حذرت دراسة حديثة من خطورة تجاهُل مشكلة تنامي مقاومة مضادات الميكروبات أو المضادات الحيوانية في الحيوانات التي يتغذى عليها الإنسان على صحة الحيوان، وخاصةً في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، حيث يتزايد الطلب على اللحوم.

الدراسة أجراها باحثون من "مركز دراسات ديناميكية الأمراض والاقتصاد والسياسات" بالولايات المتحدة، بالتعاون مع آخرين من جامعات "زيورخ" السويسرية و"بروكسل الحرة" البلجيكية و"برنستون" الأمريكية، ونشرتها مجلة "ساينس" (Science).

استهدف الباحثون تحديد الاتجاهات العالمية لمعدلات مقاومة المضادات الحيوية في الحيوانات التي تعتمد عليها الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط في غذائها في الفترة بين عامي 2000 و2018.

وعلى الرغم من تزايُد الوعي العالمي حول مشكلة سوء وزيادة استخدام المضادات الحيوية بالنسبة للإنسان، إلا أن هناك تصاعدًا في استهلاك الحيوانات للمضادات الحيوية بحوالي ثلاثة أضعاف الإنسان، ويزداد الأمر خطورةً في الدول النامية حيث لا رقابة على مبيعات المضادات الحيوية البيطرية مقارنةً بالدول ذات الدخل المرتفع، ما يزيد من احتمالية تفاقم ظاهرة مقاومة المضادات الحيوية في الحيوانات لتصبح أضعافًا مضاعفة.

ورغم الفائدة التي قد يحققها استخدام المضادات الحيوية فيما يتعلق بإنتاج اللحوم على المدى القصير، إلا أن كثرة استهلاكها في الحيوانات التي يتغذى عليها البشر، ارتبطت بزيادة العدوى الناتجة عن مقاومتها للمضادات، ليس فقط في الحيوان، ولكن أيضًا في البشر. ويزداد الأمر سوءًا في الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل، التي لا تتوافر فيها أنظمة الرقابة التي ترصد معدلات مقاومة المضادات الحيوية بين الحيوانات.

ولرسم اتجاهات مقاومة الحيوانات للمضادات الحيوية في هذه الدول، وضع الباحثون نموذجًا جيوفضائيًّا باستخدام بيانات من مسوحات نقط الانتشار، التي سجلت معدلات مقاومة المضادات الحيوية في الحيوانات وفى منتجات الغذاء، وتضمَّن التحليل 901 من مسوحات نقط الانتشار في الفترة بين 2000 و2018، وركز بشكل خاص على العوامل المُمرِضة التي تنتقل عبر الغذاء، ومنها بكتيريا "اي. كولاي"، و"الكامبيلوباكتر"، و"السالمونيلا" و"المكورات العنقودية الذهبية".

يقول "رامانان لاكسمينارايان" -مدير مركز دراسات ديناميكية الأمراض والاقتصاد والسياسات، ومؤلف الدراسة- في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة، الذي حصلت "للعلم" على نسخة منه: يجب توعية الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل من عواقب الاستخدام المكثف للمضادات الحيوية، ومساعدتها في الانتقال إلى ممارسات زراعية مستدامة، وذلك بدعم من الدول ذات الدخل المرتفع، التي استخدمت مضادات الميكروبات منذ الخمسينيات.

أظهرت الدراسة أن أعلى معدلات المقاومة للمضادات الحيوية المستخدمة في إنتاج الغذاء كانت من نصيب عقاقير "تتراسيكلين"، و"سلفوناميد" و"بنسلين". وتنوعت معدلات المقاومة بين المضادات الحيوية المهمة من 20% إلى 60% لعقاري "سيبروفلوكساسين" و"إريثرومايسين "، ومن 10% إلى 40% في الجيل الثالث والرابع من عقار الـ"سيفالوسبورين".

وتمثلت النقاط الساخنة لمقاومة أدوية متعددة في كلٍّ من شمال شرق الهند، وشمال شرق الصين، وشمال باكستان، وإيران، وشرق تركيا، والساحل الجنوبي للبرازيل، ودلتا نهر النيل، ودلتا النهر الأحمر في فيتنام، والمناطق المحيطة بمكسيكو سيتي وجوهانسبرج. وفى المقابل، فإن تقديرات المقاومة لم تكن مؤكدةً في المناطق الريفية والنائية؛ لكونها تفتقر إلى بيانات نقط الانتشار.

وتوفر الاتجاهات والخرائط المستخلصة من هذا التحليل بيانات أساسية لصناع السياسات في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل؛ لتحسين الرقابة واستمرار معدلات الرصد لمقاومة المضادات الحيوية في الحيوانات التي يتغذى عليها البشر، والتدخل الفعال في المناطق الساخنة حيث تتزايد هذه الظاهرة. ويطالب الباحثون بإجراءات عاجلة في هذه المناطق؛ لانعكاس الظاهرة سلبيًّا على صحة الحيوان وإنتاجية المزارعين، وكذلك صحة الإنسان.

يقول "توماس فان بوكيل" -الأستاذ المساعد بمعهد علم الأحياء التكاملي بجامعة زيورخ، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن زيادة مقاومة الحيوانات للمضادات الحيوية في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل أمرٌ مُقلق؛ نظرًا لتزايد استهلاك اللحوم بسرعة، في حين لا يزال الحصول على مضادات الميكروبات البيطرية يتم بشكل عشوائي وغير منظم".

بدوره، يشدد "لاكسمينارايان" في تصريحات لـ"للعلم" على أهمية التخلص التدريجي من المضادات الحيوية البيطرية على مستوى العالم خلال خمس سنوات، وهى توصية تفيد بأنه كلما تأخر الوقت زاد الخطر فيما يتعلق بصحة الحيوان، وفق قوله.