كشفت شظايا مستخرجة من موقع أثري بجنوب أفريقيا عن مفاجأة مُدَوِّية تتعلق بنظرية الانقراض شبه التام للأنواع البشرية، الذي حدث قبل 74 ألف سنة بسبب ثوران بركان "توبا" الآسيوي.

وخلُصت دراسة علمية نشرتها مجلة "نيتشر" إلى أن آثار ثوران ذلك البركان كانت أقل دراماتيكية؛ إذ نجت مجموعات واسعة من البشر عاشت في شرق القارة الأفريقية ولم تتأثر بأي شكل بالثورة البركانية التي تُعَد الأكثر عُنفًا في تاريخ الأرض على مدار مليوني عام.

ففي تسعينيات القرن الماضي قال العلماء إن ثورة بركان "توبا" تسببت في شتاء بركاني طويل الأمد، دمر الأنظمة البيئية في العالم، وتسبب في انهيار سكاني واسع الانتشار؛ إذ انفجرت قمته على جزيرة سومطرة الإندونيسية "الآن"، وغطى الرماد مساحات شاسعة من الأراضي، وانتشر السخام البركاني في الأجواء، ومنعت سحابة الرماد السميكة الشمس، ما أسفر عن هَلَكة كثير من الحياة النباتية على كوكب الأرض.

وأشارت الدراسات السابقة إلى أن الشتاء البركاني استمر طيلة عَقدٍ من الزمان، ناضلت خلاله مجموعة صغيرة من البشر، للبقاء على قيد الحياة. غير أن الدراسة الجديدة تقول إن الأمر لم يكن بتلك السوداوية.

فقد أظهرت عينات الرواسب، وشظايا خلَّفَها البركان وعبرت المسافة من موقعه إلى شرق القارة الأفريقية، أن سكان تلك المنطقة لم يتأثروا بالتداعيات المُناخية التي تسبب بها البركان.

تقول الدراسة إن النمط الغذائي لسكان شرق أفريقيا في ذلك الوقت –المعتمد على محار البحر- لم يُسهِم فقط في نجاتهم من المجاعات الكبرى التي انتشرت في أنحاء العالم عقب انهيار النظم الإيكولوجية بسبب الرماد البركاني؛ ولكنه أسهَمَ أيضًا في ازدهارهم ونمو أعدادهم.

فحص الفريق البحثي -المكوَّن من علماء من جامعات أريزونا ونيفادا وكلية الأرض والعلوم البيئية وجامعة تكساس، علاوة على جامعة كيب تاون ومختبر العلوم الأثرية باليونان- كل سنتيمتر من الرواسب في مقطع رأسي يبلغ طوله 1.5 متر، مستخرج من طبقات رئيسية بصخور بركانية زجاجية في موقع أثري شهير بجنوب أفريقيا، كما فحصوا الشظايا التي عُثر عليها في الموقع ذاته، وقارنوا السمات الكيميائية لكلٍّ من الرواسب والشظايا، ليجدوا أن النباتات في الموقع "لم تتأثر إلا على نحوٍ ضئيل جدًّا بثوران البركان".

يقول كورتيس دبليو ماران -مدير معهد أصول الإنسان بمدرسة التطور البشري التابعة لجامعة أريزونا، والباحث الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن النتائج التي توصلت إليها الدراسة دقيقة للغاية، فقد استخدمنا أجهزة قياس تعمل بالليزر، مدمجة على أجهزة كمبيوتر محمولة، وسجلنا الملحوظات التي انتهينا إليها بدقة".

ويضيف أن "فحص الرواسب، قبل ثوران البركان وبعده، أظهر عدم وجود فجوة في الاستخدام البشري للموقع، ما يشير إلى أن البشر في هذه المنطقة  كانوا على ما يرام بعد وقت قصير من اندلاع البركان، كما أسهمت التقنيات الميدانية المتطورة، التي استخدمناها لتحليل الشظايا البركانية، في بناء نموذج عمري للموقع باستخدام التأريخ البصري، ورسَم ذلك النموذج صورةً رائعةً للتاريخ قبل اندلاع البركان وبعده".

وأوضح أن قطع الشظايا التي عُثر عليها وُجدت في ممر صخري، استخدمه سكان المنطقة للنوم وطهي الأطعمة، ووُجد البعض الآخر منها في منطقة مفتوحة كان البشر يستخدمونها لجمع المواد الخام وصناعة الأدوات، مضيفًا أن "الثقة بالنتائج التي توصلت إليها الدراسة عالية، فقد استمر العمل على تلك الورقة العلمية 12 عامًا كاملة، وسيستمر مدةً أخرى طويلة، والخطوة التالية هي فحص المزيد من المواقع للوصول إلى نتائج قد تَعضُدُ من نتيجة تلك الدراسة".

لكن عالِم الآثار بجامعة إلينوي "ستانلي أمبروز"، الذي اقترح أن اندلاع البركان "توبا" قضى على معظم البشر الأوائل، قال في تصريحات لمجلة "ساينس" إنه "غير مقتنع بالنتائج"، مشيرًا إلى أن الدلائل التي عُثر عليها "غير كافية"، ومؤكدًا أن البحث عن آثار بركانية في مواقع أخرى "يُمكن أن يساعد في تسوية النقاش".