أفاقت أحلام من غيبوبتها لتجد كل شيء حولها وقد اكتسى بالبياض، معاطف الأطباء والممرضات، ولون الأسرّة وأغطيتها، وأربطة الشاش والقطن، لكنه بياضٌ لم يترك في نفسها سوى شعور كئيب بأنه "بياض كالكفن".

لم تعتد "أحلام" دخول المستشفيات والاحتجاز فيها، لكنها اضطرت إلى ملازمتها بعد إصابتها بآلام غير محتملة في الرحم خلال الشهر السابع من حملها الثاني.

بدأت أحلام رحلتها مع عالم "الأسِرَّة البيضاء" بـ4 أيام أمضتها في قسم النساء والتوليد في مستشفى "المنشاوي" التابع لوزارة الصحة في محافظة الغربية (بدلتا مصر)، وفي نهاية الأيام الأربعة تعرضت لنزيف شديد استمر ساعتين، فقدت الجنين وانفجر الرحم، وخضعت لعملية جراحية استدعت احتجازها بـ"الرعاية المركزة" لمدة 31 يومًا، من بينها 10 أيام كانت فيها واعيةً بكل ما يدور حولها.

بعد ذلك، دخلت أحلام في غيبوبة امتدت 20 يومًا، تعرضت خلالها لانخفاض شديد بمستوى الدم أدى إلى تراكُم الكرياتين في جسمها وإصابتها بـقصور كلوي حاد وتوقُّف في إدرار البول، وخضعت لأولى جلسات الغسيل الكلوي؛ إذ أخبروها وقتها بأنها ستخضع لهذه الجلسات بصورة مؤقتة لنحو ثلاثة أشهر.

حلمت أحلام في كل جلسة بأن ألم الخضوع للجلسات على وشك الرحيل، قبل أن تفيق من أحلامها على وقع كلمات قصيرة طالبها فيه طبيبها المعالج بضرورة التحلِّي بالصبر؛ إذ أصبحت مريضة "فشل كلوي مزمن".

وبالرغم من المقابلات العديدة التي أجريناها في عدد من وحدات الرعاية المركزة بثلاث محافظات (الغربية ـ المنوفية ـ الإسكندرية)، فقد توقفنا بالعرض والتحليل عند حالة أحلام، لتطوُّر حالتها الطبية الموثقة قبل الإصابة وعندها وبعدها؛ إذ تحولت من مريضة "قصور كلوي حاد" إلى مريضة "فشل كلوي مزمن".

غياب المعلومات

اخترنا ثلاثة مستشفيات متنوعة (جامعية ـ حكومية ـ خاصة)، وللأسف لم نتمكن من الحصول على بيانات مباشرة من أيٍّ منها (سواء بسبب صدور تعليمات رسمية بحظر المعلومات، أو لعدم امتلاك أغلبها لمثل تلك الإحصاءات، أو للسببين معًا)، وعوضًا عن ذلك أجرينا مقابلات مع أطباء يعملون بوحدات الرعاية المركزة والكلى داخل بعض المستشفيات. بعضهم وافق على ذكر اسمه، في حين اختار آخرون عدم ذكر أسمائهم.

فمن داخل مستشفى "المنشاوي"، التقينا طبيبين من وحدة الغسيل الكلوي والرعاية المركزة، وحاولنا -من خلال شهادتي الطبيبين، اللذَين رفضا ذكر اسميهما- رَسْمَ صورة حول نسبة إصابة الكلى داخل رعاية حالات الباطنة الحرجة في ذلك المستشفى التي تعرضت داخله أحلام لتجربتها القاسية.

يقول طبيب الحالات الحرجة: "إن وحدة الرعاية فيها 14 سريرًا، ويتم تتبُّع الحالات التي تصل إلى المستشفى من خلال إجراء تحاليل دورية لوظائف الكلى لاختبار نسبة الكرياتين فيها، وتعتمد الطرق المتبعة للعلاج على نقل الدم واستخدام المضادات الحيوية فائقة التأثير، والتي لا يتوافر أغلبها داخل المستشفى، مما يجبر أسرة المريض على شرائها من الخارج".

بدوره، أشار طبيب أمراض الكلى إلى أن وحدة الغسيل الكلوي في المستشفى يصلها ما بين 3 و4 حالات شهريًّا من وحدة الرعاية المركزة لإجراء جلسات غسيل، مضيفًا أن "أغلب الحالات التي تصل إلى الوحدة تكون متدهورة ومتأخرة بشدة وقد تصل إلى الغيبوبة، ولا تمر شهور حتى ينضم أصحابها إلى قائمة انتظار العلاج من الفشل الكلوي المزمن".

اللقاء الثالث كان مع طبيبة للحالات الحرجة، اكتفت بذكر أول حرفين من اسمها "م.ت"، وتعمل في مستشفى خاص بمدينة شبين الكوم، وأكدت لنا في شهادتها أنه رغم ارتفاع سعر الليلة الواحدة داخل الرعاية في المستشفيات الخاصة، والتي تبلغ 1800 جنيه، لا يتوافر داخلها جهاز مستقل للغسيل الكلوي، ما يَضطر الأطباءَ المعالجين إلى طرق تقليدية قد تؤدي إلى تدهور الحالات الأكثر تعقيدًا، مثل الصدمات التسممية والنزيف الحاد.

القصور الكلوي الحاد

يحدث "القصور الكلوي الحاد" (Acute Kidney Injury)، والمعروف اختصارًا بـ(AKI)، عندما تُصبح الكلى فجأةً غير قادرة على تنقية الدم من الفضلات، ما يؤدي إلى تراكُمها بمستويات خطيرة قد تُحدث خللًا في توازن التركيب الكيميائي للدم، وترجع الأسباب الرئيسية للإصابة به إلى بطء تدفق الدم إلى الكلى، أو حدوث تلف مباشر في الكلى، أو انسداد الحالبين، أو عدم تخلُّص الجسم من الفضلات عبر البول.

وبالرغم من أن "القصور الكلوي الحاد" قد يتسبب في مضاعفات تصل إلى موت المريض، فإنه يكون قابلًا للعلاج إذا تم التعامل السريع معه وعلاج السبب الرئيسي للإصابة به، مثل استخدام الأدوية المدرة للبول لطرد السوائل الزائدة من الجسم، وتلقِّي أدوية للتحكم في مستوى البوتاسيوم في الدم في حالة عجز الكليتين عن "ترشيح البوتاسيوم"، مثل استخدام الكالسيوم أو الجلوكوز لمنع تراكُم مستويات عالية من البوتاسيوم في الدم؛ إذ قد تُسبِّب زيادة البوتاسيوم في الدم عدم انتظام ضربات القلب وضعف العضلات.

وإذا تراكمت السموم في الدم، يمكن اللجوء إلى غسيل الدم المؤقت (غالبًا ما يشار إليه ببساطة بغسيل الكلى)، حيث يقوم جهاز غسيل الكلى بضخ الدم من الجسم عبر "الكلية الاصطناعية" التي تقوم بترشيح الفضلات، ثم إعادة الدم إلى الجسم للمساعدة في إزالة السموم والسوائل الفائضة من الجسم في أثناء تعافي الكليتين. وقد يساعد "غسيل الدم المؤقت" أيضًا على إزالة البوتاسيوم الفائض من الجسم.

ويمكن أن يتحول "القصور الكلوي الحاد" إلى "فشل كلوي مزمن" (Chronic Renal Failure)، وهو مرض كلوي ينشأ عنه فقدان الكلية لجميع وظائفها الأساسية، وخاصةً قدرتها على إعادة الماء والمعادن الأساسية للجسم، وتنقية الدم من الشوائب المختلفة.

وتشير دراسة اعتمدت على تحليل بيانات 312 دراسة دولية (أُجري معظمها في أمريكا الشمالية وشمال أوروبا وشرق آسيا)، بإجمالي عينة بلغت 49.147.878 شخصًا، إلى أن معدلات الإصابة بـ"القصور الكلوي الحاد" تبلغ حوالي 21.6% بين البالغين، و33.7% بين الأطفال؛ وخاصةً بالنسبة لحالات الجراحات والحوادث والتعرض لصدمة تسممية والالتهابات الحادة والأمراض المزمنة الحرجة.

وتسعى تلك المعايير العلمية للسيطرة على "القصور الكلوي الحاد"، ليبقى في مساحة المرض المؤقت الذي يمكن السيطرة عليه، دون أن ينتهي الأمر إلى تحوُّل الحالة إلى "فشل كلوي مزمن" أو إلى الوفاة.

التشخيص وإدارة الأزمة

وتشير دراسة نشرتها دورية "ساينتيفيك ريبورتس" (scientific Reports)، وسبق عرض نتائجها في موقع لـ"للعلم"، إلى ارتفاع معدلات الوفاة بين مرضى "القصور الكلوي الحاد" في وحدات الرعاية المركزة في عدد من المستشفيات المصرية، والذي يُقدر عدد حالات الإصابة به حول العالم بـ13 مليون شخص سنويًّا، ويؤدي إلى وفاة حوالي 1.7 مليون شخص كل عام.

وأظهرت الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة "كالجاري" الكندية ومستشفى "أوسبيدالي ريونيتي" التابعة لجامعة "ريجيو كالابريا" الإيطالية وقسم الأوبئة في معهد الصحة العامة بجامعة الإسكندرية، وجود علاقة قوية بين الإصابة بـ"القصور الكلوي الحاد" وارتفاع معدلات الوفيات بين المرضى المصابين بأمراض مزمنة وطول مدة الإقامة في المستشفيات، بغض النظر عن مستوى الإصابة وشدتها.

وقد جرت متابعة المرضى المشاركين في الدراسة، سواء بعد الخروج من الرعاية المركزة، أو مَن أمضوا فيها 30 يومًا، أو المتوفين منهم، بهدف معرفة كيفية تشخيص الإصابة بالمرض في مرحلة مبكرة، وتحديد مدى خطر الإصابة به في وحدات الرعاية المركزة، والفئات المعرضة للخطر الشديد.

وكشفت الدراسة أن أعراض كلٍّ من تعفُّن الدم ونقص حجم الدم “Hypovolemia” (الاضطراب الناجم عن نقص في حجم بلازما الدم) كانت مسؤولةً عن نصف حالات الوفاة التي شملتها الدراسة، وأن 40% من المرضى كانت لديهم إصابة كلوية حادة لدى دخولهم الرعاية المركزة، وأن النسبة نفسها كانوا غير مصابين بأمراض كلوية عند دخولهم الرعاية المركزة، ولكنهم أصيبوا بهذا النوع من الأمراض عقب إقامتهم فيها.

وتوفي 120 مريضًا مصابين بـ"القصور الكلوي الحاد"، من إجمالي عينة الدراسة، في أثناء فترة المتابعة لمدة 30 يومًا، وبما يعادل (22.6%) مقارنةً بالمرضى الذين لم يحدث لهم ذلك.

ومن بين 532 مشاركًا شملتهم الدراسة بمتوسط أعمار 45 عامًا، كان 41.7% من الذكور و23.7% من مرضى السكري، و39.6% من المرضى كانوا مصابين بـ" القصور الكلوي الحاد" عند دخولهم وحدة الرعاية المركزة، في حين أن 37.4% أصيبوا به بعد مرور 24 ساعة فقط من دخولهم للعناية المركزة، وتم ربط الحاجة السابقة إلى استخدام أدوية مدرات البول، وتعفُّن الدم، والمستوى التعليمي المتدنِّي بحدوث الإصابة.

وتوقفت الدراسة عند خصائص مَن تعرضوا للإصابة بـ"القصور الكلوي الحاد"، مشيرةً إلى أن متوسط أعمارهم بلغ 45 عامًا، فضلًا عن انخفاض المستوى التعليمي والوعي الصحي، وكان لأغلبهم (48%) تاريخ طبي مشترك (عدد من الأمراض المزمنة وعلى رأسها السكري) وأمراض القلب والدم (36%)، واضطرابات ما بعد الولادة (13%)، وبشكل عام فقد احتاج 56% من هؤلاء المرضى إلى الإقامة لفترة داخل وحدات التنفس الصناعي.

متابعة طويلة الأجل

تقول سمر سامي –أستاذة علوم الوبائيات في قسم علوم الأوبئة في المعهد العالي للصحة العامة بجامعة الإسكندرية، والباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "بالنظر إلى حجم الإصابات المسجلة بالدراسة والمعدلات العالمية، نجد أن المعدلات التي كشفنا عنها في الدراسة تبقى منضبطة ولا تتخطى الحد المسموح به، سواءٌ فيما يتعلق بمعدلات الإصابة أو التعافي السريع".

وأضافت أن "ارتفاع معدلات الحوادث وتأخُّر التدخل الطبي في بعض الأحيان يُعَد مدخلًا رئيسيًّا لتزايُد نسب الإصابة بـ"تعفن الدم" داخل الرعاية المركزة، وهو السبب الرئيسي لتدهور الكلى".

وتشدد "سامي" على ضرورة المتابعة طويلة الأجل والنظر في المخاطر المرتفعة نسبيًّا والناتجة عن الانتعاش غير المكتمل لوظائف الكلى، سواء لدى الأشخاص الذين يعانون من البقاء في المستشفى لفترات طويلة، أو أولئك الذين يخرجون منها في غضون 30 يومًا من القبول بوحدات الرعاية المركزة، وفق قولها.

من جهتها، تقول ياسمين نجا -طبيبة أمراض الكلى في المستشفى الجامعي بالإسكندرية، والباحثة المشاركة في الدراسة- لـ"للعلم": "إنه لا توجد آلية واضحة يمكنها أن تحدد لنا إن كان تعرُّض كلية المريض لحالة قصور حاد هو السبب في تحوله بعد ذلك إلى مريض بالفشل الكلوي المزمن من عدمه في ظل غياب قواعد البيانات، لذا تلجأ الدراسات العلمية بشكل مباشر إلى متابعة حالات المرضى على مدى زمني قصير لا يتخطى 6 شهور، وبطبيعة الحال هذا لا يكفي؛ إذ هناك حاجة إلى إجراء مسح كامل على مرضى الفشل الكلوي داخل وحدات الغسيل؛ للخروج بنسب محددة حول عدد المصابين منهم نتيجة المرور بتجربة مرضية داخل وحدات الرعاية المركزة، وعرض تقييم مباشر لمدى فاعلية الإجراءات التي تم اتخاذها معهم".

وتضيف أن "المستشفى الجامعي بالإسكندرية يمتلك بالفعل اثنتين من ماكينات الغسيل الكلوي داخل وحدة الرعاية المركزة، تخضعان بشكل مباشر لإشرافنا، لكنها تبقى خطوة لاحقة في ضوء ما يقرره الطبيب المشرف داخل وحدة الرعاية المركزة، لكن وجودهما يساعد بالتأكيد على التدخل السريع من أجل إنقاذ الكليتين اللتين غالبًا ما تكونان مرهقتين بسبب إفراط المصريين في تناول المسكِّنات على نحو خطأ".

إدارة الأزمة

ويصنف "المؤتمر الدولي الخامس للجمعية الفرنسية للتخدير (مايو 2017) -الذي عُقد تحت عنوان "القصور الكلوي الحاد في وحدة الرعاية المركزة من الإصابة إلى الانتعاش"- "تعفُّن الدم" كسبب رئيسي للإصابة بحالات الفشل الكلوي، وهو ما يحدث في حالات التسمم والجراحات الخطرة والالتهابات الحادة بالأوعية الدموية، موضحًا أن "حالات الفشل الكلوي قد تنتقل من مرحلة الخطر إلى الفشل أو الوفاة سريعًا؛ نتيجة ما يُعرف بـ"النخر الأنبوبي الحاد"، وهي حالة طبية يحدث فيها موت للخلايا الأنبوبية المكوِّنة للأنابيب الكلوية.

وانتهى المؤتمر إلى إصدار عدد من التوصيات، في مقدمتها عدم الارتكان إلى الأساليب التقليدية في متابعة الحالة، مشددةً على أن التشخيص يتطلب أخذ "مسحة أو عينة" من الكلى في كثير من الحالات، وعدم الاعتماد على تحاليل "وظائف الكلى" وقياس نسبة الكرياتين بالدم.

وتشدد التوصيات على ضرورة الإسراع بإجراء "ترشيح الدم" بصورة كاملة عبر أجهزة الغسيل الكلوي، وتوفير مستويات عالية من "التهوية الصناعية" داخل الوحدات، وعدم الاكتفاء بإمداد الجسم بأكياس دماء جديدة أو الإفراط في استخدام المضادات الحيوية الذي قد ينتج عنه بعض الآثار السلبية.

وقد اتفقت تلك التوصيات مع تحذيرات مستشفى مايو كلينك الأمريكية الشهيرة لـحالات الإصابة بـ"القصور الكلوي الحاد"؛ إذ حذرت في ورقة إرشادية عبر موقعها الإلكتروني من (طرق إدارة العلاج التقليدية)، موضحةً أن "القصور الكلوي الحاد يمكن أن يكون قاتلًا".

ورتبت الورقة الإرشادية أعراض تدهور الحالة كالتالي: انخفاض إنتاج البول، احتباس السوائل، تورم في الساقين والكاحلين أو القدمين، ضيق في التنفس، تعب، ارتباك، غثيان، ضعف، عدم انتظام ضربات القلب، نوبات أو غيبوبة كاملة في الحالات الشديدة.

وبالرغم من غياب الإحصائيات الدقيقة حول الإصابة بـ"القصور الكلوي الحاد" في مصر، إلا أن هناك العديد من الدراسات التي أُجريت خلال السنوات الأخيرة، لكن أغلبها لا يزال قاصرًا على مساحة "الدراسات الاستطلاعية" دون الوصول إلى طرح تجارب حديثة في المعالجة وتأثير ذلك على معدل الشفاء.

وكانت مجلة "جمعية التخدير المصري" (EJA) قد نشرت في عام 2013 دارسة استطلاعية أُجريت لمدة 6 أشهر حول تطور الإصابة بـ"القصور الكلوي الحاد" داخل وحدة الرعاية المركزة في مستشفى قصر العيني.

وشملت عينة البحث 112 مريضًا في وحدة "الرعاية المركزة الجراحية"، وتم تصنيفهم وفق معايير (السن- الجنس- تشخيص الحالة)، واستبعد الباحثون الأشخاص الذين مكثوا في الوحدة لأقل من 48 ساعة أو مَن كانوا مصابين بفشل كلوي من قبل أو الذين خضعوا لعمليات "زرع الكلى".

ووفق الدراسة، فقد أصيب 40 مريضًا (أي 35.7% من إجمالي عينة البحث) بحالات متقدمة من "القصور الكلوي الحاد"، منهم 31 أصيبوا بعد الـ24 ساعة الأولى، و9 بعد 48 ساعة.

وبلغ عدد الوفيات داخل "الرعاية المركزة" خلال فترة الدراسة 60 حالة من إجمالي عدد الحالات الـ120، بنسبة قُدِّرت بـ53.5%؛ وكان مرضى "القصور الكلوي الحاد" أصحاب النصيب الأكبر في عدد الوفيات بنسبة بلغت 67.5%.

وأوضح الباحثون أن نسبة الإصابة العامة بـ"القصور الكلوي الحاد" سجلت أقل من المعدلات العالمية التي لا تقل –في أغلب الأحوال- عن 40%، وفي المقابل، تم تصنيف نسبة تطور الحالات لتدخل إلى مراحل الفشل والوفاة بأنها "عالية".

وبالرغم من وجود وحدة للغسيل الكلوي داخل "الرعاية المركزة" في القصر العيني، فقد بلغت نسبة الإصابة في الحالات الحرجة الشديدة، وعلى رأسها حالات تعفن الجسم، 77%، وقد حصلوا جميعًا على نسب عالية من الإمدادات بالدم والمضادات الحيوية شديدة التأثير.

واهتم الباحثون، في دراستهم التي احتوت على دلالات مهمة في ظل عدم توافر أي بيانات عن المتابعة طويلة الأجل بعد تفريغ وحدة الرعاية المركزة، بتسجيل ملحوظة أخيرة جاء فيها أن هذه الدراسة تعرضت لعدة قيود، أهمها أنها كانت مراقَبة ويمكن أن تكون عرضةً للعديد من أشكال التحيُّز، على حد وصفهم.

أسئلة دون إجابات

لا تعرف "أحلام" الكثير عن هذه الدراسات، لكن الأطباء المعالجين لها داخل وحدة الغسيل الكلوي يرون أنها حالة مُثلى لتطور "القصور الكلوي الحاد".

يقول "أحمد الجزار" -رئيس وحدة الرعاية المركزة في مستشفى المنشاوي- في تصريحات لـ"للعلم": "إن أحلام خرجت من "الرعاية المركزة" مصابة بـ"القصور الكلوي الحاد"، لكن هذا لم يكن نتيجة تقصير في تقديم المساعدة المطلوبة، فقد جاءت بعد إجراء عملية جراحية خطيرة شهدت إصابتها بحالة نزيف حاد وارتفاع شديد في ضغط الدم، مما أثر في أقل من 48 ساعة على نسبة الكيرياتين بالكليتين".

يضيف "الجزار" أن "أحلام تلقت المساعدة الممكنة لها، سواء عن طريق أكياس الدم أو الأدوية المدرة للبول والمضادات الحيوية، لكن هذا لم يساعد الكليتين بشكلٍ كافٍ على استعادة دورهما الطبيعي بتصفية السموم التي ارتفعت نسبتها رغم خضوعها منذ الأسبوع الأول لجلسات الغسيل الكلوي بالوحدة المختصة خارج "الرعاية المركزة"، لقد كانت على وشك الوفاة وعادت من الغيبوبة بسبب إرادة الله ومحاولتنا مساعدتها".

شهادة مستقلة

استطعنا الحصول على صورة من أوراق المتابعة اليومية الخاصة بـ"أحلام" من وحدة الرعاية المركزة بالمستشفى، وعرضناها جميعًا على "مي مصطفى" -المتخصصة في طب الحالات الحرجة والباحثة بقسم "شريف مختار" للرعايات الحرجة بمستشفى القصر العيني- لمعرفة مدى العلاقة بين إصابة "أحلام" بـ"القصور الكلوي الحاد" وإقامتها فتراتٍ طويلة بوحدات الرعاية المركزة.

تقول "مصطفى" لـ"للعلم": "إن أحلام تعرضت بالفعل لتجربة قاسية بسبب النزيف الحاد، والذي يتضح أنه استمر مدةً طويلة قد تصل إلى ساعتين وفقًا للتقرير الطبي الذي تم تسجيله لدى دخولها وحدة الرعاية المركزة، وتدهورت حالتها بصورة تؤدي إلى الإصابة بالقصور الكلوي الحاد".

ووفق الأوراق والتقرير الطبي الذي حصلنا عليه، فقد كانت نسبة الكيرياتين (نسبة تراكم السموم في الكلى كمؤشر لعدم قدرتها على التنقية الكاملة للدم) في اليوم الأول لدخولها إلى الوحدة 2.3 بينما المعدل الطبيعي هو 1.4، وحصلت على موافقة رئيس الوحدة لتزويدها بأكياس بلازما، وبعد عدة ساعات تمت كتابة تقرير يفيد (بعدم توافره)، كما تم تسجيل ظهور سائل شفاف في "الدرنقة" التي تُستخدم لتجميع وإخراج السوائل التي تفرزها الأنسجة من موضع الجراحة، بينما لم يزد معدل إدرار البول في "القسطرة" عن "100 مم"، وهو معدل ضئيل للغالية.

وفي اليوم الثاني، تم توفير البلازما المطلوبة وتم إمدادها بعدد 4 أكياس منها، لكن هذا لم يساعد على وقف التدهور الذي كان قد بدأ قبل نحو 48 ساعة، فبلغت نسبة الكيرياتين "4.4"، وواصلت الارتفاع لتصل في اليوم الثالث إلى "6.2"، وبلغت "7.2 في اليوم الرابع، وهو اليوم الذي بدأت فيه تلقِّي جلسات الغسيل الكلوي، بينما توقف دور البول نهائيًّا بعد 6 أيام على دخولها وحدة الرعاية المركزة، وزادت السوائل في الجسم، مما أدى إلى الانتفاخ.

تضيف "مصطفى" أن "القائمين على متابعة حالة أحلام داخل وحدة الرعاية المركزة أجروا لها تحليل غازات الدم، وهي خطوة صحيحة أوضحت أن الغازات لم تكن مرتفعةً في اليوم الثاني، وهو ما يعني أن الكلى كانت لا تزال تعمل رغم زيادة الكيرياتين، وأنه كان يمكن استعادتها، وهو الأمر الذي لم يحدث رغم ضخ الدم وبدء الخضوع لجلسات الغسيل الكلوي".

وأرجعت "مصطفى" ذلك إلى أمرين: الأول اعتماد المستشفيات المصرية جميعها على بروتوكول علاج يقضي باستخدام المضادات الحيوية وتزويد المريض ببلازما الدم المطلوبة بهدف مساعدة الكلى على استعادة عملها دون التدخل الفوري بجلسات الغسيل؛ لمساعدة الكلى على استعادة نشاطها بدلًا من دخولها سريعًا إلى مرحلة الكسل الوظيفي، والثاني تَمثَّل في سوء استخدام المضادات الحيوية، وهو الأمر الذي يرتبط بطبيعة الحال بالإمكانيات المتاحة داخل مستشفى حكومي صغير، فقد تم تغيير أكثر من نوع من المضادات الحيوية، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى قلة الفاعلية إن لم يكن التضارب، والسبب في ذلك هو الاضطرار إلى استخدام الأدوية المتاحة"، على حد وصفها.

وبشكل عام لم تجد الباحثة في الأوراق، ما يشير بشكل واضح إلى تقصير حاد تعرضت له حالة "أحلام" داخل "الرعاية المركزة"، لكنها في الوقت ذاته، حذرت مما تشهده حالات الطوارئ في مصر في حالات الحوادث أو سوء المتابعة الطبية بالوحدات الداخلية بالمستشفيات، مما يزيد من عدد المصابين بحالات الصدمات التسممية أو تعفن الدم، ويؤثر سريعًا على الكلى ويؤدي إلى خسارتها دون مسوِّغ طبي، وفق قولها.

مناعة عبر الزمن

تتفق ملحوظات "مصطفى" مع توصيات مؤسسة "مايو كلينيك" بضرورة الإسراع باللجوء لجلسات الغسيل الكلوي في حالة تعفن الدم والصدمات التسممية الحادة فور الدخول الى وحدة الرعاية المركزة، وهو ما وصفته المؤسسة بالحل العملي لمحاولة "استعادة المريض من الموت"، بينما أكدت جميع الأوراق البحثية خطورةَ استخدام أنواع المضادات الحيوية غير المناسبة، مما يؤدي إلى تدهور الحالة بدلاً من استعادتها.

تعلق "مصطفى" قائلة: إن الممارسة قد تجعلنا نميل –مستقبلًا- إلى سرعة الاعتماد على أجهزة الغسيل في ضوء ما يحدث من تدهور، وهو ما يستدعي بالضرورة توفير جهاز غسيل واحد على الأقل داخل كل وحدة رعاية، وهو ما لا يحدث دائمًا، ولا يُستثنى من ذلك حتى المستشفيات الخاصة.

وتضيف: "أما سوء استخدام المضادات الحيوية في مصر، فهو قضية عامة شديدة الخطورة، وهناك بالطبع أنواع مستخدمة غير فعالة ويتضارب بعضها مع بعض، لكن الأسوأ من ذلك ما يحدث خارج المستشفيات، لأن أغلب المصريين يسارعون لشراء المضادات الحيوية عند الإصابة بحالات البرد والحمى دون الرجوع لطبيب، مما يُكسب الجسم عبر الزمن مناعةً ضد هذه المضادات ويجعلها غير فاعلة في الحالات الحرجة مهما بلغت قوتها".

الغرف الرسمية

حاولنا الحصول على إحصاء رسمي حول نسبة الإصابة بـ"القصور الكلوي الحاد" بالمستشفيات التابعة لوزارة الصحة من خلال قاعدة البيانات الرسمية المعلنة عبر الموقع الرسمي لوزارة الصحة، لكننا لم نعثر على شيء، وبالتالي، لا تتوافر إحصائيات عبر وحدات الغسيل الكلوي عن عدد المتحولين من "القصور الكلوي الحاد" إلى "الفشل الكلوي المزمن".

توجهنا إلى "شريف أنيس" -رئيس وحدة الكلى الصناعي التابعة لإدارة الطب العلاجي بوزارة الصحة- لمعرفة الإحصائيات المتوافرة حول عدد المصابين بالفشل الكلوي في مصر.

يقول "أنيس" لـ"للعلم": "إنه لا توجد إحصائيات لعدد المصابين بمرض "القصور الكلوي الحاد" إثر مرورهم إلى وحدات الرعاية المركزة بالمستشفيات الحكومية المصرية، لكن عدد مَن يخضعون لجلسات الغسيل الكلوي داخل الوحدات الرسمية التابعة للدولة لا يزيد بشكل عام عن 36 ألفًا، ولا توجد إحصائيات رسمية عن عدد الذين يتلقون العلاج خارجها".

وعن مدى توافر الأجهزة اللازمة لإسعاف مَن يعانون من "القصور الكلوي الحاد" داخل "الرعاية المركزة"، قال: "إن عدد وحدات الغسيل الكلوي بالمستشفيات الحكومية في مصر يبلغ 7 آلاف وحدة، ويستفيد ثلاثة مرضى يوميًّا من عمل كلٍّ منها، أي أن الأجهزة المتوافرة يمكنها تغطية احتياجات 42 ألف مريض، ما يعني أنه لا يوجد عجز، بل على العكس فنحن ملتزمون بالبروتوكول الدولي الذي يشمل توفير جهاز للطوارئ، وهو ما يستفيد منه غالبًا مرضى وحدات الرعاية المركزة داخل المستشفيات، كما أن هناك خطة لتوفير أجهزة مستقلة داخل تلك الوحدات بالمستشفيات الحكومية، وقد تم توفيرها بالفعل في بعض المستشفيات الكبرى بالعاصمة مثل المنيرة وشبرا والقاهرة الجديدة".

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن "معدلات الإصابة بالقصور الكلوي الحاد والفشل الكلوي المزمن في مصر تُقدر بـ225 حالة بين كل مليون نسمة"، وهو الرقم الذي اعتمدت فيه المنظمة على دراسة[1] أُجريت عام 2007.

من جهته، يؤكد هاني حافظ -أستاذ أمراض الكلى بالقصر العيني، ورئيس الجمعية العلمية لأمراض وزراعة الكلى- في تصريحات لـ"للعلم" أنهم يبذلون جهدًا في مؤتمراتهم التي تُعقد شهريًّا لإجراء أكثر من حصر يتعلق بأمراض الكلى في مصر.

ووفق تقديرات "حافظ"، فإن "هناك نحو 5000 حالة إصابة بالقصور الكلوي الحاد في مصر سنويًّا".

مؤشرات خطيرة

ووفق مؤشر منظمة الصحة العالمية لعام 2017، فإن عدد الوفيات الناجمة عن أمراض الكلى –بشكل عام- في مصر يبلغ 20 ألفًا و433 حالة سنويًّا، أي ما يعادل 32.88 حالة بين كل 100 ألف مصري، لتحتل مصر بذلك المرتبة الـ20 بالنسبة لعدد الوفيات الناتجة عن أمراض الكلى (بصورة عامة) على مستوى العالم.

من جهته، يركز سعيد حسين -رئيس قسم أمراض الكلى بجامعة المنوفية- على سبل التعافي، قائلًا: "إن وحدات الرعاية المركزة هي المدخل الرئيسي للإصابة بالقصور الكلوي الحاد".

ويضيف "حسين"، في تصريحات لـ"للعلم" أن "الكلى بشكل عام أشبه بالنبات الذي يحتاج لـ"الإرواء"، وإذا فقدت ذلك، وبشكل خاص في حالات النزيف، فإنها تتعرض للإصابة السريعة، ورغم هذا لا يوجد بروتوكول يجعل النتائج مؤكدة، ولكن هناك دلالات تساعد على اتخاذ قرارات العلاج، وفي حالات كثيرة يسألنا أهل المريض عن سبب لجوئنا إلى الغسيل الكلوي، وعما إذا كان تلقِّي الشخص لمثل تلك الجلسات يعني تحوُّله إلى مريض بالفشل الكلوي، ونجيبهم بأن جلسات الغسيل ليس دورها إعادة الكلى إلى سابق عملها، بل سحب السموم والسوائل من الجسد فقط، ولكن إذا مرت 3 شهور ولم تَسْتَعِد الكليتان وظيفتهما فهذا يعني إصابة الشخص بفشل كلوي مزمن، وغالبًا ما يصاحبه ضمور الكليتين".

أما عن قرار اللجوء للغسيل من عدمه وتوقيته، فقال: "إن عملية الغسيل في حد ذاتها لها آثارها السلبية على الجسم، وبالفعل هناك مدرستان في هذا الأمر، فقد يتخذ طبيب قرارًا بالاستمرار في العلاج التحفظي وآخر بسرعة استخدام الغسيل، وكلاهما له مسوِّغاته الصحيحة، والعالم لا يزال منقسمًا حول ذلك الأمر".

 

[1] Hala Ibrahim Awadalla, Institute of Environmental Studies and Research, Ain Shams University.
Ahmed Mostafa El-Ateek, Institute of Environmental Studies and Research, Ain Shams University. Mohamed Mostafa Elhammady, Faculty of Medicine, Zagazig University, Zagazig, Egypt.
Magda Ali Kamel, Fayoum Directorate of Health and Population, Fayoum, Egypt.
EMHJ, 2008, 14(3):662-674