سنوات طويلة، ساد فيها اعتقاد خطأ بأن الطحالب نباتات مزعجة تنمو بشكل عشوائي، وأن ازدهارها يشكل خطرًا يستوجب من المعنيين مكافحتها، وبالتالي لم تحظ باهتمام الباحثين، لكن فريقاً بحثيًّا بجامعة نيويورك أبوظبي في الإمارات نجح مؤخرًا في التعامل معها بوصفها مصدرًا واعدًا للوقود الحيوي، بل استُعمِلت بديلًا محتملًا لزيت النخيل الذي يبلغ إنتاجه العالمي 50 مليون طن سنويًّا ويدخل 85% من الإنتاج في العديد من تطبيقات الصناعات الغذائية.

ووفقًا للدراسة التي نشرتها مجلة إي لايف ساينس في يوليو الماضي، فإن هذه الطحالب تنتمي إلى فئة الكلوريديوم Chloroidium، وتمتلك صفات جينية فريدة تمنحها قدرةً على البقاء في المناخ الصحراوي، ما يمهد الطريق أمام استزراعها في الأراضي الصحراوية غير المستغَلَّة والاستفادة منها بأشكال مختلفة.

وأفادت الدراسة أن هذه الطحالب أظهرت خصائص متنوعة تمكنّها من التكيّف مع المناخ المحيط بها؛ إذ يمكنها النمو في المياه العذبة وكذلك المياه ذات درجة الملوحة العالية التي تقدَّر بضِعف ملوحة مياه البحر، بالإضافة إلى كونها قادرةً على النمو عن طريق التغذية الذاتية مثل النباتات، وعن طريق التكافل والتغذية العضوية مثل الفطريات أو الخلايا الحيوانية، وليس الأهم قدرتها على الاستفادة من ضوء الشمس لإتمام عملية التمثيل الضوئي فحسب، بل استهلاك أكثر من 40 نوعًا من الكربون –أحد أهم ملوِّثات الهواء- لإنتاج الطاقة.

وتأتي هذه الورقة البحثية الأخيرة استكمالًا لورقة سابقة، نُشرت بغرض وضع التوصيف الكامل للجينوم وكذلك السمات الظاهرية للطحالب الخضراء التي جرى عزلها من مناطق مختلفة في دولة الإمارات العربية المتحدة.

يقول كوروش صالحي أشتياني -أستاذ علم الأحياء المشارك بجامعة نيويورك أبوظبي، وأحد المشاركين في الدراسة- لـ"للعلم": إنه "جرى عزل الطحالب الخضراء من مناطق متنوعة من البلاد، ودراسة خصائصها الجينية تمهيدًا لاستخدامها في تطبيقات مختلفة، منها إنتاج السكر، وأخرى بديلةً لزيت النخيل، ووقودًا حيويًّا يمكن استخدامه كمصدر بديل ومتجدد للطاقة"، موضحًا أن الطحالب تؤدي دورًا مهمًّا في النظام البيئي العالمي والمحلي، وللأسف ما زلنا لا نعرف إلا القليل عن الطحالب الخضراء، وتركيبتها الجينية، خاصةً ما ينتشر منها في الشرق الأوسط، بالرغم من شيوع استخدامها كمصدر للديزل الحيوي في الآونة الأخيرة.

بديل لزيت النخيل

يضيف أشتياني أن "من بين الاستخدامات الواعدة التي ألمحت إليها الدراسة وجود تقارب في العناصر المكونة للطحالب وزيت النخيل، الذي يتميز بالتركيز المرتفع لما يُعرف بحمض النخيل". ويُعَدُّ حمض النخيل أحد الأحماض الدهنية المشبعة التي تمنح أشجار النخيل الخواص المميزة لها، وتمكِّنها من مقاومة ظروف يصعب على أحماض دهنية أخرى تحمُّلها.

ويُعَدُّ التقليل من الآثار المحتملة للتغيُّرات المناخية أحد الإيجابيات التي ركزت عليها الدراسة، فنظرًا للجدوى الاقتصادية المرتفعة لزيوت النخيل، يجري قطع الغابات المطيرة وإحراقها في عدد كبير من دول العالم لإحلال أشجار النخيل محلها، ما أدى إلى فقدان عددٍ من الكائنات المهددة بالانقراض لموائلها، كقرود الأورانجوتان وبعض أنواع القطط الكبيرة، كما انخفضت مساحة الغابات المطيرة البكر، ومعظمها تم تجريفه بشكل غير قانوني في جزيرتي بورنيو وسومطرة بآسيا؛ بسبب الطلب المتزايد على هذه المنتجات، ولهذه الأسباب بدأت أسواق كثيرة تقديم منتجات خالية من زيوت النخيل والاعتماد على البدائل المتاحة له، وإذ إن هذا النوع من الطحالب يمكنه أن ينتج نظريًّا أكثر من عشرة أضعاف كمية الزيت المنتَجة من النباتات الأرضية، فإن استخدامه لإنتاج بديل لزيت النخيل منطقيٌّ وواعد، وفق أشتياني.

مردود إيجابي

من جهته، يؤكد خالد غانم -أستاذ الزراعة العضوية في جامعة الأزهر- أهمية تطبيق أبحاث في هذا المجال؛ لما لها من مردود إيجابي على ظاهرة تغيُّر المناخ، مشيرًا -في تصريحات لـ"للعلم"- إلى أنها "تقلل من إزالة الغابات التي تُعَد بالوعات تخزين الكربون بالعالم، كما تساعد في استهلاك غاز ثاني أكسيد الكربون من الجو".

ويرى غانم أن "استخدام الطحالب في إنتاج بديل زيت النخيل يحد من استخدام المياه والمبيدات الحشرية والأسمدة، إلى جانب إمكانية الاستفادة منها كمصدر للوقود الحيوي"، مشيرًا إلى أن "العائق الأكبر أمام إنتاج وقود حيوي هو محدودية الجدوى الاقتصادية؛ إذ إن تكلفة تصنيع وقود حيوي تكون دائمًا أعلى من سعر الوقود الأحفوري". ويستطرد غانم بقوله إن الاتحاد الأوروبي يسعى لزيادة إنتاج الوقود الحيوي من مصادر نباتية -من بينها زيت النخيل- إلى 10% بحلول 2020، وبطبيعة الحال سيكون استغلال الطحالب بديلًا جيدًا.

نوعية محلية مميزة

تقول هندة محمودي -الباحثة بالمركز الدولي للزراعة الملحية في الإمارات- لـ"للعلم": "على غرار النباتات التي تعيش في الصحراء، فإن هذه النوعية من الطحالب تطور صفات محددة تسمح لها بالعيش في المناطق الحارة والجافة"، مضيفةً أنه بالرغم من أهميتها، فإن الأبحاث التي اهتمت بدراستها تبقى قليلة، ولم تقدم إجابةً عن سؤال حول كيفية بقائها حية في الظروف الصحراوية القاسية. وتعيش الطحالب الخضراء في بيئات مائية مختلفة بالإضافة إلى أنها تعيش على سطح الأرض، بما في ذلك الصحراء.

وترى هندة أن البحث يسلط الضوء على نوعية محلية مميزة من الطحالب الخضراء المنتشرة في الإمارات، تتمتع بقدرة متميزة على النمو في الظروف الصحراوية الصعبة وعند درجات ملوحة عالية تصل حتى 60 جرام/لتر، أي ما يعادل تقريبًا ضِعف ملوحة ماء البحر، وتتميز هذه الطحالب بوجود أنواع فريدة من البروتين التي لها دور في تحمّل الضغط الأسموزي ودعم التمثيل الغذائي، كما يبين البحث أن هذه الطحالب تجمع جزيئات زيتية ذات تركيبة مماثلة لزيت النخيل، ما قد يساعدها على البقاء في المناطق الصحراوية.

ماذا بعد؟

ترى هندة أن "علينا حماية البيئة مما يلحق بها من دمار للمصارف الكربونية الرئيسية، ألا وهي الغابات، والحد من مسبِّبات التلوث البيئي الناجمة عن حرق الوقود الأحفوري من نفط وغيره، وإجراء مزيد من الأبحاث في مجال إنتاج الوقود الحيوي، والتأكد من مدى فاعلية هذه الطحالب، وإلى أي مدى يمكن أن تساعد في تطوير الموارد للإنتاج المستدام لبدائل زيت النخيل؟ وإمكانية استخدامها في مجالات أخرى تساعد في الحفاظ على البيئة".

بدوره يؤكد أشتياني أن "الفريق البحثي الإماراتي يواصل مشروعاته البحثية المتعلقة بالطحالب الخضراء في اثنين من المراكز الرئيسية البحثية في الولايات المتحدة، والمعلومات التي سنحصل عليها من هذه التحليلات سوف تُحدِث توسعًا كبيرًا في دراسة جينوم الطحالب"، على حد قوله.