تتعرض الموارد المائية الجوفية في جنوب شرق دلتا النيل للتدهور المستمر من حيث الجودة والكمية؛ نتيجةً لانخفاض تدفُّق مياه النيل وسوء إدارة استخراج المياه الجوفية والأنشطة البشرية على طول مجرى فروع النيل وقنوات الصرف.

أظهرت نتائج دراسة جديدة وجود تفاعُل بين العوامل الطبيعية والبشرية في التأثير على جودة المياه الجوفية في منطقة شرق دلتا النيل، مع تزايُد الضغط من قِبَل المناطق الحضرية على الخزان الجوفي.

عمل فريق الدراسة على تقييم التأثيرات الطبيعية والبشرية على مستوى جودة المياه هناك باستخدام تقنيات التحليل الكيميائي والبكتيري، وتحليلات استخدام الأراضي والتربة.

ووفقًا للدراسة التي نُشرت في مجلة جورنال أوف أفريكان إيرث ساينسيز Journal of African Earth Sciences يوم 6 أغسطس الحالي، وأعدها فريق من الباحثين بالمركز القومي للبحوث والهيئة القومية للاستشعار عن بعد، وجامعة عين شمس المصرية وجامعة كاليفورنيا الجنوبية الأمريكية، فإن مؤشرات جودة المياه لأغراض الري تشير إلى أن عينات المياه الجوفية حول بحيرة أبو زعبل بمنطقة شرق دلتا النيل تتراوح بين المياه المشكوك فيها وغير الصالحة للري. 

مياه غير صالحة للاستخدام

أظهر التحليل الهيدروكيميائي للمياه الجوفية ارتفاعًا غير طبيعي في قيم المواد الصلبة الذائبة (تصل إلى 3850 مجم/ لتر) وتركيزات عالية من النترات والأمونيوم بالقرب من بحيرة أبو زعبل.

في حين تتراوح المعدلات الطبيعية للمواد الصلبة الذائبة بين 600 و1000مجم/ لتر وفق غرض الاستخدام؛ إذ يجب ألا تزيد عن 600 مجم/ لتر لأغراض الشرب، وعن 1000مجم/ لتر عند ري المحاصيل التقليدية.

تشير نتائج الدراسة إلى اختلاط محتمل بين مياه الصرف الصحي ومياه الصرف الزراعي والمياه الجوفية في طبقة المياه الجوفية الضحلة. 

وكشفت نتائج تحليلات العناصر الأساسية وتركيزات البكتيريا أن المياه الجوفية من الخزان السطحي لدلتا النيل بالقرب من بحيرة أبو زعبل غير صالحة للاستخدام الزراعي في وضعها الحالي، وتحتاج إلى معالجة قبل الاستخدام. 

صور ميدانية لبعض مواقع العينات التي استعانت بها الدراسة في منطقة أبو زعبل credit:Doaa Hegazy and her colleagues

"يرجع ذلك في الأساس إلى اختلاط العوامل البشرية -مثل المخلفات الصناعية والصرف الزراعي- مع العوامل الطبيعية؛ نتيجة اختلاط المياه الجوفية الضحلة مع مياه جوفية أكثر عمقًا وأكثر ملوحةً من خزان الميوسين الذي يقع أسفل خزان النيل في تلك المناطق".. وفق دعاء حجازي، الباحثة بالهيئة القومية للاستشعار عن بُعد، والباحث الرئيسي في الدراسة. 

لكن "حجازي" تشير إلى أن المنطقة التي تقع شمال بحيرة أبو زعبل بمحاذاة ترعة الإسماعيلية تتميز بمياه جوفية ذات جودة ممتازة للري.

يشار إلى أن عصرالميوسين انتهى قبل أكثر من عشرة ملايين سنة. وتشغل طبقات عصر الميوسين حوالي ثُمن المساحة الكلية من سطح مصر. وتتميز الطبقات الجيولوجية لهذا العصر في مصر بالعمق الشديد (أنزلت مثاقب إلى عمق 96 مترًا و105 أمتار في الإرسابات الفيضية لوادي النيل والدلتا في القاهرة والزقازيق على الترتيب، وأخفق كلاهما في الوصول إلى الصخر الصلب)، وفقًا للجغرافي الإنجليزي جون بول، في كتابه المترجم إلى العربية "جغرافية مصر".

التصوير بالأقمار الفضائية

استخدم الباحثون صور الأقمار الصناعية (لاندسات-8 ورادارسات-2 وإيكونوس)، بالإضافة إلى بيانات الغطاء الأرضي التي توفرها الصور الفضائية من الأقمار الصناعية التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية. 

بدأت "حجازي" العمل على الدراسة قبل 3 سنوات بتجهيز البيانات الجيولوجية والهيدرولوجية وتحليل صور الأقمار الصناعية، ثم تجميع عينات المياه الجوفية والسطحية من قنوات الري والمصارف؛ للوقوف على محتوى العينات من الأملاح الأساسية مثل أملاح الكلوريد، والكبريتات، والكربونات، بالإضافة إلى تركيزات الصوديوم والبوتاسيوم والماغنيسيوم والكالسيوم في كل العينات، وبعض الأملاح غير الرئيسية مثل النترات والأمونيا والفوسفات، وتركيزات البكتيريا، وتحليلها في معامل المركز القومي للبحوث.

قارن الباحثون نتائج هذه التحليلات بالمرجعيات العالمية لمنظمة الصحة العالمية؛ للوقوف على مستويات التلوث في المياه. تلا ذلك دراسة التوزيعات الجغرافية لنتائج التحليلات، وبمساعدة باقي الفريق البحثي جرت مناقشة الأسباب والظروف المختلفة التي أدت إلى حدوث هذا التلوث. 

تداخل العوامل الطبيعية والبشرية

يقول الجيولوجي أبو طالب زكي، الباحث في جامعة ميشيجان الغربية في الولايات المتحدة، والباحث المشارك في الدراسة: إن مزيجًا من العوامل البشرية والطبيعية تَسبَّب في حدوث هذا التلوث، "بيَّنت الدراسة لأول مرة أن العمليات الطبيعية والوضع الهيدروجيولوجي بالمنطقة هي العامل السائد في تدهور جودة المياه، وإن كان هناك دورٌ أيضًا للعمليات البشرية ولكن بشكل أقل تأثيرًا".

ويضيف -في تصريح لـ"للعلم"- أن مساحات العمران في منطقة الدراسة قد تضاعفت مرتين في الفترة بين 1994 و2018، بحيث زادت المساحة التي تشغلها المحلات العمرانية من 77 كيلومترًا مربعًا إلى 198 كيلومترًا مربعًا، جاء معظمها على حساب الأراضي الزراعية.

وفي رد مشترك عبر البريد الإلكتروني شرح الباحثان "حجازي" و"زكي" لـ"للعلم" أسباب تركُّز التلوُّث في المياه الجوفية في المنطقة المذكورة. إذ تتميز المنطقة بزيادة التصدعات الأرضية التي تعمل كموصل عمودي، تصعد عليه المياه الجوفية العميقة من خزان عصر الميوسين عالي الملوحة، وتختلط هذه المياه مع المياه الجوفية العذبة الموجودة في خزان النيل السطحي، مما يؤدي إلى تلوث هذه المياه وزيادة ملوحتها.

ووفقًا للباحثين، فإن في منطقة الدراسة العديد من المصانع التي تسبب التلوث، فضلًا عن محطة الجبل الأصفر لمعالجة مياه الصرف الصحي، وهي محطة رئيسية تخدم عدة أحياء بالقاهرة الكبرى، وبالتالي قد تؤثر على المياه الجوفية والسطحية بالمنطقة من خلال أي خلل في قنوات التصريف التي تصل إلى المحطة. بالاضافة إلى قلة سُمك طبقة الغرين والطين النيلي الذي يغطي خزان الدلتا بشكل عام ويحميه من مصادر التلوث، وانكشاف الخزان الجوفي على السطح في هذه المنطقة، ما يجعله أكثر تَعرُّضًا للتلوث من باقي مناطق الخزان المحمية. 

يرى علي أكاندا -الأستاذ المساعد في الهندسة المدنية والبيئية في جامعة رود آيلاند الأمريكية- أن الدراسة الحالية هي خطوة في الاتجاه الصحيح لسد الفجوات المعرفية لممارسة إدارة شاملة ومستدامة لازمة لتطوير المياه الجوفية في هذه المنطقة، مشددًا على أن تكامل التحليلات الهيدروكيميائية والبكتريولوجية وتحليلات استخدام الأراضي يوفر صورة واضحة لاتجاهات جودة المياه الجوفية للاحتياجات المنزلية والصناعية والزراعية. 

ويوضح "أكاندا" في تعليق لـ"للعلم" أن النضوب السريع لاحتياطيات المياه الجوفية الأحفورية وتدهور جودة المياه الجوفية بسبب الضغط البشري من الأمور الواضحة التي أظهرتها الدراسة.

وفي منطقة دلتا النيل، يكتظ سكان القاهرة الكبرى والمدن والمستوطنات المحيطة بها، ويزيد استخدام المياه الجوفية لتلبية الطلب على المياه؛ إذ تتعرض تدفقات المياه السطحية لضغوط شديدة، سواء مناخية أو بشرية.

وتشير دراسة سابقة إلى ضرورة اتجاه مصر إلى استخدام المياه الجوفية وتحلية مياه البحر لتلبية احتياجات القطاع المنزلي من المياه، الذي يستهلك أكثر من 16% من إجمالي الموارد المائية المتجددة في مصر، بسبب النمو السكاني بنسبة تقدر بـ2.05% سنويًّا، وارتفاع معدل الاستهلاك السنوي للفرد الواحد من المياه المنزلية لحوالي 102 من الأمتار المكعبة، والآثار السلبية المتوقعة بعد تشغيل سد النهضة الإثيوبي.

ووفقًا لدراسة أجرتها الجمعية الجيولوجية الأمريكية، فإن تزايُد التأثير السلبي للأنشطة البشرية، مصحوبًا بزيادة كبيرة في عدد السكان، بالإضافة إلى التأثيرات المتوقعة لتشغيل سد النهضة الإثيوبي، من شأنه أن يحدث أزمةً في مياه الشرب في مصر بحلول عام 2025. 

مخاطر تلوث المياه 

تسببت مخلفات الصرف الصناعي في زيادة نسب الفوسفات والأمونيا في المياه الجوفية، بالإضافة إلى الصرف الزراعي الذي تسبَّب في زيادة تركيزات النترات في المياه نتيجة استخدام الأسمدة الكيميائية. 

"زيادة الأملاح عمومًا في المياه تؤثر على صحة التربة وصحة النباتات؛ إذ إن معظم المحاصيل التي تُزرع في الدلتا لا تتحمل تركيزات عالية من الأملاح، وبالتالي عند زيادة نسبة الأملاح في مياه الري قد تموت هذه المحاصيل أو تضعف إنتاجيتها بدرجة كبيرة، كما أن زيادة نسبة النترات في المياه تؤدي إلى حدوث مخاطر صحية"، كما توضح "حجازي" لـ"للعلم". 

وتضيف الباحثة الرئيسية في الدراسة: "بالنسبة للبكتيريا، فإنه وفقًا لتقارير منظمة الصحة العالمية فإن أي وجود للبكتيريا في المياه -حتى لو بكميات قليلة- يجعلها غير صالحة للاستخدام، سواء للشرب أو للري، وفي منطقة الدراسة فإن معظم العينات فيها تركيزات عالية للبكتيريا، قد تصل إلى أكثر من 39 وحدة مستعمرة لكل 100 ملليمتر. 

في تعليقه على الدراسة، يشير أسامة سلام -الأستاذ المساعد بالمركز القومي للبحوث بمصر، ومدير مشروعات المياه بهيئة البيئة، أبو ظبي- إلى أن التحليلات البكتريولوجية للمياه السطحية والمياه الجوفية بمنطقة الدراسة تكشف تلوث معظم العينات بدرجة كبيرة بواسطة القولونيات البرازية والبكتيريا، مما يشير إلى اختلاط محتمل بين مياه الصرف الصحي المنزلية والصناعية والصرف الزراعي والمياه الجوفية بالمنطقة.

ويوضح "سلام" لـ"للعلم" أن خطورة هذه الملوثات تأتي من تأثيرها السلبي على الصحة العامة وعلى جودة المنتجات الزراعية والثروة الحيوانية بالمنطقة، وأن السبب الرئيسي لهذه الملوثات هو التسميد الزائد "غير الرشيد" للمزروعات والحقول، واستخدام المبيدات بصورة مبالغ فيها ومن دون إشراف أو رقابة، بالإضافة إلى تسرُّب مياه الصرف الصحي والصناعي إلى المياه الجوفية بصورة خاصة.

صيانة الخزان الجوفي

وفقًا لـ"سلام"، فإنه للمحافظة على الخزان الجوفي من التلوث بمنطقة شرق الدلتا يجب استكمال شبكات الصرف الصحي المنزلي والصناعي، وإنشاء منظومة جيدة لجمع المخلفات الصلبة المنزلية والصناعية، وترشيد استخدام الأسمدة والمبيدات في الزراعة من خلال الجهات الإرشادية والرقابية.

يتفق "حجازي" و"زكي" مع "سلام"، ويضيف الباحثان أن وضع قواعد صارمة لإنشاء المصانع على فروع النيل والترع الرئيسية ومنع الصرف الصناعي غير المعالَج من التسرُّب إلى مصادر المياه سيُسهم أيضًا في خفض التلوث، فضلًا عن عدم التصريح بإنشاء طلمبات مياه في المناطق الملوثة. كما توصي الدراسة بالتوسع في إنشاء آبار شبكة المراقبة القومية لخزان النيل، والتي تم إنشاؤها في المركز القومي لبحوث المياه بالقناطر الخيرية، وإتاحة البيانات المستخرَجة لشباب الباحثين.


 [AB1]نبذة صغيرة