فرشاة، وبيضة، ومطحنة، وقليل من الحجارة المُلونة الموجودة في البيئة المحيطة، تلك كانت الأدوات التي استخدمها المصري القديم لتلوين الرسومات المنمقة المحفورة على جدران مقابر الملوك ومثوى الملكات الأخير، والتى لا يزال رونقها يثير الخيال ويسحر الألباب. فأما الفرشاة فهي أداة التلوين الأساسية، والبيضة كان زلالها يُستخدم لمنع عوامل الطقس من التأثير على الألوان قبل تمام جفافها، وأما الألوان الطبيعية فقد جاءت من حجارة جرى طحنها للحصول على أكاسيدَ معدنية، اكتشف الفراعنة خواصها وقدرتها على تلوين جدارياتهم.

وطيلة القرون التي تلت، اكتشف الباحثون المزيد والمزيد من خصائص أكاسيد المعادن. والآن، لا تكاد الصناعة تخلو من عمليات يدخل في تكوينها أكسيد معدني، سواء كعاملٍ حفاز، أو كعنصر أساسي في الصناعة ذاتها.

ومؤخرًا، نجح فريق بحثي في تطوير تقنية جديدة، تُعرف علميًّا بـالربط الجزيئي المتشابك molecular cross-linking، وذلك للتحكم في خواص أحد أكاسيد المعادن، وتحديدًا أكسيد معدن التيتانيوم، الذي يُعَد جزءًا أساسيًّا من الثروة التكنولوجية الحديثة.

ووفق البحث المنشور في دورية "نيتشر ماتريال" العلمية فإن التقنية الجديدة تعتمد على تطعيم أكسيد التيتانيوم -المسمى بالصبغ الأبيض- بطبقات من عنصر البورون المعروف بثباته الحراري وخواصه الإلكترونية الفريدة، وهو الأمر الذي غيَّر من الخواص الضوئية والإلكترونية والكيميائية لأكسيد التيتانيوم.

كان اكتشاف عنصر التيتانيوم، لأول مرة، عام 1791 بواسطة عالِم الكيمياء الإنجليزي ويليام جريجور، وبعدها بسنوات، جرت صناعة أول أكاسيده (ثاني أكسيد التيتانيوم TIO2) للاستفادة منها كعنصر مُبيض يُستخدم في معاجين الأسنان.

ويعد أحد أكاسيده، وهو ثاني أكسيد التيتانيوم مركَّب مُتعدد الأوجه، يُستخدم كحفاز ضوئي قوي يُمكنه تقريبًا كسر أي مركب عضوي حال تعريضه للشمس، وتسعى العديد من الشركات للاستفادة من تفاعلاته عبر تطوير مجموعة واسعة من المنتجات المفيدة بيئيًّا، فلذلك الأكسيد قدرة على تنظيف الأقمشة، وتنقية الهواء، وحتى تحطيم السموم التي تُنتجها الطحالب الملوِّثة للمياه، والعديد والعديد من التطبيقات الصناعية الأخرى كصناعات الحديد والإلكترونيات والكيماويات، وصولاً إلى صناعة مستحضرات التجميل والبطاريات والخلايا الشمسية وكذلك إنتاج الهيدروجين.

إزالة القيود والعقبات

وعلى الرغم من أهمية أكاسيد المعادن، إلا أن بعض خواصها الكيميائية تَحُدُّ من قدرتها في عمليات الصناعة والإنتاج. "نجحنا من خلال بحثنا هذا في إزالة بعض القيود"، تقول الباحثة المصرية "نهلة محمد"، التي تعمل بقسم الكيمياء في جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس الأمريكية، وأحد المشاركين في الدراسة، في تصريحات خاصة لـ«للعلم»، مشيرةً إلى أن التقنية الجديدة نجحت في التحكُّم في خواص تلك الأكاسيد.

فبفضل التقنية الجديدة، تمكَّن الباحثون من تعديل لون الأكسيد من الأبيض إلى الأسود، وهو ما رفع من كفاءة امتصاص الأشعة فوق البنفسجية وكذلك الأشعة الضوئية، وبالتالي حُسنت كفاءة أكسيد التيتانيوم في التفاعلات الضوئية بنسبة كبيرة.

جاء البحث الجديد بهدف الحصول على خواص إلكترونية ومجهرية جديدة لأكاسيد المعادن، كما تقول "نهلة"، التي تشدد على أن التقنية الجديدة ستُسهم في تعظيم الاستفادة من أكاسيد المعادن في الصناعات المختلفة.

فالمادة المُعدلة يُمكنها توصيل التيار الكهربي، بخلاف المعروف عن أكسيد التيتانيوم، إذ اكتشف الفريق البحثي أن الإلكترونات تسير بمعدل 4 مرات أسرع من العادي، وبالتالي، يُمكن استخدامها في تخزين الطاقة؛ إذ إن السعة التخزينية للمكثِّفات المصنوعة من أكسيد التيتانيوم المُطعم بالبورون تزيد بنحو 20 مرة مقارنة بأكسيد التيتانيوم العادي.

ووفق "نهلة"، واجه الفريق البحثي عددًا من المعوِّقات العلمية في أثناء إعداد المادة –الذي استغرق عامين كاملين- من ضمنها توصيف التركيب الإلكتروني لها؛ بسبب صعوبة الحصول على عينات بلورية منها، وكذلك تفسير سبب اللون الجديد الذي اكتسبه أكسيد التيتانيوم بعد التعديل.

قام بتنفيذ البحث فريق مكون من 29 باحثًا من 5 جامعات، تشمل جامعة القاهرة وجامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس وجامعة بردو ومختبر أرجون الوطني، علاوة على جامعة ولاية أورجون.

ووفق الإحصائيات، سيصل الاستهلاك العالمي لأكسيد التيتانيوم إلى نحو 7.8 ملايين طن متري عام 2022، سيجري استخدام تلك الكمية في العديد من التطبيقات، منها منتجات الطلاء والبلاستيك والأوراق والأحبار والأطعمة، علاوةً على معاجين الأسنان وإنتاج الهيدروجين.

غير أن هناك مشكلة ظلت قائمة فيما يتعلق بإسهام التقنية الجديدة في إنتاج غاز الهيدروجين، وهي أن الأشعة البنفسجية، التي تؤدي دورًا مهمًّا في توليده، تمثل 2% فقط من طاقة الشمس الضوئية، وهو ما يقلل قدرة أكسيد التيتانيوم، في حالته التقليدية، على إتمام هذه العملية بالكفاءة المطلوبة.

"تلك المُعضلة تم حلها بالفعل" يقول "ماهر القاضي" الباحث المشارك في الدراسة، في تصريحات خاصة لـ"للعلم"، مشيرًا إلى أن عنصر البورون عزَّز من قدرة أكسيد التيتانيوم على امتصاص أشعة الشمس، إذ إن المادة الجديدة لها كفاءة أعلى بنحو 25 ضعفًا من أكسيد التيتانيوم التقليدي. فعندما تتعرض المحفزات الضوئية التي اكتشفها الفريق البحثي لضوء الشمس، تُطلِق الأكسجين النشط، الذي يعمل بدوره على تكسير المركبات العضوية وتحويلها إلى مركبات بسيطة غير ضارة مثل ثاني أكسيد الكربون والماء نفسه، كما أن للمادة فاعلية ضد الكثير من السموم والملوِّثات الأخرى كالزرنيخ والبكتيريا والكيماويات الزراعية والمواد المُسببة لاختلال الغدد الصماء.

وعليه يُمكن استخدام المادة الجديدة أيضًا في تنقية المياه من الشوائب العضوية بسبب كفاءتها غير الاعتيادية في امتصاص أشعة الشمس، إذ يتم إضافة الأكسيد بكميات محسوبة إلى مياه الصرف الملوثة ليُكسر المواد العضوية في المياه عبر طاقة مُستمدة من أشعة الشمس ودون أي حاجة إلى مصدر طاقة خارجي، ويقول ماهر إن ذلك الأسلوب أوفر بكثير من الناحية الاقتصادية، فعنصر البورون متوافر في الطبيعة، ودمجه داخل أكاسيد التيتانيوم يتم بطرق صناعية موجودة بالفعل.

وتقول الإحصائيات إن هناك ما يقرب من ملياري شخص على مستوى العالم يفتقرون إلى مياه الشرب النظيفة نتيجة انخفاض إمدادت المياه وضعف أنظمة الصرف الصحي، وبالتالي، يُمكن استخدام تلك التقنية بوصفها حلًّا جديدًا ومبتكرًا لتوفير مياه شرب نظيفة وآمنة، وفق قول ماهر القاضي في تصريحاته لـ"للعلم"، مشيرًا إلى أن المادة يُمكن استخدامها لعمل فلتر صغير في حجم زجاجة مياه الشرب، تُستخدم كمرشِّح ومُكسِّر ومزيل لمسبِّبات الأمراض من البكتيريا والطفيليات الموجودة في مياه الآبار.

غير أن ذلك الأكسيد غير قادر على إزالة سموم أملاح الزئبق أو الكروم من المياه، كما أنه يحتاج إلى عمل فصل فيزيائي بعد إتمام التنقية، فالمادة الجديدة سوداء اللون، وتُؤثر على لون المياه من الناحية الفيزيائية فقط، ما سيدعو لفصلها بعد تنقية المياه.

إنجاز علمي مهم

ووفق الدكتور "إسلام فهمي"، الباحث في مجال الكيمياء بجامعة كونيتيكت الأمريكية، والذي لم يُشارك في الدراسة، فإن الطريقة الجديدة التي ابتكرها الفريق البحثي تُعَد إنجازًا علميًّا مهمًّا فى علوم المواد.

ويقول إسلام إن تلك الطريقة يمكنها تغيير بعض الخصائص المهمة للمواد النانوية أو إكسابها وظائف جديدة كليًّا، "من اللافت أن هذه الطريقة الفعالة غيرت خصائص ثاني أوكسيد التيتانيوم ليمتص -على غير عادته- الضوء المرئي، الذي يمثل حوالي 50% من الطيف الشمسي، مما ينبئ بزيادة فائقة في قدرة هذه المادة على حصد الطاقة الضوئية واستخدامها فى الخلايا الشمسية"، يقول فهمي، مشيرًا إلى أن ما يثير الانتباه ليس فقط قدرة هذه الطريقة المبتكرة على تغير الخصائص، لكن أيضًا سهولة الطريقة نفسها وثبات المواد الناتجة منها ومقاومتها لعوامل الحامضية والقاعدية ودرجات الحرارة المرتفعة.