هل الحرية تكافئ الاستسلام لتأثير القوة؟ قد يبدو لك السؤال وكأنه متناقض، كيف تكون الحرية مكافئة للتحكم؟ كيف يتكافأ النقيضان؟ حتى نجيب عن هذا السؤال.. دعوني أقص عليكم قصة تعرضت أنا شخصيًّا لها، في أثناء تلقِّي مقرر علم فيزياء الكم على يد الأستاذ الجليل د. مصطفى شلبي بجامعة عين شمس المصرية، كان من عادة بروفيسور شلبي في أثناء تدريس موضوعٍ ما أن يستعرض تطور فكرته عبر التاريخ، مما يخلق متعة درامية وتاريخية وفلسفية وعلمية حول تلقِّي المفهوم الفيزيائي واستيعابه، ولا أخفيكم سرًّا، فقد كان بروفيسور شلبي هو أجمل وأعمق مَن درس لي علم الفيزياء، مع أني شرفت بدراسة الفيزياء على يد علماء أجانب من دول عدة، إلا أن بروفيسور شلبي كان يمثل لي قمة الهرم، في أثناء شرحه لمفهوم وتجربة السقوط الحر تحت تأثير الجاذبية، إذا به ينظر إلينا، وإليَّ أنا تحديدًا.. فقد كنت معتادًا الجلوس بالقرب منه في أثناء الشرح، ويقول في عصبية حقيقية ما زلت أتذكرها لأني شعرت بها في صوته وتعابير وجهه: "كيف لهذا المفهوم في كل كتب الفيزياء أن يسمى سقوطًا حرًّا مع أنه سقوط تحت تأثير قوة؟ وجود القوة ينفي كونه حرًّا.. كيف هذا؟ كيف يسمى الخضوع لقوة حرية؟".

وهنا شعرت لأول مرة بمفهوم الشك يخالج وجداني، وكيف له أن يكون دافعًا قويًّا لفهم كل تفصيلة وإدراك منطقها، بدايةً من اسم المفهوم الفيزيائي نفسه، حتى نواتج المفهوم الفيزيائي على فهمنا الطبيعي.

في تلك اللحظة، كنا حوالي 20 طالبًا، جالسين أمام بروفيسور شلبي، لم يقدم أحدٌ منا إجابة شافية، مع أن المفروض أننا جميعًا كنا قد درسنا بالفعل مفهوم السقوط الحر في المرحلة الثانوية، وخلال السنوات الأولى في كلية العلوم، وكنا جميعًا من المتفوقين في الكلية! هل درسنا شيئًا دون أن ندركه أو نفهمه أو حتى ندرك مغزى تسميته بهذا الاسم المتناقض مع حقيقة الحركة؟ الاسم سقوط حر والفعل قوة جاذبية!! كما يقول المثل الشعبي المصري: "الاسم طوبة والفعل أمشير".

ولكن حتى نفهم إجابة ذلك السؤال العميق، كان الأمر يستلزم وقتها الإلمام بمبادئ النسبية العامة، وخاصةً مبدأ التكافؤ، وهو مبدأ صاغه العالم الفذ، ألبرت أينشتين، بعد أن صاغ بعض التجارب داخل عقله، واستنتج منها المنطوق اللغوي لمبدأ التكافؤ، وتتكون هذه التجارب من تخيُّل شخص داخل مصعد ومعه كرة مصمتة وليس هناك وسيلة ليرى ما بخارج المصعد، أي أنه مصعد بلا باب ولا شباك يستطيع الشخص أن يرى من خلالهما أي شيء خارجي، وضع أينشتين أربع حالات مختلفة لهذا المصعد وهذا الشخص بداخله، كما نبين في الرسوم التالية: 

الحالة الأولى: المصعد منطلق في الفضاء، لا توجد قوة جاذبية تؤثر عليه، فقط يتحرك بعجلة تسارعية نرمز لها بالرمز g، إذا ألقى الرجل الكرة التي معه يجدها تسقط على الأرض بفعل حركة التسارع للمصعد ككل، أي أن التسارع ولَّد للشخص إحساسًا بالجاذبية، هذه الحالة موضحة بالشكل رقم 1.

الحالة الثانية: المصعد توقف عن التسارع في الفضاء الخارجي، وبالتالي أصبح يتحرك بسرعة منتظمة، في هذه الحالة إذا ألقى الرجل بالكرة يجدها معلقة في الهواء لا تسقط ولا ترتفع، وهو أيضًا كذلك، هذه الحالة يتولد لدى الشخص إحساس بالحرية من تأثير أي قوة، وقد أصبح هو وكرته معلقَين في الهواء داخل المصعد، هذه الحالة موضحة في الشكل 2. 

فالجاذبية والتسارع لهما التأثير نفسه، فالمصعد حين يتسارع نحو الأعلى كما بيَّنا في الأمثلة السابقة فإن الرجل هنا قد يلاحظ أن تأثير الجاذبية أصبح أقوى، وأن هناك شيئًا ما يشده نحو الأسفل، وعندما تنتظم سرعة المصعد فسوف يزول ذلك الشعور، وهذا ما يسمى بمبدأ التكافؤ.

وضع أينشتين أربع حالات مختلفة لهذا المصعد وهذا الشخص بداخله، كما تبين هذه الرسوم 

الحالة الثالثة: المصعد موضوع في حالة ثبات على سطح الأرض، في هذه الحالة إذا قرر الشخص بالداخل إلقاء الكرة فسيجدها تسقط على أرض المصعد، ولكن في هذه الحالة تحت تأثير الجاذبية الأرضية، هذه الحالة موضحة في الشكل 3، لو تأملت هذه الحالة لوجدت أنها مكافئة تمامًا للحالة الأولى، أي أن الشخص داخل المصعد لا يستطيع على الإطلاق التفريق بين حالة تحرُّك المصعد في الفراغ بتسارع وحالة استقرار المصعد على سطح الأرض!

الحالة الرابعة: وهي الأكثر عجبًا، وفيها تخيَّل أينشتين أننا حفرنا نفقًا نحو مركز الأرض، وأطلقنا المصعد في هذا النفق تحت تأثير الجاذبية الأرضية، أدرك أينشتين أن الشخص إذا أطلق الكرة في هذه الحالة يجد أن الكرة لا تسقط ولا ترتفع، تظل معلقة، شأنها شأنه هو أيضًا، هذه الحالة موضحة في الشكل 4، وهي نفسها الحالة الثانية التي انطلق فيها المصعد في الفضاء بسرعة منتظمة دون تأثير أي قوى، أي أن الشخص داخل المصعد لا يستطيع على الإطلاق التفريق بين السقوط تحت تأثير الجاذبية وتعلُّق المصعد في الفراغ التام، في الحالتين يشعر الشخص وكرته بالتحرر من تأثير أي قوة!

أدرك أينشتين حينها أنه ما دام الشخص منفصلًا عن العالم الخارجي داخل مصعد، فإنه لا توجد طريقة تجريبية على الإطلاق يستطيع التفريق بها بين الحركة بحرية دون تأثير أي قوة والحركة تحت تأثير قوة الجاذبية، في الحالتين، الشخص بالداخل يشعر بأنه متحرر من تأثير أي قوة، وهنا ربما يصعب على الإدراك البشري استيعاب تلك الحقيقة، ولكن دعني أخبرك بأن هذه القواعد التي أدركها أينشتين في عقله تم إثبات تبعاتها تجريبيًّا في عدة تجارب أكدت بشكل كبير صحة تصور أينشتين، وهو أنك ما دمت منعزلًا عن العالم الخارجي لا يمكنك على الإطلاق التفريق بين ما إذا كنت خاضعًا لقوة ما أو متحررًا من كل قيد، في هذه الحالة فقط الحرية تكافئ الخضوع والانجذاب، ولعلي أستأنس بأغنية شهيرة للفنانة الكبيرة شادية ربما تعبر عن هذا المشهد، عندما شعرت بالانجذاب ناحية الحب غنت جملتها الشهيرة "نطير زي العصافير"، وكأنها كانت تريد أن تقول: "في الانجذاب غير المشروط حرية غير مشروطة"، ومن هنا نفهم لماذا سمى الفيزيائيون السقوط تحت تأثير الجاذبية سقوطًا حرًّا، لأنه فعلًا مكافئ للحرية!

في المقال القادم سنتكلم عن متابعة مبدأ التكافؤ، وكيف استخدمه أينشتين لكتابة معادلاته التي تصف الجاذبية، دمتم بخير!

المصادر:
D'Inverno, R. (1992). Introducing Einstein's Relativity. Clarendon Press