عالم الحشرات مملوء بالأسرار والحكايات، تلك الأجساد الصغيرة لطالما أعطتنا دروسًا في الحياة، ما دفع العلماء لدراسة سلوكها، فربما تسنَّى لنا نحن البشر أن نحذو حذوها في أمور كثيرة.

وبينما تركزت منذ الطفولة انطباعاتنا عن النمل أنه مثال يُحتذى به في العمل والاجتهاد، أغفلنا أبعادًا أخرى، عكفت دراسة حديثة على دراسة أحدها، وهو ما عُرف بـ"إستراتيجية الانسحاب من العمل في الوقت المناسب".

نعم للعمل.. لا للزحام

كشفت الدراسة المنشورة أغسطس الماضي في دورية ساينس Science، أن وجود أعداد كبيرة من النمل في مهمة لحفر الأنفاق أو بناء الأعشاش، قد يكون ضرره أكبر من فوائده؛ إذ تنجم عنه سدادات)عوائق( clogs تعوق حركة النمل من الأنفاق وإليها في أثناء عملية الحفر.

أظهرت الدراسة التي أجراها باحثون من معهد جورجيا للتكنولوجيا ومعهد ماكس بلانك للفيزياء والأنظمة المعقدة أن الأعداد الكبيرة من النمل الذي يعمل على مساحات ضيقة مثل الأنفاق، لا تعني الحصول على عمل أكثر. الأمر أشبه بعدد كبير من الطهاة في مطبخ ضيق، ما يخلق العديد من العوائق في أثناء حركتهم لأداء مهماتهم.

بمراقبة نشاط 30 نملة، جرى تمييزها بدهان معين، تبين أن 30% من مجموع النمل يقوم بـ70% من مجموع مهمات العمل، ولكن ذلك ليس لأن النمل المشغول أكثر هو الأكثر بذلًا للجهد؛ إذ إنه عند نقل النملات الخمس الأكثر عملًا من الوعاء الذي جرت فيه التجارب، لم يحدث أي تراجع في معدل الحفر.

خلصت الدراسة بعد عديد من التجارب والاختبارات إلى أن سلوكيات مثل (الانسحاب أو التراخي على المستوى الفردي)، تساعد على وصول كثافة الأنفاق إلى المستوى الأفضل من حيث الإشغال، ما يترتب عليه تقليل حدة السدادات وانتشارها، ومن ثم السماح بالحفر بمعدل أسرع.

تقول "داريا مونينكوفا"، الباحثة بالدراسة: "يختلف النمل عن الإنسان في قدرة الأول على تنظيم مجموعة كبيرة من الأفراد، من خلال اتباع قواعد بعينها، يحفزها التفاعل مع البيئة والأفراد الأخرين. هذه التفاعلات "المحلية"، تنتج سلوكًا جمعيًّا، وهو ما يجعل آلاف النمل قادرةً على أداء مهمات معقدة مثل الحفر، من دون وجود سلطة مركزية".

محاكاة مستعمرات النمل

استخدم الباحثون روبوتات، صممت خصيصًى لهذه الدراسة، في محاولة لمحاكاة حياة مستعمرات النمل، وتَبيَّن أن استخدام إستراتيجية النمل مع الروبوتات، قد يساعد في تجنُّب السدادات الآلية، فتنجز العمل بأقل طاقة.

ولكن الروبوتات لم تكن إمكانياتها قَط على المستوى نفسه من إمكانيات النمل؛ فالنمل يمتاز بالمرونة، والقوة والصلابة، كما يمكنه الانضغاط بعضه ببعض في الأماكن الضيقة، وهو ما لا يتوافر للروبوتات، فيحدث الازدحام.

وبغض النظر عن القيود على المناورة، والاستشعار، أظهرت التجارب، بشكل كيفي، أداءً مشابهًا للنمل. على سبيل المثال، أظهرت الدراسة أن أداء الروبوتات في الحفر يزيد بزيادة عدد الروبوتات، وذلك حتى يحدث ازدحامٌ كافٍ.

استنتجت الدراسة أن الوضع الأمثل لمرور الروبوتات (والتي تسود عملية الحفر)، يكون مع توافر حضور متوسط من جموع الحفارين.

تفترض الدراسة أن انخفاض الأداء للروبوتات، مقارنة بالأنظمة البيولوجية والنظرية، ناتج عن محدودية حركة الروبوتات في الأماكن الضيقة، مشيرةً إلى أن ابتكار آليات حركية جديدة، وأجسام قابلة للتشكُّل، سيكون مهمًّا في تجمعات الروبوتات على أرض الواقع.

تُعقِّب مونينكوفا: "يتم استخدام الروبوتات بحيث نجعلها تفهم أثر قواعد بعينها في الأداء الجماعي، ولا يتم تصنيعها لمحاكاة سلوك الحيوانات حرفيًّا، ولكنها تتيح لنا فهم كيف تؤثر كل قاعدة مستوحاة من سلوك الحيوانات على حدة، في الأداء الجماعي".

الكسل قد يكون مطلوبًا

في السياق ذاته، كانت دراسة سابقة قد أظهرت أن وجود نمل غير عامل قد يكون ضروريًّا لاستدامة المستعمرة على المدى البعيد، وذلك لأن المستعمرات التي تعتمد على التنوع، تستمر أكثر من تلك التي تعتمد نمطًا ثابتًا. وأرجعت الدراسة هذا إلى أن النمل غير النشط، يقوم بعمل النمل النشط حينما يتعب، وبهذا يزيد وجود النمل الكسول من فرص بقاء المستعمرة على المدى الطويل، وذلك على حساب تقليل الإنتاجية على المدى القصير.

كما اهتمت دراسة أخرى بالإجابة عن سؤال: لماذا يستخدم النمل في المستعمرات الكبيرة طاقةً أقل للفرد الواحد، مقارنةً بالمستعمرات الصغيرة؟ وتَبيَّن أن ذلك قد يعود إلى وجود عدد أكبر نسبيًّا من "النمل الكسول"، الذي لا يتحرك كثيرًا، وبالتالي لا يستهلك طاقة.

وأشارت إلى أنه من الطبيعي لزيادة الإنتاجية، أن تكون الأغلبية على درجة عالية من النشاط، ولكن في المقابل ستحتاج هذه الأغلبية إلى استهلاك كمية أكبر من الطاقة، والعكس بالعكس. ورجحت أنه من الضروري في مستعمرات النمل أن يبقى بعض النمل في مرحلة راحة، في الوقت الذي يعمل فيه آخرون بنشاط، لحفظ الطعام والموارد. وأنه كلما كان حجم المستعمرة أكبر، زادت أهمية إحداث التوازن بين العمل والراحة.

ماذا يعني الزحام؟

هذا، وبعد أن أثبتت الدراسة ضرورة توزيع أعباء العمل بالشكل الأمثل للسياق، فهل يتفق علم الإدارة مع تلك الرؤية؟ بمعنى آخر، هل وجود موظفين غير ضروريين أو في المكان الخطأ، يمكن أن يُحدث زحامًا، من شأنه أن يضر بمصلحة العمل أكثر مما يفيد؟

يجيب "علي القطان"، مدير برنامج الدراسات العليا بكلية الإدارة- جامعة النيل: "نعم، قد يضر؛ لأن هؤلاء سيعملون على تضييع وقت زملائهم، فليس لديهم ما يفعلونه، كما سيجعلون الزملاء المجتهدين يفقدون حماسهم؛ إذ سيجدون أن عبء العمل غير متكافئ".

وذلك بالإضافة إلى احتمال انتشار الشائعات في مجال العمل حول أسباب تعيينهم؛ فوجود موظفين أكثر من اللازم قد يقلل من فرص الجميع، وقد يجعل العامين يفقدون الثقة بالمؤسسة وإدارتها ومصداقيتها، وفق رأيه.

ويضيف "محمد زين"، مدرب ومستشار إدارة الأعمال، أن تحديد أعداد العاملين من الأشياء المهمة، سواء في مرحلة تأسيس الشركة أو مرحلة العمل والإنتاج.

وأوضح أنه في مرحلة التأسيس، يجب الأخذ في الاعتبار تقييم الوظيفة والمؤهلات المطلوبة لها، بالإضافة إلى التكلفة، وعلى أي النواحي سيكون التركيز في كل مرحلةـ مضيفًا أن بعض الشركات قد ترى أن المبيعات مثلا هي القاطرة التى تقود مسار الشركة، وهذا يحكم اختيار عدد من موظفي المبيعات لهذه المرحلة، أكبر من باقي الأقسام، وبالتالي يكون لهذا القرار ما يسوِّغه، فلا يكون هؤلاء الموظفون بلا عمل.

من جانبها، ترى "مونينكوفا" أن توزيع العمل بذكاء هو أساس الأداء الجماعي الناجح؛ لا سيما حال ندرة الموارد، وأن أفضل أداء للمجموع ليس بالضرورة حصيلة الأداء الكامل لجميع الأفراد، بل البعض يؤدي بصورة أقل من غيره.

وهو ما يتفق معه "زين"، ويقترح أنه من خلال توظيف نسبة معينة كموظفين دائمين، لهم مرتبات ثابتة وامتيازات، والباقي تتعاقد مهم بشكل حر أو freelances وهو ما يجعلهم يؤدون مهمات محددة، مؤقتة بإطار زمني.

لكل مقام مقال

ويعقِّب زين بأن عدد العاملين قد يكون أكثر أو أقل من اللازم، لكن هناك ما يسوِّغه، وفق رؤية المؤسسة، فمثلًا يمكن أن يختار مصنعٌ تقليل عدد العمال لصالح الآلات والتقنيات الحديثة. وعلى الجانب الآخر، قد يختار مقدمو الخدمة استخدام عمال أكثر من اللازم، كي تكون الخدمة على أعلى مستوى، وتستطيع منافسة الشركات الأخرى العاملة في المجال نفسه.

وفي كل الأحوال، يجب المتابعة والتقييم دائمًا، من أجل تطوير الأداء، وهذه بعض الخطوات التي قد تساعد في هذا الإطار:

  • إدراك أن الإدارة والموظفين، كلاهما مسؤول وموضع محاسبة، عن إدارة أحمال العمل بكفاءة.
  • إدراك وتقبُّل أن يكون في كل مكان عمل أوقات للذروة وكذلك منخفضات.
  • أن تأخذ الإدارة في الاعتبار احتياجات الموظفين، والتوازن المطلوب بين العمل وسائر واجبات الحياة بالنسبة لهم.
  • معرفة الإدارة أن الموظفين ليس من متطلبات عملهم العمل لساعات إضافية بشكل دوري أو أساسي، ولكنه ظرف استثنائي.
  • يجب على الإدارة توزيع أعباء أحمال العمل بناء على المهارة، والمعرفة، والتطور المهني للعاملين.

وبطبيعة الحال هناك مؤشرات تساعد على معرفة ما إذا كانت بيئة العمل على الطريق الصحيح في توزيع أعباء العمل أم لا، منها الإيجابي والسلبي. من المؤشرات الإيجابية:

  • العمل على برامج أو مشروعات جديدة.
  • حدوث تغيرات تنظيمية كبيرة، منها تغيير في طاقم الموظفين.
  • خطط إستراتيجية جديدة، ومراجعة للخطط السابقة.
  • إعادة ترتيب الأولويات.

أما المؤشرات السلبية كما يراها القطان فنجد منها:

  • انتشار ثقافة الرضا عن النفس بشكل كبير.
  • قلة الاجتهاد في العمل.
  • عدم الالتزام بالمواعيد النهائية.