تطورت حياة الإنسان كثيرًا خلال العقود الماضية، وأصبحت التكنولوجيا قاسمًا مشتركًا في جميع مناحي الحياة، لتهب الإنسان المزيد من الراحة ويغلب الخمول على نمط حياته، وتتجه اختياراته دائمًا إلى الاختيار الأسهل والأسرع، ويتضمن ذلك العادات الغذائية، والأنشطة الاجتماعية والبدنية.

وقد أثر هذا النمط من المعيشة سلبًا على الإنسان في العديد من النواحي، وخاصةً صحة جسده، وأصابه بالعديد من الأمراض، ومنها مرض الكبد الدهني غير كحولي المنشأ (NFALD)، المصاب به ربع سكان العالم تقريبًا، ما يجعله أكثر أمراض الكبد انتشارًا، كما تُعد منطقة الشرق الأوسط من المناطق التي فيها أعلى معدلات انتشار لهذا المرض بنسبة تصل إلى 32%.

ويصاب الشخص بمرض الكبد الدهني غير كحولي المنشأ نتيجة تراكم الأحماض الدهنية والدهون الثلاثية في خلايا الكبد، وذلك بسبب عوامل مختلفة، منها: عوامل وراثية، وزيادة الوزن والسمنة، وفي بداية المرض يطلق عليه عامة الناس ما يُعرف بالكبد الدهني "steatosis"، إلا أن المرض قد يتطور بعد ذلك إلى ما يُعرف بالتهاب الكبد الدهني غير كحولي المنشأ (NASH)، والذي بدوره قد يتطور إلى تليف الكبد ثم إلى سرطان الكبد.

"للكبد دور كبير في المناعة وعمليات الأيض وعمليات حيوية أخرى"، يوضح أشرف عمر، أستاذ الكبد والجهاز الهضمي بطب القصر العيني بجامعة القاهرة، ورئيس الجمعية المصرية لسرطان الكبد، مضيفًا: "تؤثر دهون الكبد على كفاءة الخلايا الكبدية، وفي حالات المرضى المصابين بالسمنة تحدث حالة من حالات الالتهاب الخفيف المزمن والخفي، والذي قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تليف خلايا الكبد والإصابة بسرطان الكبد".

ويُعد معدل الإصابة بسرطان الكبد لدى مرضى التهاب الكبد الدهني غير كحولي المنشأ كبيرًا للغاية، إذ يبلغ 5.29 حالة لكل 1000 شخص/سنة.

وعادةً ما يكون الكبد الدهني غير كحولي المنشأ بلا أعراض، ولكن قد تظهر في صورة إعياء وألم في أعلى يمين البطن، أما عند تطور الحالة إلى التهاب الكبد غير كحولي المنشأ فتكون الأعراض أكثر وضوحًا، ومنها الاستسقاء وهو انتقاخ البطن، وتضخم الطحال، واليرقان وهو اصفرار الجلد والعينين.

يمكن أن يحفز NAFLD أيضًا تطور أمراض أخرى مثل السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية، لذلك، فإن فهم مرض الكبد الدهني غير كحولي المنشأ والأسباب المؤدية إليه ذو أهمية سريرية، بالإضافة إلى أنه أمرٌ بالغ الأهمية لعلاج المرض والوقاية منه، بعد عمل التحليلات العلمية حول أسباب انتشار أمراض الكبد عمومًا، كان هناك اعتقاد بوجود علاقة تفاعل بين NAFLD والتهاب الكبد المزمن "بي".

في هذا الإطار، تعاون باحثون من كلية الطب بجامعة الإسكندرية ومعهد أبحاث الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية بالإسكندرية، مع آخرين من كلية الطب جامعة شانتو الصينية، لدراسة التداخل بين مرض الكبد الدهني غير كحولي المنشأ والمناعة الفطرية innate immunity لدى مرضى فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي النوع B، مع سرد لكل الدراسات السابقة المؤيدة والمعارضة لذلك التأثير، من أجل تحديد إستراتيجيات وقائية فعالة وتنفيذها لهؤلاء المرضى، وقد توصلوا إلى أن تغيير نمط حياة المرضى يؤدي دورًا مهمًّا في العلاج، وبخاصة النظام الغذائي المتبع، والحفاظ على النشاط البدني من خلال ممارسة التمارين الرياضية بانتظام.

ويُعد الكبد عضوًا أساسيًّا من أعضاء الجهاز المناعي الفطري، ويحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا المناعية الفطرية التي تؤدي دورًا مهمًّا في وقاية الجسم من العديد من الأمراض، ولكنها قد تُسهم أيضًا في توليد إصابات مرض الكبد الدهني غير الكحولي، بالإضافة إلى أنها قد تؤدي دورًا مؤثرًا في التحكم في تطور المرض لدى مرضى التهاب الكبد B.

يقول فايد عطية قطب، أستاذ مساعد في قسم أبحاث الأحماض النووية بمعهد أبحاث الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية، مدينة البحث العلمي والتطبيقات التكنولوجية بالإسكندرية، وأحد باحثي الدراسة: "الجديد فى هذه الدراسة هو عرض الآلية المفصلة لكلٍّ من مرض الكبد الدهني غير كحولي المنشأ، ووجوده المشترك لدى حالات الإصابة بفيروس التهاب الكبد الوبائي النوع B، وعرض التأثيرات التداخلية العميقة على الجهاز المناعي الأولي، وأخيرًا، التوصل إلى توصيات طبية وصحية مهمة للحد والوقاية منهما وتقليل تأثيرهما على الخلايا الكبدية".

علاقة متشابكة

هناك ما يقرب من 30% من المصابين بفيروس التهاب الكبد الوبائي النوع B، مصابون أيضًا بالكبد الدهني غير كحولي المنشأ، وقد وجدت الدراسات أن وجود المرضين معًا يزيد من احتمال الإصابة بسرطان الكبد عند المريض بحوالي 7 أضعاف في المستقبل.

وتقول مروة محمد المغربي، باحث دائم في معمل الخلايا الجذعية واستزراع الخلايا بمركز التميز للطب التجديدي وتطبيقاته، بكلية الطب بجامعة الإسكندرية، وأحد باحثي الدراسة: "إن مرض الكبد الدهني غير كحولي المنشأ يقلل من استجابة المصابين بفيروس التهاب الكبد الوبائي النوع B للعلاج المضاد للفيروس"، كما تقل الاستجابة أيضًا لدى المرضى أصحاب الوزن الزائد والمصابين بالسمنة، ويشكل الأفراد البدناء نسبةً كبيرة من حالات الكبد الدهني بأشكاله، فقد كانت الإصابة بالسمنة موجودة في 51٪ من الأفراد المصابين بالكبد الدهني غير كحولي المنشأ، و82٪ من مرضى التهاب الكبد غير كحولي المنشأ.

"لذلك يجب أن يكون النظام الغذائي لهؤلاء المرضى غنيًّا بالألياف والخضراوات والفيتامينات ومضادات الأكسدة، وعليهم ممارسة التمارين والأنشطة الرياضية المختلفة، وتقليل الوجبات الغنية بالسكريات والدهون غير المشبعة، لتأثيرها على نشاط الجهاز المناعي الفطري، مما يؤدي إلى التطور السريع لمرض الكبد الدهني غير كحولي المنشأ لدى مرضى التهاب الكبد الوبائي النوع B"، على حد قول "المغربي".

وبالرغم من تأكيد الدراسة لأهمية النظام الغذائي المتوازن في علاج هؤلاء المرضى، فقد نصحت أيضًا بعدم فقدان الوزن بطريقة سريعة، لما لذلك من تأثير سلبي على صحة المريض، فقد تؤدي هذه الطريقة إلى تفاقم الأعراض الإكلينيكية لمرض الكبد الدهني غير كحولي المنشأ، كما نصحت بتجنُّب الأنظمة الغذائية منخفضة السعرات الحرارية -388 سعرة حرارية/ يوم- لما قد تسببه من تفعيل الالتهاب في الكبد بشكل عام.

جهود وتحديات

وقد واجه باحثو الدراسة عدة تحديات، أهمها قلة الدراسات البحثية والبيانات المتوافرة حول العلاقة بين مرض التهاب الكبد الوبائي النوع B ومرض الكبد الهني غير كحولي المنشأ، وتأثير كليهما معًا على الجهاز المناعى الفطري، "وأيضًا تضارب الدراسات حول هذه العلاقة التداخلية المعقدة، وعدم وجود آلية مفصلة لعملية الارتباط الموجودة بينهما"، وفق قول "قطب".

وأوضح عمر أن الإحصائيات الخاصة بمرضى الكبد في مصر ضعيفة، خاصةً فيما يتعلق بأمراض الكبد؛ إذ لا يوجد نظام قوي لتوثيق المرضى وتسجيلهم في المؤسسات الصحية المصرية، "لقد بدأت وزارة الصحة المصرية الالتفات إلى الأمر، إلا أن تسجيل الحالات يحتاج إلى وجود خطط وأنظمة إلكترونية داعمة، وهو أمر مكلف، ويحتاج أيضًا إلى بناء قدرات وكوادر للتعامل معه".

وقد علقت "المغربي" بأن الفريق البحثي سوف يستأنف هذا العمل من خلال الدراسة المعملية البحثية على النماذج الخلوية وحيوانات التجارب؛ لمعرفة العلاقة التداخلية بين العناصر الثلاثة المذكورة في البحث، وحصر البيانات والإحصائيات الدقيقة لهما فى مصر من خلال الهيئات الصحية المتخصصة، وكذلك البحث عن أدوية هادفة ومتخصصة لعلاج كلٍّ منهما معًا، تعتمد على تنشيط الجهاز المناعي.

وقاية متاحة للجميع

يقول "عمر": "ليس هناك أي سبب يمنع الشخص من الحفاظ على صحته وصحة أسرته من هذين المرضين تحديدًا"، فالكبد الدهني غير كحولي المنشأ، والتهاب الكبد الوبائي النوع B كلاهما له برنامج وقاية، ويستطيع الأشخاص حماية أنفسهم من المرضين تمامًا، إذ إن وجود المرضين معًا "يؤدي إلى تدهور سريع وتدمير للكبد".

كل ما عليك فعله هو اتباع نمط حياة صحي، فتناول الخضراوات والفاكهة التي تحتوي على فيتامينات مضادة للأكسدة مثل E وC وبيتا كاروتين، يقلل من الالتهاب ويساعد الجسم على التخلص من الأيونات الحرة في الجسم، المرتبط تراكمها في الجسم بأمراض الشيخوخة، وأيضًا تناول الأحماض الدهنية الصحية كتلك الموجودة في حبات الجوز يساعد على خفض معدل الكوليسترول في الدم، مما يؤدي إلى عدم تراكم الدهون في الكبد، الابتعاد أيضًا عن الأطعمة السريعة والمصنَّعة والمشروبات الغازية أمر مهم؛ لأضرارها الجسيمة على الجسم، كما أن ممارسة الرياضة بانتظام أمر مهم؛ إذ تدعم جهود الفرد للتحكم في وزنه، وتقلل من نسبة الكوليسترول في الدم، وتقلل من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة مثل أمراض القلب والسكري من النوع 2.

أما بالنسبة للوقاية من التهاب الكبد الوبائي النوع B فهو أمرٌ أكثر سهولة، فكل ما تحتاج إليه هو أخذ اللقاح المضاد لفيروس التهاب الكبد الوبائي النوع B، المتوافر في جميع أنحاء العالم لكل الأفراد في جميع المراحل العمرية، واللقاح عبارة عن ثلاث جرعات يفصل بين كلٍّ منها شهر، وبعد خمس سنوات يُجري الشخص تحليل دم لاختبار الأجسام المضادة للفيروس، ويعطيه الطبيب المختص نصيحته إن كان في حاجة إلى جرعة منشطة أم لا.

وينتشر التهاب الكبد الوبائي النوع B عن طريق الدم ومشتقاته، لذا وجب على الأفراد الحرص عند التعامل مع الأدوات المختلفة والتأكد من تعقيمها بشكل كامل قبل الاستعمال، ومنها، أدوات أطباء الأسنان، ومراكز التجميل وأدوات تنظيف القدم (البيديكير)، ومراكز الوشوم والإبر المستخدمة فيها، ومحلات الحلاقة.