رغم أن حجمها يبدو صغيرًا للغاية إلا أنها ملهمة كبيرة؛ وصف ينطبق على حشرة "التربس"، وهي من الحشرات الدقيقة التي لا يتجاوز طولها ملليمترين، ولا يزيد حجمها على أربعة أضعاف سُمك الشعر البشري.

وتُعرف هذه الحشرة الصغيرة بقدرتها التدميرية الهائلة للحدائق وحقول الخضر والفاكهة؛ إذ يمكنها التهام ما تقع عليه من نباتات، لكنها تحولت مؤخرًا إلى مصدر إلهام للباحثين لتصميم الروبوتات فائقة الدقة وتطويرها.

وعلى عكس آليات الطيران عند كثير من الحشرات الكبيرة والطيور، وحتى الطائرات، لا تعتمد حشرة "التربس" على قوة الرفع (التي تؤثر على الجسم المتحرك) من أجل التحليق، بل تعتمد على آلية طيران تقوم على قوة السحب، التي تتيح لها التحليق لمسافات طويلة وفقًا لسرعة التيارات الهوائية، واستنادًا إلى حجم أجنحتها، إذ تكون الرياح أقوى نسبيًّا عندما تكون الحشرة صغيرةً ذات أجنحة يمكن قياسها على نطاقات دقيقة للغاية.

ففي مثل هذا الحجم الصغير، يمكن ملاحظة أن دوامة التوجيه التي تتولد عن حركة الأجنحة تكون معطلة، أو لا تعمل على النحو المطلوب، ولذلك فقد يتم توليد القليل من قوة الرفع.

من جهته، يُرجع "يون جانج جيانج"-مؤلف الدراسة- السبب وراء ذلك إلى قانون "عدد رينولدز" (Reynolds Number)، الذي يمثل النسبة بين قوى الجمود واللزوجة في السائل، وكذلك في الهواء، وفق تصريحاته لـ"للعلم".

وبينما أكدت دراسات سابقة، استندت إلى بعض النماذج، اعتماد الحشرات الصغيرة على قوة السحب كآلية للطيران، إلا أن تلك النماذج لا تفي بالمعايير البيولوجية، إذإن جناح حشرة "التربس" قد يحتوي على ما بين 45 و120 شعيرة بارزة تمتد من الغشاء الخارجي للجناح. وعلى الرغم من التطور المتزايد للأنظمة الكهروميكانيكية فائقة الدقة، فقد خضعت الدراسات السابقة لحسابات غير دقيقة لقياس قوة السحب، نظرًا إلى أنها لم تتضمن أطوال تلك الشعيرات أو زواياها أو عددها.

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية "جورنال أوف أبلايد فيزيكس" (Journal of Applied Physics)، "الثلاثاء"، 10 ديسمبر، فقد أجرىالباحثون أول اختبار لقوة السحب على جناح حشرة "التربس" في أثناء تعرُّضها لتدفُّق ثابت للهواء في نفق للرياح تم إعداده خصوصًا للتجربة، واستنادًا إلى الخبرة في مجال التصنيع الدقيقة، لجأ "جيانج" في تجربته إلى لصق جناح الحشرة بجهاز دقيق للاستشعار الذاتي، يعتمد على استخدام مقاومات الضغط في إجراء قياسات الجهد، التي يمكن من خلالها حساب قوة السحب على الجناح.

اعتمدت الدراسة على تحديد الخصائص الهوائية الديناميكية لأجنحة الحشرة، إذ أمكن عن قرب اختبار مقدار الهواء المتسرب عبر الشعيرات البارزة على الأجنحة، وكيف يؤثر هذا التسريب في تدفق الهواء على قوة السحب لكل وحدة مساحة من السطح الخارجي للجناح.

وعن النتائج التي توصلت إليها التجربة، يقول "جيانج": "إن تصميم سطح طبيعي يتميز بالخشونة، يمكن أن يكون مفيدًا في تصميم روبوتات دقيقة يمكنها الطيران أو السباحة، بالإضافة إلى تصميم أجهزة الاستشعار المستخدمة في الأوساط السائلة أو الغازية، إذ تساعد النتوءات البارزة في هيكلها الخشن على زيادة حساسيتها".

وأكد "جيانج" أن النتائج التي توصلت إليها الدراسة يمكن أن تساعد في تطوير روبوتات طائرة صغيرة، مضيفًا أن "أحجام الروبوتات الحالية يتم قياسها بالسنتيمتر، وفي حالة تطوير روبوتات طائرة أكثر دقةً بمقياس الملليمتر، فإن آلية الطيران بقوةالرفع تصبح أقلَّ كفاءة، ومن هنا تظهر الحاجة إلى تصميمها بحيث تعتمد على قوة السحب في الطيران".

ويخطط مؤلفو الدراسة لإجراء مزيد من التجارب، باستخدام أجهزة استشعار ذاتية أكثر دقةً؛ لدراسة آلية الطيران عند حشرة "التربس"، ودراسة حركة الأجنحة، متضمنةً زاوية الهجوم، والزوايا المختلفة التي يمكن للحشرة أن توجه إليها أجنحتها، وقياس مدى تأثير ذلك على قوة السحب في أثناء التحليق.