على الرغم من أن اضطرابات الدماغ المعرفية مثل الشيخوخة والوسواس القهري من أكثر الحالات الصحية إعاقةً في العالم، إلا أن العلاجات الموجودة، سواءٌ العلاجات الدوائية أو الجراحية أو السلوكية، لها آثار جانبية وتتعامل مع الأعراض ببطء.

وسعيًا وراء تقديم بدائل تعالج هذه المخاوف، استخدم فريق بحثي أمريكي -بقيادة روبرت راينهارت، مدير مختبر علم الأعصاب الإدراكي والسريري والأستاذ المساعد في علم النفس وعلوم الدماغ بجامعة بوسطن الأمريكية- نهجًا جديدًا في التعديل العصبي دون اللجوء إلى التدخل الجراحي، لتحسين إدراك الدماغ البشري، وعلاج اضطرابات الدماغ الإدراكية، مثل تدهوُر الذاكرة المرتبط بالشيخوخة.

وبفضل أبحاثه، فاز "راينهارت" بجائزة  (Science & PINS) لعام 2022، وقدرها 25 ألف دولار أمريكي، وهى جائزة تُمنح سنويًّا لبحث مبتكر يركز على تعديل النشاط العصبي من خلال التحفيز الفيزيائي (الكهربائي والمغناطيسي والبصري) للمواقع المستهدفة في الجهاز العصبي.

استخدم "راينهارت" وفريقه أسلوبًا جديدًا من أساليب التحفيز الكهربائي عبر الجمجمة، يُعرف بتحفيز التيار المتناوب عبر الجمجمة عالي الدقة (HD-Tacs)، وهو أسلوب غير جراحي يستهدف مناطق الدماغ باستخدام الأقطاب الكهربائية المثبتة على فروة الرأس.

طبّق الباحثون الدراسة على مجموعة من المتطوعين من كبار السن بهدف تحسين الذاكرة، بالإضافة إلى آخرين بهدف تحسين سلوكيات الوسواس القهري.

يقول "راينهارت" في تصريحات لـ"للعلم": لقد طورنا بروتوكولًا يعتمد على التعديل العصبي باستخدام التيارات الكهربائي دون تدخُّل جراحي، وأظهرت تجاربنا أنه من خلال إدخال التذبذبات العصبية منخفضة التردد بعيدة المدى لدى كبار السن، يمكننا استهداف ومعالجة آليتين من آليات التوقيت في الدماغ، الأولى مسؤولة عن تخزين المعلومات ومعالجتها في الذاكرة العاملة، والثانية تتحكم في محتوى الذاكرة العاملة وتراقبه، وكان كبار السن أكثر دقةً بشكل ملحوظ في أداء مهمة الذاكرة العاملة المرئية في أثناء العلاج، عن طريق تحفيز التيار المتناوب عبر الجمجمة عالي الدقة (HD-Tacs) وبعده.

يضيف "راينهارت": نأمل أن يُسهم بحثنا في تطوير علاجات مستقبلية خالية من العقاقير، يمكن أن تبطئ ضعف الذاكرة لدى كبار السن أو توقفه أو حتى تعكسه، وبالتالي تقلل التكاليف المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالشيخوخة الإدراكية للأفراد وأسرهم.

وفي تجربة منفصلة، تلقَّى متطوعون بالغون يعانون أحد أشكال السلوك القهري تياراتٍ مصممةً بعناية من خلال الأقطاب الكهربائية لضبط شبكات الدماغ التي تتحكم في تعلُّم المكافأة وتكرار السلوك.

أظهرت نتائج الدراسة، التي نشرتها دورية "ساينس" (Science) ورُفع عنها حظر النشر اليوم "الخميس"، 4 أغسطس، أن علاج المشاركين بالتقنية الجديدة بشكل متكرر خلال 5 أيام متتالية، قد يعدل سلوك اختيار المكافأة والتعلم بطريقة سريعة.

وأوضحت النتائج أنه يمكن تقليل سلوكيات الوسواس القهري، وخاصةً اضطراب الاكتناز (يجد المرضى باستمرار صعوبة كبيرة في التخلص من الممتلكات أو تركها، فتتراكم الأشياء وتسبب فوضى في أماكن المعيشة بما يكفي لجعلها غير صالحة للاستعمال)، واضطراب الترتيب (رغبة مُلحة في ترتيب الأشياء ترتيبًا معينًا).

يقول "راينهارت": انخفضت سلوكيات الوسواس القهري بشكل ملحوظ بعد علاج المشاركين بالتقنية الجديدة لمدة استمرت 5 أيام، واستمر التحسن لمدة 3 أشهر على الأقل، وهذا الشكل الجديد من التعديل العصبي قد يكون فعالًا في تحقيق فوائد طويلة الأمد للأشخاص الذين يعانون الضيق بسبب أفعال مثل الأكل القهري والمقامرة والتسوق، وخاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون مشكلات الصحة العقلية.

وتابع: هذا العمل له آثارٌ مباشرة على التجارب السريرية المستقبلية لاضطراب الوسواس القهري، والعديد من أمراض الصحة العقلية المتعلقة بالمزاج والقلق والذهان، وسأعمل أنا وفريقي على التحقيق في آليات تقنية (HD-tACS)، بالإضافة إلى إجراء العديد من التجارب السريرية على الأشخاص المصابين بالفصام وخرف ألزهايمر واضطراب الوسواس القهري.