توصل باحثون إلى طريقة جديدة لتصوير الخلايا ومحتوياتها الوراثية، وفقًا لدراسة نشرتها دورية "سيل" (Cell) مؤخرًا.

وتعتمد تلك الطريقة على استخدام مجموعة من الكواشف وحَقنها داخل الخلية المُراد تصويرها عبر أدوات أنبوبية بسيطة (ماصات)، لتقديم معلومات عن أماكن الجينات وترتيبها، ما يفتح الطريق أمام كشف تسلسلات الحمض النووي للخلايا.

وقبل اكتشاف تلك الطريقة، كان العلماء يستخدمون مجاهر ضوئية متخصصة، ومعدات تصوير عالية التقنية لكشف تسلسل الحمض النووي، وتعتمد معظم الطرق القديمة على حَقن الخلية بمواد تُجمد محتوياتها، ثم يضع العلماء الخلية أسفل عدسة مجهر إلكتروني باهظ الثمن، لمعرفة ما يدور داخلها، ولكشف تسلسل حمضها النووي.

أما الطريقة الجديدة، فتعتمد على مجموعة من الكواشف الكيميائية، إذ يُجرى حقنها داخل الخلية أو النسيج المطلوب فحصه بشكل مباشر، وتتميز تلك الكواشف بقدرتها على إحداث تفاعل كيميائي داخل العينة يعتمد على تسلسل الحمض النووي نفسه؛ إذ يشتبك مع جزيئات الخلية، ويلون كل جزء منها بلون مختلف.

وتعتمد عملية التلوين على طبيعة أجزاء الخلية نفسها، والحروف الوراثية وترتيبها، وبالتالي يُمكن للعلماء فك شفرة مواقع الجزيئات، وشكلها، دون الحاجة إلى معرفة هوية الخلية أو طبيعة تبايُنها الوراثي.

يقول "فينج زانج" -عالِم البيولوجيا الجزيئية، ومؤلف الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن تصوير الخلايا بتلك التقنية يُشبه إلى حدٍّ كبير عمليات التصوير الطبي باستخدام الصبغة؛ ففي تلك العملية، يحقن الأطباء المريض بمادة صبغية، ثم يقومون بتصوير خلايا لكشف الأمراض عبر حسابات معقدة تعتمد على كمية الصبغة التي تمتصها الخلايا، لكن طريقتنا أدق بكثير".

يضيف "زانج" أن "المادة الكاشفة التي اعتمد عليها الباحثون في تلك الدراسة دقيقة على المستوى الجيني، وقادرة على كشف معلومات لا تستطيع طرق التصوير التقليدية كشفها".

ويُعد فهم الكيفية التي تتفاعل بها الخلايا بعضها مع بعض أمرًا مهمًّا لتطوير أبحاث البيولوجيا الخلوية والعلاجات السريرية، فعلى الرغم من التقدم المُحرَز في تحديد مكونات الخلايا على المستوى الجزيئي، لا يزال رسم خريطة لتلك المحتويات أمرًا عصيًّا على المنال.

يقول "زانج": الطريقة الجديدة تستطيع كشف التتابعات الوراثية وتسلسل الحروف الجينية بدقة تقترب من 100%، وهو أمر مذهل.

وعلى الرغم من الدقة الكبيرة لـ"مجهر الحمض النووي"، فهو لا يزال غير قادر على حل مشكلة جوهرية، فالمساحات الفارغة بين الخلايا تمتلئ بالكاشف، وبالتالي تَصعُب تفرقة تلك المساحة عن محتويات الخلية ذاتها، ويأمل الباحثون أن يتمكنوا من حل تلك المشكلة ليُصبح مجهرهم قادرًا على استكشاف البنى المكانية الصغيرة في العوالم البيولوجية الخفية داخل أجسام الكائنات الحية.

استغرق العمل على تلك الدراسة نحو 4 سنوات كاملة، على حد قول "زانج". ويُعد التطبيق الأكثر إثارةً لتلك التكنولوجيا هو المجالات البيولوجية التي تتعامل مع طفرات الحمض النووي، وستتيح تلك التقنية في المستقبل فهم الكيفية التي يتطور بها الجهاز المناعي، وكشف الطفرات الوراثية في الأورام السرطانية، والطريقة التي بها تُقاوم تلك الأورام الخلايا المناعية.

ويُشير "زانج" إلى أن "حلم مجهر الدنا لا يزال في بدايته"، مضيفًا: "لكننا نسير بخطى حثيثة نحو تصوير الخلايا بطريقة بسيطة ورخيصة وفعالة ودقيقة، في محاولة لفهم أفضل لمرض السرطان".