لطالما ارتبط الالتهاب بتطور الورم في العديد من أنواع السرطان، لكن الأسباب المحددة وراء هذا الارتباط كانت غير واضحة في السابق، ما دفع فريقًا بحثيًّا في مركز إم دي أندرسون للسرطان بجامعة تكساس الأمريكية إلى دراسة تأثير التهاب البنكرياس على خلايا البنكرياس الظهارية، وهي مجموعة من الخلايا التي تتحد معًا لتغطي أحد أعضاء الجسم.

وأظهرت الدراسة التي نشرتها دورية "ساينس" (Science) أن خلايا البنكرياس تُظهر استجابةً تكيفيةً لنوبات الالتهاب المتكررة التي تحمي في البداية من تلف الأنسجة، ولكنها يمكن أن تعزز تكوين الورم في وجود طفرة في جين (KRAS) المتحور.

ويُعد جين (KRAS) بمنزلة مفتاح تشغيل/إيقاف في إشارة الخلية، وعندما يعمل بشكل طبيعي فإنه يتحكم في تكاثر الخلايا، لكن عندما يكون متحورًا تتعطل الإشارة السلبية، وتتكاثر الخلايا بشكل مستمر، وغالبًا ما تتطور إلى سرطان.

وكشف الباحثون أن التحور الذي يحدث لهذا الجين، الموجود في حوالي 95٪ من جميع سرطانات البنكرياس، يدعم الاستجابة التكيفية لنوبات الالتهاب المتكررة، ما يؤدي إلى ضغط انتقائي للحفاظ على الطفرة المسببة للسرطان.

يقول أندريا فيالي، الأستاذ المساعد في الطب الجينومي في مركز إم دي أندرسون للسرطان، وقائد فريق البحث: اكتشفنا أن حدثًا التهابيًّا واحدًا عابرًا تسبَّب في إعادة برمجة نسخ طويلة الأمد وإعادة برمجة جينية للخلايا الظهارية التي تعاونت مع جين (KRAS) المسرطن، لتعزيز أورام البنكرياس بعد نوبةٍ من الالتهاب.

يضيف "فيالي" في تصريحات لـ"للعلم": في حالة التهاب البنكرياس المتكرر، يمكن اكتساب طفرات (KRAS) مبكرًا للحد من تلف الأنسجة، ما يشير إلى وجود ضغط تطوري قوي لاختيار الخلايا الطافرة وتقديم تفسير محتمل للوجود شبه الشامل لـ(KRAS) المتحور في سرطانات البنكرياس.

وللوصول إلى نتائج الدراسة، حفز الباحثون التهابًا عابرًا في نظام نموذجي يُحاكي عن كثب البيئة الالتهابية المحيطة بورم سرطان البنكرياس الذي يُحرّضه جين (KRAS) في الجسم الحي، وتَسبب الالتهاب في تغيرات مرضية فورية في خلايا البنكرياس، لكنها اختفت في غضون أسبوع واحد.

ومع ذلك، أدى تنشيط (KRAS) حتى بعد شهور من اختفاء الالتهاب إلى تسريع تكوين الورم مقارنةً بالنظام النموذجي الضابط، ما يشير إلى أن الالتهاب يؤدي إلى تغييرات طويلة الأمد في الخلايا الظهارية التي تتعاون مع جين (KRAS) المتحول لتعزيز تطور السرطان.

ووفق الدراسة، أظهر التحليل الجزيئي العميق للخلايا الظهارية بعد حدث التهابي واحد، إعادة برمجة جوهرية للتعبير الجيني والتنظيم اللاجيني الذي استمر مدةً طويلة بعد استعادة تلف الأنسجة، وهي عملية أطلق عليها الباحثون اسم "الذاكرة الظهارية" التي تُحدث استجابةً سريعةً للحد من تلف الأنسجة في أثناء التهاب البنكرياس المتكرر.

وأدت إعادة البرمجة الخلوية هذه دورًا مهمًّا في حماية البنكرياس من التلف في أثناء نوبات الالتهاب المتكررة، من خلال تنشيط المسارات المتعلقة ببقاء الخلية وانتشارها وتطورها الجنيني، والتي تشبه المسارات النشطة في أثناء تطور السرطان.

كما سهلت إعادة البرمجة الخلوية الناتجة عن الالتهاب من حدوث عملية تحوّل نسيجي تكتسب فيها خلايا أسينار (Acinar Cell) -المسؤولة عن إنتاج الإنزيمات الهاضمة وإفرازها في البنكرياس- مميزات الخلايا الأقنية المسؤولة عن توصيل تلك الإنزيمات إلى الأمعاء الدقيقة، وتنجم هذه العملية عادةً كاستجابة للالتهاب، وتتيح إحلال خلايا أخرى أكثر قدرةً على العيش في ظروف لا تحتملها الخلية الأصلية.

يقول "فيالي": في أثناء عملية التحوّل النسيجي تتوقف خلايا أسينار عن إنتاج الإنزيمات الهاضمة التي تغذي التهاب البنكرياس، ونظرًا إلى أن تنشيط (KRAS) وهو الجين الورمي المحفز لسرطان البنكرياس، يحافظ على حدوث هذه العملية، فقد أظهرت دراستنا أن تنشيط طفرات (KRAS) مفيدٌ وله دورٌ مهمٌّ في الحفاظ على سلامة الأنسجة والحد من تراكم الضرر في أثناء التهاب البنكرياس.

ويتابع: يمثل التهاب البنكرياس الناجم عن تنشيط الإنزيمات الهاضمة داخل أنسجة البنكرياس عامل خطر رئيسيًّا لسرطان البنكرياس، ومن المعروف منذ وقت طويل أن الالتهاب يمكن أن يُسرّع من تطور الورم في نماذج سرطان البنكرياس، واكتشفنا أن العملية الالتهابية المستمرة ليست ضروريةً لتشكيل ورم البنكرياس، بل على العكس، يمكن لحدث التهابي عابر واحد أن يحفز تعديلات جينية منتشرة في الخلايا الظهارية الطبيعية التي تتعاون مع طفرات (KRAS) لتعزيز نمو الورم بعد فترة طويلة من اختفاء الالتهاب، وهي عملية أطلقنا عليها اسم "الذاكرة الظهارية".

وعن أهمية النتائج، كشف أن هذه الدراسة تعيد تعريف فهم دور الالتهاب والطفرات في أثناء تطور سرطان البنكرياس، مضيفًا: إثبات أن طفرات (KRAS) تمارس دورًا وقائيًّا لأنسجة البنكرياس في أثناء الأحداث الالتهابية المتكررة يشير إلى وجود ضغط تطوري قوي لتحديد طفرات (KRAS) في أثناء التهاب البنكرياس بشكل مستقل عن المساهمة في تطور الورم، وبالتالي شرح سبب وجود هذه الطفرات في جميع المرضى تقريبًا نتيجة سرطان البنكرياس، كما أن تحديد عملية التحول النسيجي كجزء من الاستجابة التكيفية الفسيولوجية التي تحد من تلف الأعضاء يمهد الطريق لاستخدام المحفزات الدوائية لهذه العملية، لعلاج التهاب البنكرياس والوقاية من سرطان البنكرياس.

وعن خطواتهم المستقبلية يقول "فيالي": حددت مجموعتنا بالفعل فئاتٍ مختلفةً من الأدوية القادرة على تحفيز عملية التحول النسيجي في نماذج الفئران، ونعمل الآن على تعزيز هذه الملحوظات قبل السريرية، التي -إذا تم تأكيدها- ستمثل أول تدخل فسيولوجي لالتهاب البنكرياس الحاد الذي قد يغير مسار المرض بشكل جذري ويمنع تطور سرطان البنكرياس.