية في هذا المجال، وبالتالي تمثل تلك القاعدة كنزًا ثمينًا لعلماء تعلُّم الآلة والذكاء الاصطناعي.

هذا الكنز المعلوماتي دفع البروفيسورة مارينا لايت -من جامعة كاليفورنيا دافيس- إلى كتابة مقال في الدورية ذاتها عن أهمية الدراسة، جاء بعنوان "زلزال معلوماتي في مجال الخلايا الشمسية" وقد حظي المقال بأكثر من 8000 قراءة في أول أسبوع من نشره، كما حظي بعدد كبير من مرات النشر على وسائل التواصل العلمية المتخصصة مثل 1,8Research Gate، كما وصف البعض هذه القاعدة بويكيبيديا خلايا البيروفيسكايت.

إن أصداء هذا العمل البحثي وانعكاساته في مجال الخلايا الشمسية كانت كبيرةً جدًّا، ويتوقع أغلب الباحثين أن تُسهم تلك القاعدة المعلوماتية النادرة في تسهيل جهود العلماء وتسريعها من أجل الوصول إلى أقصى توظيف لمواد البيروفيسكايت، وهو ما يؤدي إلى رفع كفاءتها إلى ما يزيد على 30% وعمرها إلى أكثر من عشرين عامًا، في تلك الحالة ستنتشر خلايا البيروفيسكايت بسرعة، وستسيطر على سوق المواد الكهروضوئية، وسنجدها في كل مكان حولنا، ليس فقط فوق أسطح المنازل، ولكن كخلايا مدمجة في زجاج النوافذ والسيارات والهواتف، بل أيضًا على أسطح المركبات والقطارات، وربما حتى على أجنحة الطائرات الخفيفة لزيادة مداها وتقليل استهلاك الوقود، ويُتوقع أن يمتد هذا التأثير الإيجابي على البيئة، إذ سيقل استهلاك الوقود الأحفوري وكميات ثاني أكسيد الكربون المنبعثة في الغلاف الجوي، وبالتالي يُسهم ذلك في تقليل تأثير الاحتباس الحراري.

هذا العمل البحثي -بأهميته العلمية وبكل تعقيداته- يلفت الأنظار إلى أهمية التعاون البحثي وتشبيك الجهود بين المؤسسات العلمية والمجموعات البحثية لتحقيق إنجازات علمية لم يكن من الممكن تحقيقها إلا عن طريق التعاون البحثي، نتطلع في المستقبل إلى رؤية مثل تلك المشروعات البحثية بين الجامعات والمعاهد البحثية العربية، إذ لا تنقصنا الإمكانيات ولا العقول؛ فقد شاركت مؤسستان علميتان عربيتان في تلك الدراسة: هما معهد بحوث البترول المصري، وجامعة الملك عبد الله في المملكة العربية السعودية، كما شارك في الدراسة باحثان عربيان، أحدهما مصري والآخر فلسطيني.

المراجع:

1.     Jacobsson, T. J. et al. An open-access database and analysis tool for perovskite solar cells based on the FAIR data principles. Nat. Energy 2021 1–9 (2021). doi:10.1038/s41560-021-00941-3

2.     Zhang, L. et al. Disproportionation of (Mg,Fe)SiO3 perovskite in Earth’s deep lower mantle. Science (80-. ). 344, 877–882 (2014).

3.     Jonker, G. H. Magnetic and Semiconducting Properties of Perovskites Containing Manganese and Cobalt. J. Appl. Phys. 37, 1424 (2004).

4.     A. Kojima, K. Teshima, Y. Shirai & T. Miyasaka. Organometal Halide Perovskites as Visible-Light Sensitizers for Photovoltaic Cells. J. Am. Chem. Soc. 131, 6050–6051 (2009).

5.     NREL. Best Research-Cell Efficiencies. Available at: https://www.nrel.gov/pv/assets/pdfs/best-research-cell-efficiencies-190416.pdf. (Accessed: 18th June 2019)

6.     Koh, T. M. et al. Nanostructuring Mixed-Dimensional Perovskites: A Route Toward Tunable, Efficient Photovoltaics. Adv. Mater. 28, 3653–3661 (2016).

7.     Jiang, X. et al. One-Step Synthesis of SnI2·(DMSO)x Adducts for High-Performance Tin Perovskite Solar Cells. J. Am. Chem. Soc. 143, 10970–10976 (2021).

8.     Leite, M. S. A dataquake for solar cells. Nat. Energy 2021 1–2 (2021). doi:10.1038/s41560-021-00954-y