"الوقت هو عضلة القلب" أو (Time Is Muscle) كما تُقال وتُكتب باللغة الإنجليزية.. عبارة شائعة يرددها أطباء القلب، وتعني أنه كُلما تأخر حصول مرضى النوبات القلبية على العلاج، زاد الضرر الذي يُمكن أن يحدث لعضلة القلب، وبالتالي انخفضت احتمالات شفائهم، فربما تعادل الدقيقة الواحدة -في هذا الظرف الصحي الطارئ- حياة إنسان.

وتمثل القسطرة القلبية أبرز وأنجع الوسائل العلاجية لإنقاذ حياة المصابين بالنوبة القلبية أو ما يسمى احتشاء عضلة القلب، الذي قد يكون مُميتًا إذا لم يحدث التدخل اللازم للمريض في أسرع وقت ممكن بعد ظهور الأعراض.

وتحدث النوبة القلبية عندما يكون تدفُّق الدم إلى القلب مسدودًا؛ نتيجة تراكم الدهون والكوليسترول، ما يؤدي إلى تشكيل لويحة داخل الشرايين التاجية التي تُغذي القلب، وقد تتمزق تلك اللويحة مشكلةً جلطةً تمنع تدفق الدم، ما يُلحق ضررًا بالغًا بجزء من عضلة القلب أو يتسبب في إتلافها بالكامل.

وفي أحدث تأكيد للتوجيهات الطبية اللازمة فيما يتعلق بالنوبات القلبية، كشفت دراسة عالمية أُجريت في دول أعضاء بمجلس الجمعية الأوروبية للقلب، وشارك فيها أطباء مصريون، أن استخدام التدخل التاجي عن طريق الجلد (PCI) أو القسطرة لفتح الشرايين القلبية باستخدام الدعامات، يُعد أكثر وسائل العلاج استخدامًا وفاعليةً لعلاج احتشاء عضلة القلب.

وأوضح الباحثون أن الدراسة المنشورة في العدد الأخير من "المجلة الأوروبية للقلب" (European Heart Journal) من الأبحاث المهمة التي أنجزتها جمعية القلب الأوروبية بالتعاون مع جمعيات القلب المختلفة حول العالم، لتحديد معدلات استخدام العلاج القياسي لاحتشاء عضلة القلب، الذي يتضمن نوعين: أولهما فتح شريان القلب المسدود عبر القسطرة الأوليَّة، وثانيهما إعطاء المرضى أدوية مذيبة للجلطات لفتح الشريان، ومدى توافر هذين العلاجين في البلدان داخل قارة أوروبا وخارجها، بالإضافة إلى رصد المرضى الذين لم يتوافر لهم هذان العلاجان.

والتدخل التاجي عن طريق الجلد، أو القسطرة الأوليَّة التي تُعرف أيضًا برأب الأوعية التاجية، هي عملية غير جراحية تُجرى لعلاج تضيُّق قُطر الشرايين التاجية للقلب، إذ يُدخِل الأطباء أنبوبًا طويلًا ومرنًا ودقيقًا يُدعى أنبوب القسطرة عبر أحد شرايين الفخذ أو رسغ اليد، ثُم يُمَرر إلى الشريان المتضرر في القلب، مستخدمين تقنيات التصوير بالأشعة السينية.

ويحقِن الأطباء بعدها القليل من الصبغة عبر أنبوب القسطرة في الشريان، إذ تُساعدهم على رؤية الانسدادات أو التضيُّقات التي تظهر على الأشعة السينية، وبعدها يتم إدخال أنبوب قسطرة مُزوَّد ببالون في طرفه عبر أنبوب القسطرة الأول ويُوجه نحو القلب، وعند وصول أنبوب القسطرة إلى منطقة الانسداد أو التضيُّق في الشريان المار بالقلب ينفخ الأطباء البالون كي يُعيد فتح الشريان ويُحسِّن تدفق الدم خلاله، ويُخوى البالون من الهواء بعدها ويُزال.

ويُدخل الأطباء بعد ذلك في أغلب الحالات أنبوب قسطرة آخر يتصل بأنبوب شبكي يُعرف بالدعامة، ويتم تركيب الدعامة بعد ذلك في منطقة التضيُّق في الشريان للحد من رجوع التضيُّق بعد توسيع الشريان، ثم يُزيل الأطباء بعد ذلك أنبوب القسطرة.

مبادرة دعامة الحياة

يقول البروفيسور أوي زيمر، كبير أطباء القلب في معهد أبحاث النوبات القلبية بمستشفى مدينة لودفيجشافن في ألمانيا، وقائد فريق البحث: "لا تزال هناك اختلافات في نسب تقديم علاج احتشاء عضلة القلب بين البلدان وفق مستويات تقديم الرعاية ووصول المرضى إلى المؤشرات المنقذة للحياة، وتحتاج بعض المناطق إلى زيادة معدلات استخدام التدخل التاجي عن طريق الجلد بشكل خاص، لذلك يجب زيادة مراكز إجراء القسطرة القلبية التي تعمل على مدار 24 ساعة، طوال أيام الأسبوع؛ لتوفير التدخل اللازم لإنقاذ حياة المرضى.

ويضيف لـ"للعلم" أن مبادرة دعامة الحياة (Stent for life) التي ترعاها الجمعية الأوروبية لطب القلب تهدف إلى تحسين تقديم التدخل التاجي عن طريق الجلد وتنفيذ إرشادات العلاج على المستوى المحلي في البلدان ووصول المرضى إلى المؤشرات المنقذة للحياة، وبالتالي تقليل الوفيات بين مرضى احتشاء عضلة القلب في جميع أوروبا وخارجها.

"زيمر" أوضح أن النتائج أظهرت أن هناك فجوة بين المبادئ التوجيهية وتنفيذها على أرض الواقع، مشيرًا إلى أن النقطة الرئيسية التي تركز عليها الدراسة هي تقليل الوفيات بين المرضى الذين يعانون من الصدمة القلبية، وهي حالة تهدد الحياة؛ إذ يفقد القلب بشكل مفاجئ قدرتَه على ضخ كمية كافية من الدم لتلبية احتياجات الجسم، وغالبًا ما يكون السبب نوبةً قلبية حادة، إذ يحتاج هؤلاء المرضى، بشكل أساسي، إلى التدخل التاجي عن طريق الجلد، وفق رأيه.

قراءة في النتائج

من جانبه، قال أحمد بنداري، مدرس أمراض القلب بكلية الطب بجامعة بنها في مصر، وأحد المشاركين في الدراسة: إن باحثين من 31 مركزًا للقلب على مستوى مصر، شاركوا في هذه الدراسة التى شملت 196 موقعًا على مستوى 29 دولةً حول العالم، وأُجريت على 11462 مريضًا باحتشاء عضلة القلب الحاد، الذي يستدعي الدخول إلى المستشفى، مضيفًا أنه من اللافت للنظر أن مصر هي الدولة الأفريقية الوحيدة التي شاركت في الدراسة.

وأوضح لـ"للعلم"، أن مصر ممثلةً فى جمعية القلب المصرية، تعتبر من الأعضاء الرسميين في جمعية القلب الأوروبية من الدول خارج الحدود الجغرافية لقارة أوروبا، كما أن المشاركة المصرية فى هذا النوع من الأبحاث العالمية مهمة للغاية، إذ تُكسب منظومة البحث العلمي المصري بُعدًا عالميًّا، بالإضافة إلى أنها الطريقة الوحيدة لكشف أوجه القصور التي تحتاج إلى مزيد من الدعم والتطوير من القائمين على النظام الصحي في مصر.

وعن الهدف من الدراسة، أشار إلى أن البحث يسعى إلى استيضاح معدلات استخدام التدخل الأوّلي لفتح الشرايين التاجية باستخدام الدعامات كوسيلة لعلاج احتشاء عضلة القلب، وكذلك معدلات استخدام العلاج البديل بمذيبات الجلطات، والذي يُعدُّ أقل فاعليةً إذا ما قورن بالدعامات.

وتؤكد نتائج الدراسة أن أكثر وسائل العلاج استخدامًا هي التدخل الأولي الطارئ باستخدام الدعامات أو التدخل التاجي عن طريق الجلد، وتخطى نسبة 72% من النسبة الكلية للمرضى، في حين كان استخدام مذيبات الجلطات محدودًا بنسبة 19%، أما نسبة المرضى الذين لم يتلقوا أي نوع من العلاج (لسبب أو لآخر) فكانت 9%.

كما كشفت أن هناك تفاوتًا كبيرًا في معدل استخدام التدخل التاجي عن طريق الجلد لدى الدول المشاركة، حيث تراوحت النسب بين 83 و97 % في البلدان الأوروبية، مقابل 49% في أفريقيا (مصر) و75% في الشرق الأوسط، و46% في دول أخرى غير الشرق الأوسط.

وحول معدل الوفيات مقارنةً بنوعية العلاج، فقد بلغت نسب الوفاة بين مَن خضعوا للقسطرة القلبية 3.1%، مقابل 4.4% لدى مَن خضعوا للعلاج بمذيبات الجلطات، وارتفعت النسبة إلى 14.1% لدى المرضى الذين لم يخضعوا للعلاج من احتشاء عضلة القلب.

وأشار "بنداري" إلى أنه كما هو متوقع، فإن معدل حدوث الوفيات داخل المستشفى كان فى أقل مستوياته لدى المجموعة التي تلقت العلاج باستخدام القسطرة القلبية، وهذا يعكس ضرورة الدفع بالنظام الصحي لاستخدام هذا الطريق.

وتابع أنه فيما يتعلق بمصر، فقد دقت الدراسة ناقوس الخطر فيما يخص معدل أعمار المصريين المصابين باحتشاء عضلة القلب مقارنةً بالمرضى الأوروبيين، والذي كان أقل بمتوسط يناهز الـ8 سنوات (متوسط العمر كان 55 عامًا بين المصريين مقابل 62 عامًا بالدول الأوروبية)، هذا بالإضافة إلى زيادة معدل تفشي مرض السكر وكذلك انتشار عادة التدخين لدى المصريين المصابين باحتشاء عضلة القلب مقارنةً بأقرانهم في الدول الأوروبية.

وأشار "بنداري" إلى أن هذه النسبة تستدعي تحركًا سريعًا من قِبل المنظمات الحكومية وغير الحكومية، لزيادة معدل استخدام التدخل الأولي الطارئ عن طريق الدعامات لعلاج هؤلاء المرضى؛ لأن نسبة 49% فى مصر تعني أن نصف المرضى المصريين باحتشاء عضلة القلب لا يتم علاجهم بهذه الطريقة المثالية، وهذا المعدل أقل كثيرًا من المعدلات لدى الدول الأوروبية.

ونوه بأن وزارة الصحة المصرية بالتعاون مع المؤسسات المختلفة بما فيها جمعية القلب المصرية تُولي هذا الموضوع اهتمامًا بالغًا، مشددًا على أن مشروع "دعامة الحياة" الذي أسسه محمد صبحي، أستاذ القلب بجامعة الإسكندرية، منذ ما يزيد على 10 أعوام، كان له أثرٌ كبيرٌ في زيادة معدل استخدام هذا النوع من التدخل الأولي الطارئ لمرضى احتشاء عضلة القلب، ويشارك حاليًّا في متابعة المشروع، سامح شاهين، أستاذ القلب بجامعة عين شمس، وقائد فريق البحث المصري بالدراسة، بالإضافة إلى خالد شكري، رئيس جمعية القلب المصرية وأستاذ القلب بالأكاديمية الطبية العسكرية.

الاستثمار في الصحة

وتعليقًا على النتائج، يقول الطبيب الأردني المقيم في أمريكا، محمد الحجيري، استشاري أمراض القلب والقسطرة والشرايين وكهرباء القلب، ورئيس قسم كهرباء القلب في مستشفى أوهايو هيلث- مانسفيلد بولاية أوهايو الأمريكية: إن الدراسة تُظهر مدى التزام غالبية الدول الأوروبية بالقسطرة الأوليّة لإعادة التروية في مرضى الجلطات القلبية، مقابل تراجُع هذا الإجراء في بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا، وما يمكن أن يحمله من مخاطر على صحة مرضى القلب.

ويضيف لـ"للعلم" أن هذا التراجع يعود بالأساس إلى انخفاض عدد المراكز التي تتيح هذا التدخل في بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا، بالإضافة إلى قلة وجود أطباء قلب مدربين على إجراء القسطرة القلبية، مقابل توافر ذلك في غالبية البلدان الأوروبية، ففي الأردن على سبيل المثال، لا تتوافر القسطرة الأولية إلا في مستشفيات العاصمة عمّان، وفق قوله، لذلك إذا أصيب مريض بنوبة قلبية بمدينة نائية، فإن أمامه حوالي 5 ساعات على الأقل حتى تُجرى له العملية في عمّان، لذلك يلجأ الأطباء إلى العلاج التقليدي المتاح وهو مزيلات الجلطات.

ولكي تنجح القسطرة القلبية، وفق "الحجيري"، فإنها يجب أن تُجرى في أسرع وقت ممكن بعد ظهور أعراض النوبة القلبية، وتحديدًا في غضون ساعة ونصف إلى ساعتين من الوصول إلى المستشفى؛ لأن أي تأخير -ولو بسيط- في إجراء تلك العملية، فإن المريض يخسر مزيدًا من عضلات القلب، ما يقود إلى حدوث اضطراب كهرباء القلب، الذي قد يكون قاتلًا في كثير من الأحيان.

وتتمثل أبرز الأعراض الشائعة للنوبة القلبية في ضغط أو ضيق أو ألم أو إحساس ضاغط أو مؤلم في الصدر أو الذراعين، قد ينتشر إلى الرقبة أو الفك أو الظهر، وغثيان أو عسر هضم أو حرقة في فم المعدة أو ألم في البطن، بالإضافة إلى ضيق النفس، والإرهاق، والدوار، والتعرُّق.

وأشار "الحجيري" إلى أن توافر المستشفيات المجهزة والأطباء المدربين على إجراء قسطرة القلب، لم يعد رفاهية، بل هو من الضروريات التي يجب أن تستثمر فيها البلاد، إذا أردنا أن نحافظ ليس فقط على صحة المواطنين وسلامتهم، بل على الدخل القومي أيضًا من الناحية الاقتصادية، إذ إن ضعف القلب الناجم عن عدم إجراء القسطرة الأوليّة، ينتج عنه حاجة المرضى إلى جهاز قلب لتقويته، كما يحتاج البعض إلى زراعة قلب، وهذه التدخلات مكلفة للغاية إذا ما قورنت بإجراء القسطرة الأوليّة، ناهيك بعدم قدرة هؤلاء الأشخاص على العمل نتيجة الإصابة، وما ينجم عن ذلك من خسارة في دخل الأسرة وفقدان عناصر وكفاءات مؤثرة تدعم اقتصاد البلد، ما يؤكد أهمية الاستثمار في الصحة.

مؤشرات قياس جودة الخدمة

أما عبد الرحمن أبو شوك، الباحث المصري بمستشفى كليفلاند كلينك وكلية الطب جامعة هارفارد الأمريكية، فيقول: إن الدراسة تعيد تأكيد أهمية فتح الشريان التاجي عن طريق القسطرة القلبية باعتباره خيارًا علاجيًّا أمثل لاحتشاء عضلة القلب.

وأضاف لـ"للعلم"، أن هذا التدخل ليس بجديد، بل يُجرى منذ ثمانينيات القرن الماضي، لكن اللافت للنظر زيادة معدلاته على مدار آخر 20 عامًا حول العالم، ففي عام 2001 كان معدل حالات احتشاء عضلة القلب التي تخضع للقسطرة حوالي 20%، لكن الدراسة الجديدة أثبتت أنه وصل حاليًّا إلى 80% فأكثر في بعض الدول.

وأوضح أن القسطرة القلبية باتت متوافرةً بشكل أكبر في مصر حاليًّا، فجميع المستشفيات الجامعية تقريبًا لديها القدرة على إجرائها للمرضى الذين يأتون في الوقت المناسب، ولديها أطباء على مستوى عالٍ من المهارة والتدريب لإجراء القسطرة وفتح الشرايين التاجية لمرضى احتشاء عضلة القلب، لكن نتمنى زيادة معدلاتها، والوصول بها إلى نِسب تكافئ نِسب البلدان الأوروبية، لإنقاذ حياة عدد أكبر من المرضى.

"أبو شوك" أشار بدوره إلى أنه من أبرز نتائج الدراسة، رصد مدى التزام مراكز القلب بالتوقيت الأمثل لإجراء القسطرة، من بداية الوصول إلى المستشفى حتى دخول غرفة القسطرة، والذي يُفضَّل أن يكون أقل من 120 دقيقة، وحبذا لو كان أقل من 60 دقيقة، وهذا من مؤشرات قياس جودة الخدمة التي تقدمها مراكز القلب، مؤكدًا أن نتائج الدراسة في هذه الجزئية توصلت إلى أن حوالي 20% فقط من المراكز التي أُجريت فيها الدراسة التزمت بوقت أقل من 60 دقيقة، وهذا يشير إلى ضرورة تحسين الخدمات اللوجستية، والكوادر البشرية المدربة على سرعة التعامل مع المرضى، وإجراء القسطرة القلبية في أقل وقت ممكن من الدخول إلى المستشفى.

وعلى اعتبار أن "الوقت هو عضلة القلب"، نوه "أبو شوك" بضرورة إطلاق حملات لتوعية المرضى بأهمية سرعة وصول المرضى إلى المستشفى لإنقاذ حياتهم في حال ظهور أعراض المرض عليهم، ناصحًا: "فكلما وصلت إلى المستشفى بصورة أسرع، ستنقذ قلبك بشكل أكبر".

وحول أهمية مشاركة أطباء مصريين في مثل هذه الدراسات الدولية، شدد "أبو شوك" على أنها توفر مقارنةً مفيدةً تخبرنا أين نقف الآن، وتحفزنا لتحقيق المزيد من التقدم في المجال، عبر الاستفادة من تجارب الدول التي حققت نتائج متميزة في هذه الجزئية وإستراتيجياتها، وإجراء تقييمات دورية للوصول إلى الأهداف المنشودة في أسرع وقت ممكن.

وأضاف أن البيانات الصادرة عن تلك الدراسات يمكن أن تفيد القطاع الصحي في مصر، في تقييم مدى جودة الخدمات المقدمة في مراكز القلب، والوقوف على أوجه القصور، ومحاولة تزويد المناطق المحرومة بالخدمات والمراكز اللازمة لإجراء التدخلات الطبية اللازمة لمرضى القلب.