أوصت دراسة أجراها فريق من الباحثين بكلية الزراعة في جامعة الإسكندرية باستخدام الزيوت المستخلصة من قشور الفواكه الحمضية (كالبرتقال والليمون) عوضًا عن المبيدات الحشرية الكيميائية؛ بوصفها بديلًا طبيعيًّا آمنًا وصديقًا للبيئة.

وأكد الباحثون في دراسة نشرتها دورية "بحوث المنتجات الطبيعية" أنهم جربوا نتائج البحث بعد استخلاص زيوت من قشور حمضيات أهمها "البرتقال"، وذلك لرخص ثمنه وتوافره، بحيث يمكن الاستفادة من تلك النتائج في الدول الفقيرة التي لا تملك إمكانية توفير المبيدات باهظة الثمن.

اعتمدت الدراسة على استخلاص ثلاثة أنواع من الزيوت الطيارة من قشور البرتقال، المعروف علميًّا باسم "سيتروس سينينسيس"، واليوسفي واسمه العلمي "ريتيكولاتا"، واليوسفي الصيني والذي يُطلَق عليه علميًّا اسم "ريتيكولاتا تشينيس بلانكو". وجرى تقييم فاعلية هذه الزيوت الطيارة على يرقات بعوضة "الكيولكس".

قبل أن يشرع محمد بدوي -الباحث الرئيس في الدراسة والأستاذ بقسم الكيمياء وتكنولوجيا مبيدات الآفات وقسم الصحة الاستوائية بكلية الزراعة، جامعة الإسكندرية- في الحديث عن تفاصيل البحث، يعود بنا سنوات إلى الخلف، وتحديدًا عندما ظهرت الحاجة إلى توفير بديل لمادة الـ"دي دي تي"، التي كانت تُستخدَم في مقاومة البعوض.

يحكي بدوي، في تصريحات لـ"للعلم"، أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل وصف اكتشاف مادة الـ"دي دي تي" بـ"إكسير الحياة" و"المركب المعجزة"، وعزا لها الفضل في ترجيح كفته إبان معركة العلمين بالحرب العالمية الثانية، وفق قوله، وذلك لقدرتها على القضاء على الحشرات الناقلة لمرض الملاريا الذي كان منتشرًا في مصر آنذاك، وحماية أرواح عشرات الآلاف من جنوده، وحسم معركة الانتصار على غريمه هتلر، مضيفًا أن التداعيات السلبية لتلك المادة على البيئة، والتي تمثلت في تأثيرها على جميع مظاهر الحياة البرية، دفعت الباحثين إلى البحث عن بدائل أخرى طبيعية، فاكتشفوا زهرة تسمى "البيرفرين" فيها مادة فعالة يمكن أن تُسهِم في القضاء على البعوض.

ويوضح أنه لم تكن هناك أي مشكلة في هذا النوع من المبيدات التي تعتمد على مواد فعالة طبيعية، ولكن المشكلة جاءت عندما جرى التصنيع معمليًّا بإضافة بعض المركبات الأخرى، وسمَّوا المادة الجديدة باسم (البيروثرويد)، والتي تم استخدامها في تصنيع كل المبيدات الموجودة في السوق حاليًّا. كان الاتجاه نحو "البيروثرويد"، المستمد من مصادر نباتية، أقل ضررًا من مبيد الـ"دي دي تي"، ولكن ظل لهذا المبيد تأثيراته السلبية على المدى البعيد، المتمثلة في حدوث تهيُّج بسيط للجلد والعينين، وبعض التأثيرات على الجهاز العصبي، فظهرت الحاجة إلى العودة للمصادر الطبيعية الخالصة.

يستطرد بقوله: "اتجه العلماء في مسعاهم نحو التخلص من البيروثرويد إلى استخدام النباتات الطبية والعطرية، ليكتشفوا أن في بعضها زيوتًا طيارة مبيدة للبعوض".

القضاء على اليرقة

تبدأ دورة حياة البعوضة بوضع بيضها على المسطحات المائية الراكدة، ويفقس البيض بعد يوم أو يومين، لتخرج يرقات تمر بعدة أطوار قبل أن تتحول إلى حشرة بالغة، وتمثلت الخطوة الأولى التي قام بها الباحثون للقضاء على اليرقات في استخدام كبسولات تُلقَى في المسطحات المائية.

يقول بدوي: جرى عزل ثلاثة أنواع من الزيوت الطيارة المستخرجة من حمضيات قشور اليوسفي والبرتقال واليوسفي الصيني، واختبار فاعليتها في مقاومة اليرقات، واكتشفنا أن لها تأثيرًا أكبر من النوعين الآخرين على اليرقات عندما يتم استخدامها بمعدل 32.84 مج/ لتر، وتم تحميل المادة الفعالة داخل كبسولات فيها مذيب عضوي، لاستخدامها مع المسطحات المائية.

لا تكمن أهمية الدراسة في الوصول إلى المادة الفعالة القادرة على مقاومة يرقات البعوض فحسب، لكن أيضًا في تقنية تصنيع المادة الفعالة داخل كبسولات باستخدام بوليمرات طبيعية تُبطئ من تطايُر الزيت ليبقى تأثيره مدةً أطول داخل المياه، وفق بدوي.

ووفقًا للدراسة، فقد استخدم الباحثون في التجربة قشورًا مجففة في الهواء، تشمل أنواع الحمضيات الثلاثة، وذلك بعد تقطيعها لأجزاء صغيرة يقدر كل جزء منها بـ100 جرام، ثم جرى استخلاص الزيوت باستخدام "مقطر مائي"، وبعدها جرى إخضاع المحلول للتجارب البيولوجية والبيوكيميائية، مع مراقبة أثره على يرقات البعوض على وجه التحديد.

وبعد تحليل هذه المستخلصات كيميائيًّا وُجد أنها غنية بالهيدروكربونات والـ"سيسكي تيربينز"، وهو ما يجعلها بديلًا جيدًا ومناسبًا لمكافحة البعوض، فمن خلال التجارب التي أُجريت لتقييم الزيوت على يرقات بعوضة الكيولكس، لاحظ الباحثون زيادة فاعلية الزيت المستخلص من قشر البرتقال بالمقارنة بكلٍّ من اليوسفي واليوسفي الصيني، فيما كان لزيت اليوسفي الفاعلية الأكبر ضد الحشرة الكاملة.

تجارب سابقة

في عام 2010، نجح محمود هاشم عبد القادر -أستاذ الكيمياء الضوئية، ورئيس الجامعة الألمانية بالقاهرة- وطارق الطيب -الباحث بالمعهد القومي لعلوم الليزر بجامعة القاهرة- في ابتكار تقنية لمقاومة البعوض عن طريق قطع دورة حياتها.

وحققت التجارب الحقلية التي تضمنتها الدراسة -والتي أُجريت في ثلاث دول أفريقية هي السودان وأوغندا وإثيوبيا- قدرةً كبيرةً في القضاء على يرقات البعوض المسبب للملاريا، بالإضافة لعدم تأثيره على البيئة.

واستخدم الباحثان في البحث مواد طبيعية من مشتقات الكلوروفيل وضوء الشمس، وتمكنا من القضاء على يرقات بعوض "الأنوفيليس" الناقل للملاريا، وكذلك على نواقل داء الفيل (الفيلاريا) وحمى الضنك، وهما بعوضتا "الكيولكس" و"الأيديس".

يقول محمد رجائي عبد الفتاح -أستاذ الحشرات بالمركز القومي للبحوث- لـ"للعلم" إنه "سبق أيضًا إجراء تجارب ناجحة على مقاومة البعوض والذباب والنمل، اعتمادًا على المستحثات الضوئية التي يمكنها القضاء على الحشرات من دون أية أخطار على البيئة أو الإنسان. وتؤدي المركبات الناجمة عن استخدام المستحثات الضوئية إلى توليد نوع نشط من الأكسجين يختلف في صورته الإلكترونية عن الأكسجين العادي، ما يقود إلى حدوث عمليات أكسدة للعديد من مكونات خلايا الحشرات وموتها في مدة قصيرة.

أُجريت تجارب عملية على هذا النهج في إحدى القرى السياحية بمنطقة الغردقة على ساحل البحر الأحمر في مصر، وثبت نجاح هذا الأسلوب في القضاء على حشرات البعوض والذباب والنمل في محطة معالجة مياه الصرف الصحي وخزانات الري وغيرها من الأماكن كغرف جمع القمامة داخل هذه القرية السياحية، وفق عبد الفتاح.

وأوضح أن هذه المستحثات الضوئية عبارة عن مواد طبيعية تتأثر بموجات الضوء، وينتج عن هذا التفاعل نوع الأكسجين النشط الذي يقاوم الحشرات الضارة ويقضي عليها تمامًا، مشيرًا الى أن حشرة الخنفساء الحارقة (تُعرف أيضًا بالخنفساء قاذفة القنابل) والذبابة البيضاء يمكن استخدامهما كمستحثات طبيعية؛ نظرًا لقدرتهما على إنتاج هذا الأكسجين في حالة وجود الضوء عند مواجهة أية أعداء لها في الطبيعة.

وعن كيفية تأثير تلك المنتجات على البعوض وعدم ترك آثار سلبية على الإنسان، يقول خالد عبد الوهاب -أستاذ الصحة العامة بكلية الطب بجامعة المنوفية- لـ"للعلم": "هناك ما يسمى بـ"أسلوب الاختيارية"، إذ يتم تصنيع مبيد بتركيزات معينة لاستهداف البعوضة، بينما لا يؤثر المبيد ذاته بالتركيز نفسه على الإنسان، وهو أمر يشبه استخدام مبيد لحماية محصول القمح من أنوع معينة من الحشائش، في حين أن استخدام المبيد نفسه مع الفول قد يؤدي إلى حدوث نتائج سلبية".

يضيف عبد الوهاب أن "الجهاز العصبي للبعوضة مكشوف، ولا وجود لأي حواجز تمنع وصول المادة الفعالة إليه، وهو ما يؤدي إلى القضاء عليها، بعكس الإنسان الذي لديه حواجز تحميه من وصول تلك المادة الفعالة إليه".