تعود أول تجربة لاستخدام العلاج الجيني إلى عام 1990، حين حاول البروفيسور الأمريكي وليام فرانش أندرسون، علاج طفلة مصابة بمرض «عوز المناعة المشترك الشديد»، بإدخال المورثة المختصة بتقوية جهاز المناعة في جسم الإنسان. لاقت التجربة نجاحًا جزئيًّا؛ إذ نجح العلاج في تقوية الجهاز المناعي للطفلة بنسبة 40%.

ويعتمد العلاج الجيني على إدخال مورِّثات سليمة إلى الخلايا لتصحيح عمل الجينات غير الفعالة أو المريضة بغية علاج المرض، من خلال استبدال جين طبيعي بالجين المعطوب. ومن الممكن التدخل العلاجي بعد التشخيص المبكر للمرض مباشرة من خلال استخدام الأدوية المثبطة لعمل الجينات المسببة له، أو عن طريق إجراء تعديل أو تبديل جيني قبل وقوع الإصابة.

‏وقد تكون الأمراض الجينية المراد علاجها وراثية، أو غير وراثية ظهرت في الشخص بعد ولادته نتيجة حدوث طفرات. ويقدر عدد الأمراض المعروفة التي تسببها طفرات جينية بقرابة ١٥٠٠ مرض، أبرزها أمراض السرطان والسكري والربو والأزمة القلبية.

مقاومة الخلايا للعقاقير

وفيما يتعلق بمرض السرطان، تُعَد مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج الكيماوي (chemotherapy) إحدى أهم العقبات التي تواجه العلاج بمختلف أنواعه. وتؤدي البروتينات الموجودة على سطح الخلايا السرطانية دورًا مهمًّا في نقل الأدوية إلى الخلايا المصابة والإسهام في وقف انتشار المرض.

وفي هذا الإطار، توصل فريق بحثي مصري من المركز القومي للبحوث إلى اثنين من الجينات المسؤولة عن تعطيل أو "إسكات" البروتين المسؤول عن مقاومة الخلية السرطانية للعلاج الكيماوي، وقد نشر الفريق نتائج الدراسة في عدد مايو الماضي من دورية (Tumor Biology).

وأوضحت شيماء يحيى -أستاذ مساعد بقسم الهرمونات بالشعبة الطبية في المركز القومي للبحوث، والباحث الرئيسي في الدراسة- أن أهم البروتينات المسؤولة عن هذه الظاهرة هي بروتينات (ATP-binding cassette (ABC، وهي بروتينات توجد على سطح الخلية المصابة بالسرطان فتزيد من مقاومة الخلية للعقاقير، كما أن جين الـ(c-myc) وُجد له دور أيضًا في هذه العملية.

وأضافت في حديثها لـ"للعِلم"، أن فريق البحث أجرى تجارب معملية على خلايا بشرية كبدية مصابة بالسرطان، تنتمي لنوع يسمى (HepG2)، لتقصي مدى فاعلية تثبيط جين (c-myc) بالإضافة إلى واحد من أهم جينات ABC وهو جين ABCB1، في تحسين عملية استهداف العقاقير الكيماوية للخلايا السرطانية، وذلك باستخدام تقنية «تداخل الحامض النووي الريبوزي» فى خلايا سرطان الكبد.

وقد أسفرت هذه الدراسة عن أن تثبيط عمل جين ABCB1 كان له أثر فعال في تحسين فاعلية العلاج الكيماوي بعقار "الدوكسوروبيسين" (doxorubicin)، وتقليل مقاومة الخلايا المصابة بالسرطان له، في حين لم يؤثر تثبيط جين c-myc بمفرده على تقليل مقاومة الخلايا للعقار.

ميكانيكا الأمراض

 وعن جدوى هذه الأبحاث، أشارت د. شيماء إلى أن الهدف منها ليس علاج الأمراض فقط، لكن معرفة كيف تحدث أيضًا، موضحة: إن أي مرض جيني ينتج عن خلل ما في جين معين، وإذا توصلنا إليه، سنتمكن بسهولة من إيجاد العلاج المناسب.

وعما إذا كان الفريق سيستخدم تقنية تداخُل الحامض النووي الريبوزي، على أنواع أخرى من السرطان، قالت: إن فريق البحث يعمل حاليًّا على اختبار نفس التقنية في خلايا بشرية مصابة بسرطان الثدي، لاكتشاف فاعلية تثبيط جين (c-myc) وجين (ABCB1)، اللذَين يوجدان أيضًا في خلايا الثدي، ومناطق أخرى من الجسم، في تحسين عملية استهداف العقاقير الكيماوية للخلايا السرطانية.

خطوة نحو النجاح

ويرى الدكتور محمد جميل -أستاذ جراحة الأورام بالمعهد القومي للأورام- أن ما توصل إليه الفريق المصري خطوة على طريق تطبيق العلاج الجيني بشكل كامل.

وفي تصريحات لـ"للعلم"، أوضح جميل أن تقليل مقاومة الخلايا السرطانية للعقاقير الكيماوية، عبر استهداف جينات بعينها، خطوة ستسهم بشكل كبير في فاعلية العلاجات الكيماوية لاستهداف الأورام الخبيثة، إذا جرى تطبيقها على البشر بنجاح.

وأشار إلى أن جزءًا من العلاج الجيني يجري تطبيقه بالفعل لعلاج سرطانات مثل الثدي، وبنسب شفاء تصل إلى أكثر من 90%، وهو ما يُطلَق عليه «العلاج الموجه»، الذي ثبت أنه يحقق نسب شفاء مرتفعة؛ لأنه يستهدف الورم السرطاني مباشرة ويعمل على القضاء عليه دون التأثير على خلايا الجسم السليمة.

ونوه بأن لكل نوع من الأورام العلاج الموجه الخاص به، والذي يعمل على تدميره مباشرة. وأشار جميل إلى أنه يمكن إنتاج هذا النوع من العلاجات بعد تحليل أنسجة الخلايا السرطانية للورم ووضع العلاج المناسب لها.

أبحاث مماثلة

وكانت دراسة يابانية قد أكدت أن تثبيط نوع من البروتين يسمى "بيتا كاتينين" (β-catenin) يقلل مقاومة خلايا سرطان القولون للعلاج الكيماوي، إذ وجدوا أن نواقل الـABC تكون عالية النشاط في هذه الخلايا، وبالتالي فإن توقيف عمل هذا البروتين يقلل من وجود النواقل (ABC) الموجودة على سطح الخلية، وبالتالي تزداد حساسية خلايا القولون السرطانية للعقاقير الكيماوية مثل «باكليتاكسيل» paclitaxel و«إرينوتيكان» Irinotecan.

كما أظهرت دراسة أخرى أن جين (c-MYC) يساعد بنفس الطريقة في علاج سرطان الدم (اللوكيميا) عند ترجمته لبروتين (ABC)، فعند زيادة هذا البروتين يزيد من مقاومة الخلية للعلاج الكيماوي والعكس.

يقول د. طارق قابيل -أستاذ التكنولوجيا الحيوية المساعد بكلية العلوم والآداب ببلجرشي في جامعة الباحة السعودية-: إن هذه الفكرة ليست جديدة 100%، فهناك بحوث سبقتها فى هذا المجال، استخدمت تقنية الحمض النووي الريبوزي المتداخل الصغير (Small interfering RNA أو siRNA) اختصارًا (سيرنا)، الذي يُعرف أحيانًا باسم الرنا القصير أو الرنا المسكت، وهي فئة من جزيئات الحمض النووي الريبي مزدوج الخيط، فيحتوي على حوالي 20-25 زوجًا قاعديًّا.

واتفقت معه د. شيماء، مؤكدة أن أبحاث العلاج الجيني يعمل عليها العلماء منذ أكثر من 20 عامًا، في محاولة لفك طلاسم بعض الأمراض، وإيجاد علاجات مناسبة لها، ووصلت هذه التجارب في أمريكا إلى البشر، لكن إلى الآن لم يتوصل العلم إلى دواء معتمد من العلاج الجيني.

ووفقًا لقابيل، المتخصص في علم الوراثة الجزيئية والتكنولوجيا الحيوية، فإن الرنا المتداخل الصغير يعمل أيضًا، في مسارات الرنا ذات الصلة، على سبيل المثال، كآلية مضادة للفيروسات أو في تشكيل هيكل الكروماتين من الجينوم، لكن تفاصيل تعقيدات هذه المسارات لم تتضح كليًّا إلى الآن.

وينظر العلماء إلى تدخل الحمض النووي الريبي (RNA) باعتباره طريقة واعدة لعلاج السرطان عن طريق إيقاف الجينات المختلفة في عملية زيادة الاستجابة على التحفيز في الخلايا السرطانية أو الجينات المسؤولة عن انقسام الخلايا، وقد أظهرت البحوث الأساسية في مجال استخدام هذه التقنية خلال الاختبارات السريرية له تطورًا مستمرًا، شمل أنظمة النواقل الفيروسية المشابهة لتلك التي جرى اقتراحها للعلاج بالجينات.