قبل 74000 عام وقع ثوران في بركان "توبا" أحد أهم براكين العالم النشطة بجزيرة سومطرة الإندونيسية؛ وهو أحد أكبر الأحداث البركانية خلال المليوني عام الماضية، أي أكبر بحوالي 5000 مرة من ثوران جبل "سانت هيلين" في الثمانينيات.

على مدار قرون، كان الاعتقاد السائد لدى الباحثين أن هذا الثوران، الذي تسبب في شتاء استمر بين 6 إلى 10 سنوات، مبردًا سطح الأرض لقرابة 1000 عام، تسبَّب في سلسلة من الكوارث الطبيعية التي أفنت مجموعات أشباه البشر وعددًا كبيرًا من الثدييات في آسيا.

تقول الفرضية القديمة إن مجموعات الإنسان التي نجت في أفريقيا من هذا الانقراض شبه التام طورت إستراتيجيات اجتماعية واقتصادية، مكنتها من إعادة الانتشار بطول ساحل المحيط الهندي في موجة سريعة متزامنة حدثت قبل 60000 سنة.

ووفق دراسة نشرتها دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications)، اليوم "الثلاثاء"، 25 فبراير، كشف باحثون أن الأمر لم يكن مأسوَيًّا تمامًا، إذ أثبتت الدراسات الميدانية أن مجموعات من الإنسان العاقل كانت تستوطن عددًا من المواقع في جنوب آسيا في وقت أكثر بكورًا مما كان يُعتقد. 

وتعني النتائج التي توصل إليها الباحثون بعد العمل الميداني بجنوب الهند في عام 2007 أن الثوران البركاني الكبير لم يؤدِّ إلى انقراض الحياة، على الأقل في آسيا، ظلت هناك تجمعات بشرية على الساحل الآسيوي الجنوبي بالقرب من مركز الثوران، وفق "ميخائيل بتراجيلا"، أستاذ التاريخ البشري بمعهد ماكس بلانك والمؤلف المشارك في الدراسة، في تصريحات لـ"للعلم".

تشير الدراسة الحالية إلى أن الباحثين درسوا سجلًّا فريدًا من الطبقات الجيولوجية عمره 80000 عام بموقع "دابا" (Dhaba)، على نهر "سون"، ثاني أكبر الروافد الجنوبية لنهر "الجانج" بعد نهر "يمونا" في شمال الهند، حيث عثروا على أدوات حجرية وفرت حين مقارنتها بتوقيت حدوث ثوران "توبا" دليلًا قويًّا على وجود تجمُّعات سكانية في شمال الهند في العصر الحجري الأوسط قبل وبعد 74000 عام. 

 يقول "كريس كلاركسون" -الأستاذ في جامعة كوينزلاند الأسترالية، والباحث الرئيسي في الدراسة- لـ"للعلم": لقد وجدنا أن الأدوات الحجرية في الموقع كانت هي نفسها قبل وبعد الانفجار تقريبًا. وتشبه الأدوات الحجرية التي تعود إلى ما قبل 80000 سنة أنواع المصنوعات اليدوية التي صنعها البشر المعاصرون في أفريقيا والجزيرة العربية وتلك التي صُنعت في أستراليا منذ حوالي 65000 عام".

ويضيف "كلاركسون" أنه "لم يكن هناك تغيير ثقافي كبير في صناعة الأدوات الحجرية قبل حوالي 74000 عام، مما يشير إلى أن صيادي السمك الذين يعيشون بجانب نهر سون قد نجوا، بل وازدهرت تجمعاتهم بعد الثوران".

أجرى الفريق البحثي عمليات تنقيب واسعة في ثلاثة أماكن في الموقع، ودرسوا تاريخ الطبقات المختلفة، ثم حللوا الأدوات الحجرية في كل طبقة باستخدام عدد من الأدوات، منها الأشعة تحت الحمراء لقياس الطاقة المختزنة في الحبيبات المعدنية. من خلال قياس كمية الطاقة المختزنة في الحبيبات منذ آخر تعرُّض لأشعة الشمس، ما ساعدهم على تحديد عمر كل طبقة من الموقع.

ترجع أهمية الدراسة إلى أنها تؤكد مرونة مجموعات الصيادين الصغيرة في مواجهة تغيُّر المناخ والكوارث الطبيعية. كما تخبرنا أن تأثير ثوران "توبا" ربما كان أقل مما كان يُعتقد في الأصل.

يقول "كلاركسون": نرى الآن أنه حتى لو كان لثوران توبا بعض الآثار الدرامية قصيرة الأجل، فإنه يبدو أنه لم يؤثر سلبًا على الأشخاص الذين يعيشون في الهند وأفريقيا في ذلك الوقت.

وتابع: لقد أذهلنا العثور على أدوات حجرية مشابهة لتلك التي يجري تصنيعها في أفريقيا والشام والجزيرة العربية وحتى أستراليا في وقت مبكر جدًّا. ويبدو أن هذا يتَّسق مع الدليل الأحفوري على أن البشر المعاصرين كانوا خارج أفريقيا قبل 200 ألف عام، وكانوا مقيمين في الهند والصين قبل 80 ألف عام، وشقوا طريقهم إلى أستراليا قبل 65 ألف عام، وتمتلك مواقع مثل دابا القدرة على تغيير كل شيء كنا نظن أننا نعرفه عن التطور البشري.