بسبب تربتها الغنية ومواقعها الملائمة للتجارة والنقل، أصبحت العديد من دلتاوات العالم من أهم مراكز التنمية الاقتصادية والاجتماعية عالميًّا. وتُعد دلتا النيل بشكلها الثلاثي الأيقوني، أحد أبرز هذه المواقع منذ أكثر من 5000 عام، منذ أن استقر شكلها الحالي.  ورغم أن لفظة "دلتا" مأخوذة من الحرف الرابع للأبجدية اليونانية (Δ)،  ولكن ليس بالضرورة أن تكون كل دلتاوات الأنهار مثلثة الشكل. وتواجه دلتاوات العالم مخاطر مستقبلية بسبب تغيُّرات المناخ، في حال ارتفاع مستويات سطح البحر حول العالم، بالاضافة إلى مشكلة تذبذب مستويات إمدادات أو إيرادات الرواسب، مما قد يؤثر على أشكالها، وكذلك المساحات التي تشغلها، من جَراء زيادة مستويات هذا الإيراد أو نقصانها.

دراسة جديدة تناولت بالبحث كل دلتاوات هذا الكوكب تقريبًا، أظهرت نتائجها كيف تتغير أشكال دلتا النهر وأحجامها بسبب النشاط البشري- ومردود ذلك، الجيد منه أو السيئ، على السواء. الفريق البحثي الذى يضم جغرافيين وجيولوجيين من هولندا والولايات المتحدة الأمريكية، كشف أن أكثر مناطق الدلتا في جميع أنحاء العالم اكتسبت مزيدًا من الأراضي خلال الثلاثين عامًا الماضية (1985- 2015)، على الرغم من تسارُع وتيرة إنشاء السدود على الأنهار حول العالم، باستثناء عدد من الدلتاوات، كان أهمها دلتا نهر النيل في مصر.

حدد الباحثون في دراستهم التي نُشرت يناير الماضي في دورية نيتشر Nature عددًا من العوامل الرئيسية وراء اكتساب الدلتاوات للأراضي، كإزالة الغابات، ما أدى إلى نحت التربة في منطقة المنبع، وزيادة كميات الرواسب التي تحتاجها الدلتاوات لبناء نفسها، واكتساب مساحات جديدة من البحر.

كيف تتشكل الدلتا

يقول جاب نيين هاوس، أستاذ الجغرافيا الطبيعية المساعد بجامعة "أوترخت" الهولندية، والباحث الرئيسي في الدراسة: إنه على مدار عقود، لم تحظ جوانب العلاقة بين مورفولوجية (شكل) الدلتا، والرواسب التي تنقلها الأنهار من منابعها إلى الدلتاوات عند مصباتها، والقوى البحرية التي تمثلها حركة الأمواج والمد والجزر بالقدر الكافي من البحث. "في الدراسة الحالية طورنا نموذجًا جديدًا، يمكنه تقدير حجم الدور الذي تؤديه العوامل المختلفة -البشرية منها والطبيعية- في تشكيل مورفولوجية الدلتا".. كما يوضح "نيين هاوس" في تصريح لـ"للعلم".

طُبق النموذج الجديد على حوالي 10,848 دلتا حول العالم، تتراوح في أحجامها بين الدلتاوات الصغيرة والضخمة. وعن طريق صور الأقمار الصناعية العالمية، تمكنَّا من تحديد الكيفية التي أثر بها الإنسان على تشكيل الدلتا. وتشكل أداة "أكوا مونيتور" الأداة الرئيسية في النموذج، وهي أداة مفتوحة المصدر تكشف عن تغييرات الأرض والمياه في جميع أنحاء العالم؛ لتحديد مدى فقدان الأرض أو اكتسابها خلال الثلاثين عامًا الماضية عن طريق تحليل صور الأقمار الصناعية.

مقطع من نموذج صور الأقمار الصناعية العالمية http://aqua-monitor.appspot.com/

من خلال استخدام النموذج الجديد تبيَّن أن حوالي 1000 دلتا في جميع أنحاء العالم -متضمنةً دلتا المسيسيبي ودلتا النيل- تفقد أجزاء من التربة، في حين أن حوالي 1500 دلتا تقع معظمها في جنوب شرق آسيا، تشهد فيها الدلتاوات نموًّا كبيرًا؛ بسبب زيادة نقل وإرساب الرواسب، الذي يرجع في الأساس إلى إزالة الغابات ومن ثم زيادة معدلات النحت. في حين لم تشهد دلتا نهري القطب الشمالي أي تغيير تقريبًا. يحدد النموذج المقترح تشكُّل الدلتا على أساس التقدير الكمي لثلاثة عوامل رئيسية، هي: الرواسب التي ألقاها النهر، وحركة الأمواج التي تعيد توزيع الرواسب على طول الساحل، والرواسب المنقولة إلى الدلتا أو إلى خارجها عن طريق حركة المد والجزر. استعان الباحثون بالتأثيرات النسبية لهذه العوامل لتحديد المقاييس المورفولوجية الرئيسية في الدلتا، وهي نتوء الدلتا في البحر وشكل قناة النهر.

نموذج عالمي "واسع"

يقول نيك فان دي جيسن، الأستاذ في قسم إدارة المياه في جامعة "دلفت" للتكنولوجيا في هولندا، والذي لم يشارك في إعداد الدراسة: إن تعريف المؤلفين لما يمكن أن يندرج تحت مسمى "الدلتا" واسع، مما يعني أن نموذجهم عالمي فعلًا. ورغم اعتقاد "دي جيسن" أن قدرة النموذج على رصد السلوك العام لجميع الدلتاوات، تأتي على حساب الدقة في حساب حجم الحبيبات الدقيقة من الرواسب، مما يحتم وقوع أخطاء في التشكلات المتوقعة لبعض الدلتاوات، إلا أنه يرى أن نتائج النموذج صالحة من الناحية الإحصائية على المستوى العالمي.

لكن الباحث غير المشارك في الدراسة انتقد "تجاهل" الباحثين لتأثير الاحترار العالمي على تآكل خط الساحل، وهو ما رد عليه الباحث الرئيسي "نيين هاوس" بقوله إن خطوته التالية هي استخدام النموذج للتنبؤ بالتغيرات التي يتوقع أن تشهدها الدلتاوات في المستقبل، خاصةً في ظل الارتفاع المتزايد في مستوى سطح البحر بفعل ظاهرة الاحترار العالمي. وأضاف أنه لم تتجاهل الدراسة تأثير ارتفاع مستوى سطح البحر؛ إذ حذرت من تراجُع محتمل لهذه المكاسب التي حققتها الدلتاوات من الرواسب. وعزا الباحثون ذلك التراجع المحتمل في إيرادات الدلتاوات من الرواسب إلى الارتفاع المتوقع في ارتفاع مستوى سطح البحر على مدار القرن الحالي. 

وتدعم دراسة سابقة نُشرت في دورية "نيتشر" في عام 2016، فرضية اكتساب يابس الأرض المزيد من المساحات على حساب المياه. وهو ما يمكن تفسيره من خلال جفاف بعض المسطحات المائية الحبيسة، مثل بحر آرال في آسيا الوسطى، والمشاريع واسعة النطاق لاستصلاح الأراضي على طول ساحل الصين. ووفقًا لدراسة أخرى نُشرت في ديسمبر عام 2017 في مجلة "نيتشر جيوساينس"، فإن البحيرة الكبرى في "يوتا" بالولايات المتحدة الأمريكية، والبحر الميت في منطقة الشرق الأوسط، وبحر "آرال" في آسيا الوسطى، وبحيرة "لوب نور" شمالي غرب الصين، إضافةً إلى بحيرة "بوبو" في بوليفيا، تعرضت جميعًا لعمليات تجفيف واسعة؛ إذ تقلصت مساحتها بوتيرة عالية.

وكذلك هو الحال مع بحيرة "أرومية" الواقعة شمالي غرب إيران، التي تقلَّص حجمها في السنوات الأخيرة، وأصبحت مساحتها لا تزيد على ألف كيلومتر مربع، وسط مخاوف من اختفائها بعد أن كانت حتى وقت قريب إحدى كبريات بحيرات الكرة الأرضية؛ إذ انخفض مستوى المياه فيها بنحو 25 سنتيمترًا، بسبب التقلبات المناخية، والإسراف في استخدام مياهها في مشروعات الري.

السد العالي يخنق الدلتا

بينما تلقى حوالي 14٪ من إجمالي الدلتاوات المدروسة (10,848) زيادة في الرواسب، ما تَسبَّب في زيادة إجمالية في أراضيها قدرها 181 كيلومترًا مربعًا في السنة -خلال فترة الدراسة، وجد الباحثون أن بناء السدود أدى إلى انخفاض معدلات نقل الرواسب من المنابع إلى حوالي 9٪ من الدلتاوات المدروسة، وهو ما نتج عنه خسارة كلية للأراضي تبلغ 127 كيلومترًا مربعًا في السنة. 

تشير الدراسة إلى أن العامل الرئيسي في هذه المكاسب التي حققتها الدلتاوات من الرواسب الفيضية هو التدخل البشري، إذ تُرجع نتائجها 25٪ من النمو الذي تحقق في دلتاوات العالم إلى إزالة الغابات في مناطق المنبع. تؤدي إزالة الغابات إلى تآكل التربة وزيادة نقل الرواسب إلى المصبات على السواحل. 

ووفق المؤلف الرئيسي في الدراسة، فإن خط الساحل في دلتا النيل يتآكل بسرعة كبيرة بسبب بناء سد أسوان في اتجاه المنبع، "وسوف يستمر في التآكل حتى يتم إمداد الدلتا برواسب جديدة من النهر". 

ويوضح "عبد الحميد كليو" -أستاذ الجغرافيا الطبيعية المساعد بجامعة المنصورة- في تصريح لـ"للعلم" أنه يجب التفريق بين نوعين من الرواسب التي تمد الدلتاوات، فهناك الرواسب الطبيعية التي تنتج عن نحت سطح الأرض بفعل مياه الأمطار ثم تحملها المياه الجارية، وهي عملية مستمرة منذ أقدم العصور الجيولوجية، أما النوع الثاني من الرواسب فهي الرواسب المتزايدة التي تنتج عن التدخل المباشر أو غير المباشر في العمليات النهرية، مثل أنشطة التعدين، والزراعة، وقطع الأشجار، وبناء السدود، وإنشاء المدن. 

ويشير "كليو" إلى الآثار السلبية التي صاحبت إنشاء السد العالي في مصر (افتُتِح في يوليو 1971)، ومن أهمها وقف نمو الدلتا من خلال حجز الرواسب أمام السد العالي. ويلفت أستاذ الجغرافيا الطبيعية إلى أن حجم حبيبات الرواسب النيلية يتسم بالصغر، وقُدرت كمية الطمي التي تمر مع مياه النيل عند أسوان قبل إنشاء السد العالي بحوالي 110 ملايين طن سنويًّا، كان معظمها يذهب إلى البحر المتوسط.  ويتفق "دي جيسن" مع ما ذهب إليه "كليو" بشأن الآثار السلبية لإنشاء السد العالي على الدلتا، مشيرًا إلى أنه "لم يزود مصر بإمدادات مياه أفضل للري، بل أوقف توصيل الرواسب إلى الدلتا. سيؤدي ذلك تقريبًا إلى حدوث تآكل بسبب حركة الأمواج، وهو ما يمكن ملاحظته في الإسكندرية على سبيل المثال".

"في نهاية شهر ديسمبر، كانت زيارتي الأولى لمصر وزرت مقياس النيل في القاهرة، الذي كان جافًّا منذ أن تم إنشاء سد أسوان؛ لأنه لم يعد هناك فيضانات بعد الآن، لذا لم يعد هناك تسليم للرواسب. لا يزال المقياس مكانًا مثيرًا للاهتمام للغاية لأي عالم هيدرولوجيا".. يقول "دي جيسن"، الذي يشدد على ضرورة إجراء دراسات تفصيلية على دلتا النيل، "رغم أننا نعرف الكثير عنها وعن مشكلاتها، فلم تُسمَّ دلتاوات الأنهار بالدلتا إلا نسبةً إلى دلتا النيل".