كيف يعمل جهاز المناعة لدينا؟ تُعد الإجابة عن هذا السؤال بمنزلة مفتاح اللغز لمعرفة كيفية التصدي للأمراض والتعامل مع مسبباتها، وهو ما دفع العلماء إلى إعداد أطلس للخلايا المناعية في الجسم البشري، وبالفعل تم تحديد مجموعات الخلايا المناعية غير المكتشَفة سابقًا عبر أنسجة متعددة في مراحل النمو والبلوغ؛ لتقديم رؤى جديدة حول أداء جهاز المناعة في جسم الإنسان، وفق ورقتين بحثيتين صادرتين عن معهد "ولكام سانجر" وجامعة "كامبريدج" في بريطانيا.

ركزت الدراسة الأولى على النمو المبكر لجهاز المناعة وموضع الخلايا المناعية في الأنسجة المختلفة بالجسم، أما الدراسة الثانية فقد فحصت الخلايا المناعية في أنسجة متعددة تم الحصول عليها من أشخاص بالغين، مما أتاح تحديد منظومة للتنبؤ بهوية نوع الخلية وتكوين رؤى فيما يتعلق بالذاكرة المناعية.

وقد استعرضت الدراستان، اللتان نشرتهما دورية "ساينس" (Science)، أوجه التشابه والاختلاف في الخلايا المناعية في الأنسجة المختلفة، والتي لم تُدرس من قبل مقارنةً بتلك الموجودة في الدم، ويُسهم التعرف على خصائص الخلية المناعية ورد فعلها في الأنسجة، في تطوير البحث العلمي لعلاجات تستهدف إثارة الاستجابة المناعية أو زيادتها لمحاربة المرض، مثل اللقاحات أو العلاجات المضادة للسرطان.

من جهتها، توضح "سيسيليا دوينجز كوند" -المتخصصة في علم المناعة بمعهد "ولكام سانجر"، والمشاركة في الدراسة الأولى- أن "فحص الخلايا المناعية السليمة في عدة أنسجة لدى البالغين يوفر معلومات لمبادرة أطلس الخلية البشرية الأكثر شمولًا، التي تستهدف معرفة تسلسل كل خلية في جسم الإنسان منذ بداية النمو وحتى يصبح الشخص بالغًا".

تضيف "كوند" في تصريحات لـ"للعلم": يمكننا الحصول على خريطة مرجعية لكل خلية سليمة في جسم الإنسان، وكيف تختلف وتتعامل مع الخلايا المجاورة، وكيف تؤدي وظيفتها في كل نسيج بالجسم، وهذه المعلومات ستمكِّن العلماء من تحديد أنواع الخلايا وفهمها على نحو تفصيلي ودقيق غير مسبوق.

في الدراسة الأولى، أعد الباحثون بمعهد "ولكام سانجر" بالتعاون مع آخرين أطلس يتعلق بنمو الجهاز المناعي البشري في تسعة أعضاء، واستعان الباحثون بـ"منظومة التفاعلات الوراثية المكانية" وتسلسل الحمض النووي الريبوزي لتحديد مكان خلايا معينة داخل الأنسجة النامية، وتمكَّن الباحثون من تحديد نوع جديد من "الخلايا البائية" و"الخلايا التائية" المميزة التي تظهر في المراحل المبكرة من حياة الإنسان، واستخدم الباحثون بيانات الدراسة الأخرى الخاصة بأطلس الخلية البشرية لإثبات أن هذه الخلايا المناعية ذاتها لا توجد لدى البالغين.

تقول "مزليفة حنيفة"، أستاذ الجلدية والمناعة بجامعة "نيوكاسل"، والمؤلف الرئيسي بالدراسة الأولى: هذا الأطلس الشامل لتطور المناعة البشرية يكشف الأنسجة المسؤولة عن تكوين الدم والخلايا المناعية، ويحسِّن فهمنا لاضطرابات الدم والمناعة، وبالتعاون مع دراسات أخرى، يمكننا رسم خريطة لنمو جهاز المناعة، واكتشاف أنواع الخلايا التي فُقدت بمرور السنين، كما يساعد في مجال أبحاث هندسة الخلايا والطب التعويضي.

في الدراسة الثانية، قام الباحثون بتحليل الخلايا المناعية في 16 من أنسجة الجسم تبرع بها 12 شخصًا بالغًا، صمم الفريق البحثي قاعدة بيانات لتصنيف أنواع الخلايا المختلفة بشكل فوري بغية التعامل مع تنوع الخلايا المناعية وكبر حجمها، وكانت النتيجة التعرف على نحو 100 نوع من الخلايا ووجود تشابُه بين بعض عائلات الخلايا المناعية مثل البلاعم (الخلايا المناعية الكبيرة التي تلتهم مسببات المرض وتلتهم الكائنات الدقيقة وتتخلص من الخلايا الميتة)، كما لاحظ الباحثون وجود اختلافات في عائلات أخرى، مثل بعض خلايا الذاكرة التائية التي أظهرت ميزات فريدة وفق مكان وجودها في الأنسجة.

وتؤكد "جوان جونز" -استشاري المخ والأعصاب والمناعة بجامعة كمبريدج، والمؤلف الرئيسي المشارك في الدراسة الثانية- أن فهم السلوكيات المختلفة للنوع نفسه من الخلايا المناعية في الأجزاء المختلفة في الجسم يساعد على معرفة كيفية تأثير العلاجات الموجهة إلى خلايا بعينها على الأنسجة الأخرى، ووجود أطلس متكامل للخلية سيحدد نوع الخلايا المناعية التي يمكن تنشيطها عند تطوير علاجات جديدة تركز على توجيه الجهاز المناعي أو دعمه، مثل اللقاح والعلاج المناعي، سواء للأمراض المعدية أو للأورام الصلبة.

بدورها، تقول "سارة تيكمن"، رئيس قسم الوراثة الخلوية بمعهد "ولكام سانجر"، والمؤسس المشارك في إعداد أطلس الخلية البشرية: "إن أطالس الخلايا المناعية متعددة الأنسجة خطوة مهمة لفهم كيفية أداء الجهاز المناعي لوظيفته داخل الجسم في مراحل الحياة المختلفة، ومثالًا على ذلك، نجد أنه يتم تنشيط الخلايا التائية والخلايا البائية عندما تتعرف على العلامات الموجودة على مسببات الأمراض أو التي تنطلق منها، والمعروفة باسم المستضدات، وتحدد الخلايا التائية مسببات الأمراض وتهاجمها بالمستضدات الموجودة على سطح خلاياها، والمعروفة باسم المناعة الخلوية، بينما تنتج الخلايا البائية أجسامًا مضادة لاستهداف المستضدات التي توجد بحرية في الدم".

وتقول "كوند" في تصريحات لـ"للعلم": الأطلس الذي تم إعداده كشف عن أنواع مختلفة من الخلايا مرتبطة بالذاكرة المناعية، مثل وجود أشكال مختلفة من خلايا الذاكرة التائية بشكل مفضل في الأنسجة الطلائية أو اللمفاوية، وستسهم هذه النتائج بشكل كبير في تطوير الأجيال القادمة من اللقاحات والعلاجات القائمة على الخلية، ومنها عملية نقل الدم وزرع الخلايا الجذعية المكونة للدم.

تضيف "كوند": باستكمال أطلس الخلية المزود بالخرائط المرجعية الجينومية لكل خلية في جسم الإنسان السليم، سنلقي الضوء على ما يحدث عند وجود خللٍ ما يسبب المرض، وباكتشاف المزيد عن الخلايا التي تمثل جزءًا أساسيًّا من أمراض المناعة الذاتية، وكيف تختلف الخلايا السليمة عن المصابة، وكيف تتعامل عبر الأنسجة، يمكننا بلورة رؤية واضحة عن كيفية علاج أمراض المناعة الذاتية أو منع حدوثها.

*هاتان الدراستان من بين أربع دراسات تعاونية نشرتها دورية "ساينس"، وشكلت معًا أطلسَ شاملًا ومتاحًا كجزء من اتحاد أطلس الخلايا البشرية (HCA)، وهو مجموعة بحثية دولية تعمل على تحديد موقع كل نوع من الخلايا في جسم الإنسان ووظيفته وخصائصه، ويتم دعمه من قِبل مجموعة واسعة من الممولين العالميين، ويضم في عضويته أكثر من 2300 عضو من 83 دولة.