كتب تشارلز داروين في كتابه "التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوان" أن الحشرات "تعبر عن مشاعر الغضب، والرعب، والغيرة، والحب". كان ذلك في عام 1872؛ والآن، وبعد مرور 150 عامًا تقريبًا، اكتشف الباحثون مزيدًا من الأدلة على أن داروين ربما كان في طريقه إلى تحقيق اكتشاف ما، فبحسب دراسة نُشرت في شهر سبتمبر في مجلة "ساينس" Science، فيبدو أن النحل الطنان يمتلك "حالة تشبه العاطفة الإيجابية". بعبارة أخرى، ربما يشعر النحل بشيء يشبه السعادة؛ غير أن هذه الفكرة لا تزال مثيرة للجدل بالنسبة للبعض.

على عكس البشر، لا يمكننا ببساطة أن نطلب من نحلة أن تتحقق من مشاعرها وتصفها لنا. ولهذا كان يتعين على العلماء أن يبحثوا عن أدلة على أن الحشرات لديها العناصر الإدراكية، والسلوكية، والفسيولوجية التي - عند اجتماعها – يمكن أن تنتج ظاهرة معقدة مثل العواطف.

صمم عالم الأحياء كلينت بيري، من كلية الملكة ماري بجامعة لندن، تجربة للبحث عن تلك الأدلة. فقام هو وزملاؤه بتدريب النحل الطنان على التفرقة بين زهرة زرقاء اللون موضوعة إلى يسار وعاء، وزهرة أخرى خضراء موضوعة إلى يمين الوعاء. وعندما استطلع النحل الزهرة الزرقاء وجد فيها محلولًا سكريًا بنسبة 30%، أما عندما استكشف الزهرة الخضراء فلم يجد فيها سوى ماءً عاديًا غير محلى. وفي النهاية تعلم النحل أن يربط بين الزهرة الزرقاء وبين وجود مكافأة حلوة المذاق.

بعد ذلك اختبر الباحثون سلوك النحل على زهور ملونة بلون وسط بين الأزرق والأخضر، موضوعة في مكان وسط بين الزهرتين. وقبل الاختبار، حصلت نصف الحشرات على وجبة من محلول سكري تركيزه 60%، فوجد الباحثون أن هذه الحشرات قد انطلقت بسرعة إلى الزهرة ذات اللون المبهم بين الأخضر والأزرق، في حين أن باقي النحل الذي لم يحصل على المحلول السكري حلق ببطء أكثر باتجاه تلك الزهرة.

إن افتراض أن عنصرًا محفزًا غامضًا يحتوي على مكافأة، رغم غياب الدليل على ذلك، يُعرف باسم "الانحياز للتفاؤل". وتشير تجربة بيري إلى أن جرعة من السكر قد دفعت النحل إلى حالة عاطفية إيجابية، فجعلته أكثر تفاؤلًا، بحيث أصبح يتوقع أن تحتوي الزهرة الغامضة على وجبة سكرية.

هل يبدو هذا مألوفا؟ ثمة شيء مشابه لهذا يحدث لدى البشر؛ فالأطفال حديثو الولادة يكون بكاؤهم أقل إذا ما حصلوا على وجبة خفيفة من الحلوى، كما أن قطعة من الحلوى يمكن أن تزيد المشاعر الإيجابية وتحسن المزاج السيء لدى البالغين أيضًا. فيقول بيري: "كثيرون منا تتغير نظرتهم لتصبح أكثر تفاؤلًا بعد تناول قطعة من الشوكولاتة الداكنة".

للتأكد من أن سلوك الطيران لدى النحل كان نتيجة للحالة العاطفية الداخلية، وأنه لم يكن مجرد استجابة لانتشاء النحل بالسكر، أجرى الباحثون اختبارًا لسلوك النحل على زهور أخرى غير مألوفة وذات ألوان جديدة. وقد توصل بيري إلى أن هذا السلوك قد اقتصر على الزهور التي تقع درجة لونها بين اللونين الأخضر والأزرق اللذين تدرب عليهما النحل، وليس أي لون آخر.

وفي اختبار آخر تضمن محاكاة لهجومٍ من قِبَلِ كائن مفترسٍ، أظهر النحل الذي أربكه السكر نفس درجة الانحياز للتفاؤل. في البرية، يتعرض النحل الطنان في بعض الأحيان لهجوم العناكب السلطعونية المتربصة له. ولمحاكاة هذا الهجوم، أمسك الباحثون برفق بالنحل بواسطة آلة ميكانيكية ذات حواف إسفنجية لمدة ثلاث ثوان، ثم تركوه ليفلت. فوجد الباحثون أن النحل الذي أُعطي ماء محلّى بالسكر قبل هذا "الهجوم" استأنف عملية البحث عن الطعام أسرع من ذلك الذي لم يحصل على محلول السكر، مما يدل على أن عواطف النحل الإيجابية جعلته أقل حذرًا وأكثر تفاؤلًا في هذا الموقف أيضًا.

وفي تجربة أخيرة عندما أَعطَى الباحثون للنحل عقارًا يعطل مستقبلات الدوبامين، وهو ناقل عصبي مرتبط بفكرة التحفيز والمكافأة، اختفى ذلك الانحياز الذي كان النحل يبديه، وهو ما يماثل الطريقة التي يعمل بها هذا المركب الكيميائي الدماغي في الثدييات. ويقول بيري: "لا يزال الكثير من العلماء، وحتى علماء الحشرات، يعتقدون أن الحشرات ما هي إلا ماكينات سلوكية صارمة مُبرمجة وراثيًا بشكل مسبق". وتعترض على هذه الفكرة أيضًا كاتي برودِك، وهي عالمة حشرات بجامعة أريزونا، لم تكن ضمن الفريق الذي أجرى الدراسة، فتقول: "نظرًا لأن الحشرات مصممة بشكل مختلف تمامًا، فإننا نميل إلى التقليل من شأن حالاتها العاطفية، ربما يكون ذلك لأننا لا ننظر إلى الحشرات بنفس الطريقة التي ننظر بها إلى الكلاب أو القطط أو الأبقار".

لا يوجد سبب جوهري يحول دون امتلاك الحشرات للعواطف، أما المشاعر فهي قضية أخرى. وعلى الرغم من استخدامنا للمصطلحين في لغتنا العادية على أنهما مترادفان، فإن العلماء يستخدمونهما بمعنيين مختلفين. يقول أنتونيو داماسيو، وهو عالم أعصاب وفيلسوف من جامعة كاليفورنيا الجنوبية: "العواطف هي مجموعات من الأفعال، وهناك أنواع عديدة من الكائنات لديها عواطف، غير أننا لا نستطيع التأكد من أنها تشعر بتلك العواطف". بعبارة أخرى، العواطف هي استجابة الجسم التكيفية للأحداث والمثيرات الخارجية؛ أما المشاعر فهي الإحساس الذاتي بتلك العواطف.

على سبيل المثال، عند سماع أخبار سيئة قد يرتفع ضغط دمك، وقد يهبط معدل تنفسك بحدة؛ وإذا رأيت أسدًا جبليًا أثناء القيام بنزهة فإن ضربات قلبك ستتسارع بشدة، ويزداد معدل تنفسك، وقد يفيض الكورتيزول والأدرينالين في دماغك، وتتسع حدقتا عينيك. هذه هي استجابات الجسم العاطفية، ومن الممكن – ولكن ليس من الضروري – أن تكون هذه العواطف مصحوبة بشعور ذاتي بالحزن أو بالخوف في الموقفين على التوالي.

ويبدو أن الشيء نفسه يحدث للنحل الطنان، رغم أن بيري لم يثبت في بحثه أن النحل لديه مشاعر، إذ يقول: "لم نثبت أن النحل يشعر بالسعادة"، ولكن الأدلة تشير إلى أن النحل يمتلك الآليات الإدراكية والسلوكية والفسيولوجية التي تقف خلف العواطف.

ويشرح داماسيو قائلا: "إن وجود المشاعر يعني ضمنًا وجود عقل وتجربة عقلية، أو وعي. ولدي ما يكفي من الأسباب للاعتقاد بأن الحيوانات اللافقارية ليس فقط لديها عواطف، بل لديها أيضًا إمكانية الشعور بتلك العواطف". وإذا ثبت أن للحشرات مشاعر، فسوف يكون لذلك تداعيات هائلة على الطريقة التي نفكر بها في تلك الكائنات، بما في ذلك محاولاتنا لمكافحتها باعتبارها آفات.

ما يأمله بيري في الوقت الراهن هو أن يشجع هذا البحث الناس ببساطة على أن ينظروا إلى الحشرات على أنها أكثر من مجرد ماكينات ضئيلة الحجم عديمة التفكير.