لا يزال النوم إحدى أكثر العمليات الفسيولوجية غموضًا؛ فهي عملية لا تقتصر أهميتها على راحة الجسد وبناء العضلات، بل تمتد لتشمل تعزيز التعلم، والوقاية من الأمراض المختلفة، وحتى الإسهام في منع تدهور الأمراض التنكسية والعصبية الأكثر شيوعًا، مثل ألزهايمر وخرف الشيخوخة.

ومن المعروف أن للنوم مراحل عدة، أُولاها نوم حركة العين غير السريعة، ثم نوم حركة العين السريعة، والنوم العميق.

ولا يزال بعض الغموض يكتنف تلك المراحل؛ فلا أحد يعرف حتى الآن أهمية تَعاقُب تلك المراحل على وجه الدقة، كما أن الأبحاث العلمية تتوالى بوتيرة سريعة لتكشف مزيدًا من الأسرار عن تلك المراحل.

من ضمن تلك الأبحاث ورقة بحثية نشرتها دورية "كارنت بيولوجي" "الأربعاء"، 16 يونيو، كشفت أن الرضع والأطفال يفعلون في أثناء النوم أكثر بكثير مما كنا نظن؛ إذ توفر الدراسة الجديدة مزيدًا من الأفكار حول التنسيق الذي يحدث بين أدمغة الرضع وأجسادهم في أثناء نومهم.

تشير الدراسة إلى أن الرضع ينتفضون في أثناء مرحلة النوم العميق، وهي المرحلة التي تتميز عند البشر والرئيسيات بسكون كامل الجسد بمجرد الدخول فيها.

والانتفاض -أو الرعشة- هو تقلص عضلات الجسد في أثناء النوم بشكل معين، وهي نوبة تحدث في الغالب في مرحلة حركة العين السريعة، ولم يُرصد من قبل على الإطلاق حدوث الانتفاضات في النوم العميق.

قبل حوالي 6 سنوات، بدأ الباحثون في جامعة "أيوا" الأمريكية دراسة حركات الارتعاش عند الرضع في أثناء نوم الحركة السريعة؛ بهدف معرفة الكيفية التي تُسهم بها هذه التشنجات في قدرة الأطفال على تنسيق حركاتهم الجسدية.

تقول "جريتا سوكولوف"، الباحثة بقسم العلوم النفسية والسلوكية في جامعة أيوا، والمؤلفة الرئيسية في الدراسة: "إن النتائج التي توصل إليها الباحثون كانت مفاجئة تمامًا، فعوضًا عن مراقبة الانتفاضات في مرحلة نوم حركة العين السريعة، لاحظنا وجود تشنجات في أثناء النوم العميق".

تضيف "سوكولوف" في تصريحات لـ"للعلم": ذلك الاكتشاف لم يُبلَغ عنه سابقًا على الإطلاق؛ ففي أثناء مرحلة النوم العميق تسترخي العضلات بشكل كامل، وتهبط مستويات التنفس وضغط الدم، ويصبح من الصعوبة بمكان إيقاظ النائم، الذي لا يتحرك على الإطلاق في أثناء تلك المرحلة.

لكن العلماء في تلك الدراسة لاحظوا وجود زيادة ملحوظة في الانتفاضات عند الرضع الذين يبلغون من العمر ثلاثة أشهر فأكثر، وهو أمرٌ فريدٌ من نوعه ولم يُلحَظ من قبل إطلاقًا.

تابع الباحثون 22 رضيعًا نائمًا، تتراوح أعمارهم بين أسبوع وسبعة أشهر، ورصدوا تشنجاتهم.

في البداية، تنبَّه العلماء فقط للتشنجات التي تحدث جنبًا إلى جنب مع نوم حركة العين السريعة، اتساقًا مع أبحاثهم السابقة عن الارتعاش المرتبط بذلك النوع من النوم في الثدييات الأخرى.

ولكن بعد ذلك حدثت المفاجأة؛ إذ لاحظ الباحثون أن الأطفال الرضع كانوا ينفضون أطرافهم خارج نوم حركة العين السريعة أيضًا؛ أي في مرحلة النوم العميق.

يشير الباحثون إلى أنهم لم يتوقعوا مشاهدة تلك التشنجات في أثناء النوم العميق؛ فقد أُطلق هذا الاسم على تلك المرحلة لأن البشر والحيوانات الأخرى لا يتحركون عادةً خلالها.

نظرًا إلى أن الباحثين كانوا يسجلون موجات الدماغ لدى الأطفال النائمين، فقد تمكنوا من دراسة نشاط الدماغ المرتبط بالتشنجات.

وكما هو متوقع، لاحظوا أنه في أثناء النوم العميق، يُنتج الأطفال ذبذبات دماغية كبيرة -تسمى مغازل النوم- مرةً واحدةً كل 10 ثوانٍ تقريبًا.

ومغازل النوم هي تدفقات من النشاط الدماغي، وتُعد نافذةً تعمل على تنسيق الدماغ مع نظامه الحركي.

ووجد الباحثون أن معدل مغازل النوم لدى الأطفال الرضع زاد بدايةً من عمر ثلاثة أشهر إلى سبعة أشهر، وتَركَّز على طول الشريط الحسي في الدماغ، وهي المنطقة التي تُعالج فيها القشرة المعلومات الحسية والحركية.

وكانت هذه الحقائق حول مغازل النوم مهمة بشكل خاص بمجرد أن اكتشف الباحثون أن مغازل النوم والتشنجات تحدث بشكل متزامن.

ومن المعروف وجود علاقة بين مغازل النوم وعمليات التعلم والذاكرة؛ إذ تقترح الدراسات السابقة أن تلك العملية تُنشط من الذكريات الحديثة، وتُرتبها، ما يُحسِّن من الذاكرة العاملة ويساعد على عملية التعلم.

ويعتقد الباحثون أن تلك العملية التي تحدث عند الرضع -حصرًا- في مرحلة النوم العميق ربما يكون لها تداعيات إيجابية على عملية التعلم، لكن "سوكولوف" ترى أن ذلك التوقع يحتاج إلى مزيد من الدراسات لإثباته أو نفيه، وفق قولها.

يفتح هذا الاكتشاف طريقًا جديدًا تمامًا للبحث في التواصل بين الدماغ والجسم الذي يحدث في أثناء نوم الأطفال، ويمكن أن تلقي النتائج التي توصل إليها الفريق البحثي مزيدًا من الضوء حول إسهام الدماغ عند الرضع في عملية التواصل مع الجهاز الحركي.

تقول "سوكولوف": الدراسة تكشف أن معلوماتنا عن النوم محدودة، وأن هناك كثيرًا من الأشياء بشأن تلك العملية يجهلها المجتمع البحثي.

وتؤكد "سوكولوف" أهمية النوم عند الرضع، مضيفةً: "تكشف الدراسة عن تفاعل نشط بين الجسم والدماغ في أثناء النوم في جميع مراحله، وهو ما يعني ضرورة التركيز على نوعية النوم وكميته، التي يُمكن أن تكون مفتاحًا لإدارة الصحة عند جميع البشر.. وخاصةً عند الرضع الذين يحتاجون إلى نمو عصبي سليم".