تُشير دراسةٌ جديدة إلى أن 70% من السواحل الشمالية المكتظة بالسكان في كلٍّ من تونس ومصر مُعرَّضة بشدة لخطر انحسار الخط الساحلي والفيضانات الساحلية، ويرى مُحلِّلون أن إقامة السدود والنمو الحضري المُتسارع هما العاملان الرئيسيان اللذان يقفان وراء تصاعُد هذا الخطر، وليس الآثار الناجمة عن الاحترار العالمي.

وقد قرَّر فريقٌ دولي -ضمَّ باحثين من جامعتي تونس المنار وقرطاج في تونس- الجمعَ بين بيانات الأقمار الصناعية والصور الجوية والخرائط الجيولوجية والطبوغرافية، جنبًا إلى جنبٍ مع السجلات الاجتماعية والاقتصادية الإقليمية، وذلك بهدف تقييم حجم الخطر الذي يتهدَّد السواحل في الجزء الجنوبي من حوض البحر المتوسط، وهو منطقةٌ تشمل سواحل تونس وليبيا وشمال مصر.   

واستخدم الفريق تلك البيانات في اشتقاق مؤشرٍ لقابلية تعرُّض السواحل للخطر (CVI)، وذلك بالاستناد إلى سبعةِ معاييرَ جيولوجية وفيزيائية، ومؤشرٍ للضعف الاجتماعي والاقتصادي اشتُق من عوامل اقتصادية، إضافة إلى مؤشرٍ تكاملي لقابلية تعرُّض السواحل للخطر، يُسلِّط الضوء على المناطق التي تُشكِّل مصدر قلق.

وقد أظهرت الاستقصاءات في هذا الشأن أن ما يقرب من نصف ساحل البحر المتوسط بأكمله من تونس إلى مصر مُعرَّض لخطر الانحسار بدرجاتٍ تتراوح بين مرتفعة ومرتفعة للغاية، كما تَبيَّن أن أكثر المناطق تعرُّضًا للخطر تقع في خليج تونس ودلتا النيل.

وتشير تقييماتُ الباحثين إلى وجود ارتباطٍ بين المناطق الأكثر تعرُّضًا لخطر انحسار الخط الساحلي والعوامل البشرية مثل وجود السدود والكثافة الحضرية العالية؛ فالسدودُ وغيرها من العوائق تمنع تدفق الرواسب إلى السواحل، في حين يؤدي النمو الحضري إلى الاستغلال الجائر للموارد واستنزافها، وتُسفِر هذه العوامل وغيرها عن انحسار الخط الساحلي، وحدوث الفيضانات الساحلية، بالإضافة إلى تسرُّب مياه البحر إلى طبقات المياه الجوفية الساحلية، مما يُؤثر سلبًا على إنتاج المحاصيل ويُهدِّد الأمن الغذائي.   

ويرى الباحثون أن إعداد مثل هذه الخرائط التي تُقدِّر مدى قابلية التعرُّض للخطر سيؤدي دورًا محوريًّا في تطوير السياسات وتحسين حوكمة الأراضي في المناطق الساحلية، يقول عصام حجي، المؤلف الرئيسي لهذه الدراسة الجديدة، والباحث العلمي بجامعة جنوب كاليفورنيا بالولايات المتحدة: "تحتاج السياسةُ الحضرية إلى تحديثاتٍ عاجلة لتصحيح الوضع الحالي الذي سيزداد سوءًا بمرور الوقت حال إهماله".

ويقول فولفجانج كرامر، عالِم الجغرافيا والبيئة بجامعة إكس مارسيليا في فرنسا، والذي لم يُشارك في هذه الدراسة: "انحسار السواحل الجنوبية للبحر المتوسط ظاهرةٌ معروفة، ولكنها لم تحظَ بالقدر الكافي من القياس الكمي، لذا تأتي هذه الدراسة لتسُدَّ فجوةً مهمةً في تقييم المخاطر التي تتهدَّد السواحل؛ فمعظم عمليات الرصد والدراسات النموذجية تُجرَى في منطقة شمال البحر المتوسط، وهو ما يُعطي انطباعًا مُضللًا بأن جنوب البحر المتوسط وشرقه أقل تعرُّضًا للمخاطر".

ويسعى الباحثون، في المرحلة التالية، إلى دراسة الشواطئ الرملية في الجزء الشرقي من شبه الجزيرة العربية في الخليج العربي، التي شهدت بعضًا من أسرع التغيُّرات في العالم.