بذور صغيرة يتم نثرها على قطن مبلل بالماء مع قليل من زيت الزعتر أو النعناع، لتخرج لنا براعم البروكلي، أو ما يُعرَف علميًّا بـ"البروكلي المستنبت" Broccoli Sprouts لزيادة معدلات المواد المضادة للأكسدة، والتي تشكل حائط صد للوقاية من الإصابة بالسرطان. تلك كانت خلاصة بحث علمى مصرى نشرته مؤخرًا دورية Agriculture Poľnohospodárstvo، في نوفمبر 2016 ، تحت عنوان "زيادة محتوى المواد المضادة للأكسدة لنبوتات البروكلي باستخدام الزيوت العطرية".

"لقد أظهرت نتائج البحث أن براعم البروكلي تحتوي على العديد من الفيتامينات والإنزيمات ومضادات الأكسدة بصورة مركزة، تصل نسبتها إلى أكثر من 100 ضعف تركيزها في الخضروات الطازجة"، وذلك وفق حديث الدكتورة أمل العوضي لـ"للعلم"، وهي الباحث الرئيس في الدراسة وأستاذ مساعد في قسم بحوث تداول الخضر بمعهد بحوث البساتين بالمنصورة. وأضافت أنه يزيد من فرص التحكم والسيطرة على البكتيريا التي تصيب البراعم sprouts"" في أثناء التخزين والتداول وفي العبوات باستخدام معاملات طبيعية وآمنة.وأوضحت العوضي أن الدراسة توصلت لإمكانية معاملة بذور البروكلي بزيت الزعتر وإنباتها خلال ثلاثة أيام بدلاً من سبعة أيام، وعمل دورتين خلال هذه المدة أعطى نبوتات قوية، وأن طول مدتها مناسب للتغذية وقليلة الحمل الميكروبي، إذ إنها خلت من بكتيريا "الإشريكية القولونية E. coli"، إلى جانب ارتفاع محتوى البراعم من الفلافونيد وفيتامين ج والفينولات الكلية وصبغة الأنثوسيانين Anthocyanin والكلوروفيل.

كيماوي طبيعي

لكن لماذا البراعم وليس رأس البروكلي الكامل؟ سؤال تجيب عنه العوضي التي توضح أن دراسات علمية سابقة أجريت على نبات البروكلي كشفت عن أن براعمه تحتوي على مستوى عالٍ (20- 50 ضعفًا) من الحامض الأميني "جلوكورافانين" glucoraphanin، و(30– 50 ضعفًا) "سلفورفان" sulforaphane، مقارنة بالرؤوس الكاملة.

والحامض الأميني جلوكورافانين، هو المكوِّن الرئيسي لمادة الجليوكوزينات التي تتحول إلى السلفوروفان في أثناء المضغ، والأخير مركب كيماوي طبيعي مضاد للأكسدة ومنبه قوي للإنزيمات الطاردة للسموم من الجسم، وهو ما يحد من خطر الإصابة بالسرطان. إضافة إلى ذلك، تحتوي براعم البروكلي على مستوى عالٍ من الإنزيمات المضادة للأكسدة، مثل "إنزيم الميروسينيز" الذي يوفر الحماية ضد الأمراض السرطانية.

وكان الباحث ريتشارد ميثن وزملاؤه -بمعهد أبحاث الغذاء في نوريتش، بالمملكة المتحدة- قد حلَّلوا مئات من الواسمات الوراثية genetic markers في سلالات البروكلي؛ لإنتاج مزيد من مركب جلوكورافانين glucoraphanin، المعروف بفوائده الصحية، وتوصلوا إلى نتيجة تفيد أنه ربما كان هناك جين واحد مسؤول عن ارتفاع مستوى المركبات المحتوية على الكبريت في الأصناف التجارية من البروكلي، وفق العدد المنشور بدورية نيتشر يونيو 2013. وأظهرت النتائج أن الجين -المسمَّى Myb28- ينظِّم عملية إنتاج جلوكورافانين في نبات البروكلي.

وتشير العوضي الى أن ثقافة أكل البراعم الصغيرة منتشرة في أغلب دول العالم وخاصة أوروبا بسبب سرعة إنباتها وقيمتها الغذائية العالية، كما كانت هذه الثقافة موجودة لدينا منذ زمن بعيد عندما كان أجدادنا يقومون باستنبات الحلبة الخضراء.

ثقافة البروكلي

وتشدد العوضي على ضرورة نشر ثقافة التغذية الصحية في المجتمع، من خلال دعم البحوث التطبيقية التي تخدم الصحة العامة وتبحث إمكانية استخدام براعم البروكلي في حل بعض المشكلات الصحية، والحصول على عقاقير منها، وكذلك استخدام مستخلصاتها للوقاية من أورام الكبد السرطانية، مشيرة إلى أن زراعة البراعم لها جانب اقتصادي، كمشروعات صغيرة للشباب، إذ إن دورة رأس المال سريعة وصافي الدخل عالٍ، ولا تحتاج إلى مستلزمات إنتاج متقدمة.

وتضيف العوضي أن مركز البحوث يقوم بعمل يوم للحصاد، توجه فيه الدعوة إلى المجتمع المدني وبعض رجال الأعمال والفلاحين وربات البيوت؛ لشرح نتائج البحوث وتشجيعهم على تغيير سلوك الناس الغذائي.

محصول غير تقليدي

إن البحث الذي أجرته العوضي اعتمد على محصول غير تقليدي وغير واسع الانتشار رغم قيمته العالية، كما يقول الدكتور محمد محمود عبد الجليل، مدير معهد بحوث البساتين، ويضيف أن أهمية البحث تأتي من كونه يسعى إلى تغيير ثقافة التعامل مع هذا النبات لأهميته في مواجهة الأورام السرطانية. ويستطرد: خاصة وأن تقنية البحث اعتمدت على "الاستنبات"، ما يتيح إنتاج البروكلي فى البيوت بسهولة والحصول على نتائج أعلى وأفضل من زراعته فى الأرض لمدة تصل إلى شهرين ونصف حتى تنبت الرأس الكبيرة.

ويشدد عبد الجليل على أن بذرة البروكلي تحتوى على أحماض أمينية ومضادات أكسدة بكميات عالية، وهنا تأتي أهمية البحث الذي اعتمد على تقليل عدد أيام الإنبات إلى ثلاثة أيام وبالتالي قلَّل من ظهور الفطريات واستخدم زيوتًا فعالة أسهمت في إنتاج أفضل. ويشير عبد الجليل إلى أن الدول الأوروبية وأمريكا تعتمد حاليًّا على إنتاج محاصيل تواجه الأمراض وأهمها السرطان ومنها "الفلفل الملون والبروكلي"، وهو اتجاه لا بد أن نساعد على نشره في مصر؛ لأن عائده سينعكس على صحة المجتمع.

صيدلية متكاملة

"البروكلي صيدلية متكاملة"، وفق الدكتور نبيل محيي عبد الحميد، أستاذ بيولوجيا الأورام بقسم الكيمياء الحيوية والعميد السابق لكلية الصيدلة في جامعة كفر الشيخ، إذ إنه من العائلة الكبريتية مثل الكرنب والقرنبيط والثوم، ويحوي مضادات الأكسدة التي يمكن أن تقلل من خطر الإصابة بالسرطان.

ويضيف عبد الحميد: هذه المواد الغذائية تعمل على زيادة الكيماويات الطبيعية التي تحد من الإصابة من السرطان وتقطع الرابطة بين مسببات الورم والمحطة الأخيرة. ويوضح: أي أنني أحاول أن أحمي الخلية من التحول السرطاني وأزودها بأسلحة بيولوجية لتصبح خلية عادية، وهنا تكمن أهمية هذا البحث الذي يسعى إلى نشر ثقافة التغذية بالبراعم الصغيرة التي تنبت سريعًا وتحتوي على نسبة عالية من المواد الفعالة، وهو ما ظهر في هذا البحث الذي اعتمد على استخدام الزيوت الطيارة ومنها زيت الزعتر. ويساعد هذا النوع من الزيوت على زيادة مقاومة النبات للأمراض وزيادة نسبة المواد الطبيعية المضادة للأكسدة وخاصة مادة "سلفورافين".