قبل حوالي 12000 عام، كانت الصحراء القاحلة اليوم في شبه الجزيرة العربية، منطقة غنية بالنباتات تهطل عليها الأمطار بغزارة وتتسع فيها البحيرات، فتتسع المستوطنات البشرية العتيقة. لكن مع مرور الوقت تسببت التغيرات البيئية في الألفيات التالية في سلسلة من حالات الجفاف الشديد، نتجت عنها تغيُّرات جذرية في النظام البيئي.

في دراسة جديدة، قدم فريق بحثي يضم باحثين في الآثار والجغرافيا بإشراف من معهد ماكس بلانك لعلم التاريخ البشري في ألمانيا، دراسةً مقارنةً تفصيليةً عن التفاعل بين الإنسان والبيئة الطبيعية في شبه الجزيرة العربية خلال عصر الهولوسين أو عصر الحياة الحديثة الذي يؤرخ له على أن بدايته كانت قبل حوالي 12 ألف عام من تاريخ الأرض ويمتد حتى وقتنا الحالي. كشف الباحثون -من خلال دراسة الهجرات البشرية وظروف الاستيطان، مستعينين بصور الأقمار الصناعية وتقنيات التأريخ بالكربون المشع- أن المجتمعات البشرية في المنطقة تأثرت بشدة بالتغيرات البيئية خلال هذه الفترة، وهو ما أجبرهم على اتباع إستراتيجيات أكثر مرونةً للتأقلم مع الجفاف، شملت تغيير أنماط حياتهم واقتصاداتهم.

بيئات معادية

تُعَدُّ شبه الجزيرة العربية اليوم واحدةً من أكثر مناطق العالم جفافًا، لكن مناخها لم يكن دائمًا هو نفسه، وقد شهد الماضي جفافًا أكبر ورطوبةً أكثر في فترات زمنية مختلفة بدأت مع نهاية عصر البليستوسين وصولًا إلى الحياة الحديثة أو عصر الهولوسين الذى يمكن تصنيفه إلى قسمين رئيسيين: الهولوسين المبكر والهولوسين المتأخر، وقد امتد الأول لفترة تراوحت بين 3000 و6000 سنة، واتصف بسيادة فترات الرطوبة في شبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا. وبدأ القسم الثاني من الهولوسين مع سيادة تغيرات مناخية حادة شملت تناقصًا حادًّا في كميات الأمطار، وسيادة الجفاف، ونتج عن ذلك تدهور الغطاء النباتي وتدهور الحضارات القائمة. 

ورغم أن بعض الباحثين يفضل فصل الحقبة الزمنية التي بدأت مع انطلاق الثورة الصناعية في غرب أوروبا في القرن الثامن عشر، وحتى الآن، وتسميتها على أنها "عصر الإنسان" أو "الأنثروبوسين". وحجته في هذا الفصل أنه منذ ذلك التاريخ أصبح الإنسان هو المتفرد بالتأثير في الكوكب، متسببًا في التغيرات الكبرى، مثل الاحترار العالمي، وأكسدة المحيطات، والتحكم في المناخ ومصادر المياه والنباتات وحركة الأحياء الأخرى.

وبعيدًا عن الخلاف الأكاديمي، فإن تاريخ الأرض شاهدٌ على تعرُّض المنطقة لتغيرات مناخية كبيرة خلال الـ12 ألف عام الأخيرة، وإن اختلفت درجة الاستجابة لهذه التغيرات من موقع إلى آخر، وفقًا للظروف البيئية الطبيعية والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، فقد شهد شمالها مثلًا معدلات جفاف أسرع، مقارنةً بالنطاقات الجنوبية منها.

يوضح "أحمد قناوي" -أستاذ الجغرافيا المناخية المساعد في جامعة السلطان قابوس في عمان، والباحث غير المشارك في الدراسة- أن بعض الأدلة على التغيرات البيئية يمكن ملاحظتها في المنطقة، مثل شبكة الأودية الجافة التي تغطي جهات واسعة، والتي كانت تزخر بالمياه خلال الهولوسين المبكر، مشددًا على أن "هناك الكثير من الأدلة الطبيعية والحيوية التي تؤكد ذلك، منها الرسومات والنقوش المنحوتة على بعض الكهوف التي سكنها الإنسان في هذه العصور، والتي دلت على وجود غطاء نباتي كثيف، فضلًا عن حيوانات برية يصعب وجودها في هذه البيئات بظروفها الحالية، كالأسود والنمور، والضباع، فضلًا عن أدلة على وجود بحيرات مائية كبيرة". "وقد صاحب تلك العصور قيام كثير من الحضارات، مثل حضارات اليمن في جنوب شبه الجزيرة العربية"، كما يقول "قناوي" لـ"للعلم".

واحة جبة Credit: Michael Petraglia

إستراتيجيات البقاء

نتجت عن هذه التغيرات الطبيعية تغيُّرات متزامنة في بنية المجتمعات البشرية وانتشارها في المنطقة، كنوع من الاستجابة لهذه التغيرات، إذ أصبح البشر قادرين على بناء السدود والقناطر لجمع المياه عند سقوط الأمطار وتخزينها لوقت الحاجة. "أدهشتنا درجة التبايُن في كيفية حدوث الأحداث المناخية وكيف استجابت الشعوب المحلية لها. في الماضي، كان بإمكان الصيادين والرعاة الرحل التحرك إذا أصبحت مناطق معينة غير صالحة للسكن. وعندما أصبح الناس أكثر استقرارًا، بنوا القناطر والسدود لجمع المياه من زخات المطر، ولاحقًا، تعلموا أن موارد المياه الجوفية في الآبار يمكن استغلالها".. وفق "مايكل بتراجيليا" الأستاذ في قسم الأركيولوجي بمعهد ماكس بلانك للتاريخ البشري، والباحث الرئيسي في الدراسة.

يوضح "بتراجيليا" في تصريح لـ"للعلم" أن سكان المناطق الشمالية في شبه الجزيرة العربية تعايشوا مع فترات الجفاف بشكل يدعو إلى الإعجاب، وهو ما يُرجعه إلى أن المنطقة كان لديها نظام هطول أمطار مختلف، مقارنةً بجنوب شرق شبه الجزيرة العربية، وكان الناس قادرين على التجمع في مناطق تتسم بوجود بحيرات قديمة ضحلة، مثل واحة "جبة" في شمال شرق السعودية حاليًّا، حيث عُثر على 170 موقدًا وبقايا ماشية، وهو الدليل الأقوى على الوجود البشري في صحراء النفود خلال فترة الـ9000 سنة الماضية. 

وصحراء النفود هي أحد أقاليم نجد التي تشتهر بمناظرها الخلابة وبرمالها الذهبية، وتتصل بالحدود الغربية للعراق والشرقية للأردن.

تصف الدراسة الفترة بين 5900 إلى 5300 سنة بـ"الألفية المظلمة"؛ إذ سادت القحولة معظم المنطقة، ما دفع العلماء إلى اعتقاد أنها لم تكن صالحةً للسكن، لكن الأدلة التي عُثر عليها في "جبة" تقول عكس ذلك. 

شملت إستراتيجيات البقاء التي اتبعها السكان عملية التحول من الصيد والزراعة إلى الرعي، نتيجة نقص الأمطار والغطاء النباتي، وبالتالي تَحوَّلَ كثيرٌ من المجتمعات من حالة الاستقرار والاستيطان إلى حالة التنقل والترحال. وهاجرت تجمعات من السكان من قلب الجزيرة العربية إلى البيئات الفيضية المرتبطة بوجود الأنهار، كبلاد الشام والعراق.

صاحب ذلك تغيرات اقتصادية أخرى، كالتحول نحو بعض الحِرَف القائمة على البيئات الجيولوجية الصخرية المكشوفة والمنتشرة في الإقليم، كصناعات الأسلحة الحجرية أو تشييد المباني ونحتها في الصخور، أو لجوء بعض السكان إلى الهجرة من المناطق الداخلية الأشد قحولةً نحو المناطق الساحلية المفتوحة، وتَبِعَ ذلك نشاط الحركة التجارية عبر السفن مع أقاليم جنوب آسيا. ووفق الدراسة، فإن تتابُع فترات الجفاف وزيادة حدتها في الهولوسين المتأخر صاحبه ارتفاع معدلات الوفيات، نتيجة نقص الغذاء وتدهور موارد المياه، وبالتالي حدوث تغيرات ديموغرافية كبيرة في تركيبة السكان.

Credit: Michael Petraglia

دروس من الماضي

تقول كيرا ويستاواي -الأستاذ المشارك في جامعة "ماكواري" الأسترالية، والباحثة غير المشاركة في الدراسة- في تصريح لـ"للعلم": "تُظهر إستراتيجيات الاستدامة التي استخدمها العرب القدماء القدرةَ على التكيف والمرونة وتقديم الحلول لعالمهم المتغير".

وتضيف: "ومع ذلك، فإن إعادة بناء هذا الدليل تتطلب مزيجًا من الأدلة الأثرية التفصيلية وسجلات المناخ القديم، وهي ليست مهمة سهلة. لكن الدراسة الحالية نجحت في تحقيق هذا التوازن والمزج بين الأدلة، وقدمت معلومات جديدة حول الاستيطان البشري في منطقة كان يُعتقد أنها مهجورة في التاريخ الأرضي القديم".

وترى الباحثة أنه يمكن الاستفادة من دروس هذه الإستراتيجيات البسيطة لمواجهة مشكلات المناخ المعاصرة، مثل العودة إلى ممارسات إدارة المياه التقليدية، لكنها تؤكد أيضًا أن هناك عددًا لا يحصى من الطرق التي تمكِّن البشر من الصمود أمام الصدمات البيئية والتكيُّف مع تغيُّرات المناخ. 

أما الباحث الرئيسي في الدراسة، فيرى أنه يمكن لصانعي السياسات أن يتعلموا من الماضي كيفية تخفيف حدة آثار التغيرات المناخية. ولكنه يستطرد ليقول: ومع ذلك، فإن العديد من الخيارات التي اتخذها الناس في الماضي لم يعد متاحًا اليوم؛ نظرًا للزيادة السكانية وتبنِّي أنماط حياة أكثر استقرارًا. لكن يجب على واضعي السياسات تطوير حلول تكنولوجية للتخفيف من الأزمات المستقبلية، والتي نعرف أنها ستشمل زيادة درجات الحرارة والفيضانات، إضافةً إلى تبنِّي إستراتيجيات للحد من انبعاثات الوقود الأحفوري.

وبدوره يشدد "قناوي" على أن شبه الجزيرة العربية هي إحدى أكثر مناطق العالم تعرُّضًا لمخاطر الجفاف وشُح المياه، مشيرًا إلى ضرورة الاهتمام بمشروعات البنية التحتية لحصاد المياه، وتبنِّي سياسات بيئية خضراء (نظيفة) للحفاظ على جودة المياه ونوعيتها، وتوظيف التقنيات الحديثة لاختيار مواقع مناسبة لإنشاء خزانات وسدود صغيرة ومتوسطة الحجم في مناطق الأحواض الصحراوية، التي تشهد تدفقاتٍ مائيةً كبيرةً في بعض السنوات. وهو الرأي الذي يدعمه تقرير الأمم المتحدة العالمي عن تنمية الموارد المائية في العالم "المياه وتغير المناخ"، الصادر في مارس الماضي.