وصفت دراسة حديثة نشرتها اليوم مجلة "نيتشر" التسلل الجينومي الكامل لخمسة من البشر البدائيين الذين يُعرفون باسم "إنسان نياندرتال المتأخر"، والذين عاشوا قبل 39 ألفًا إلى 47 ألف سنة.

وتُعَد الدراسة الأولى من نوعها التي تصف التسلسل الجيني لمجموعات من إنسان النياندرتال المتأخر، والتي انتشرت في الماضي على مستويات جغرافية متعددة وواسعة.

وكشفت مقارنة الجينومات الخمسة تحولًا في معدل دوران السكان، والذي يُعرّف بالتحركات الإجمالية التي تصف عدد الأشخاص الذين ينتقلون من منطقة إلى أخرى بالنسبة لعدد السكان.

وأشارت الدراسة إلى أن "هجرة إنسان النياندرتال المتأخر تزامنت مع التقلُّبات المناخية الحادة التي حدثت في الفترة ما بين 60 إلى 24 ألف سنة؛ إذ ساد البرد القارس شمال أوروبا، وتسبَّب في انقراض معظم سكان المنطقة، فيما هاجر الناجون إلى جنوب أوروبا وغرب آسيا".

ووجدت الدراسة أن هناك علاقة جينية بين الأشخاص الخمسة الذين فُحصت عيناتهم، تتمثل في وجود سلف مشترك فيما بينهم، عاش في سيبيريا قبل نحو 150 ألف سنة. كما أكدت وجود صلة بين إنسان النياندرتال والإنسان الحديث "هوموسابينز".

عاش إنسان النياندرتال قبل نحو 430 ألف عام، ويُقسم العلماء ذلك النوع إلى ثلاث فئات فرعية: إنسان النياندرتال المبكر الذي عاش في الفترة ما بين 430 ألف سنة إلى 130 ألف سنة، وأعقبه إنسان نياندرتال الكلاسيكي الذي عاش في الفترة ما بين 130 ألف سنة إلى 47 ألف سنة، ثم إنسان النياندرتال المتأخر الذي عاش ما بين 47 ألف إلى 28 ألف سنة.

ولم يكُن يُعرف إلا القليل عن التنوع الجيني لإنسان نياندرتال، أو العلاقة بينه وبين الإنسان الحديث، والذي طالما قالت الدراسات إن هناك احتكاكًا حدث بينهما قبل اختفاء النياندرتال في نهاية المطاف.

اكتُشِفت أول حفرية لإنسان نياندرتال عام 1856 بقرية "نياندر" بألمانيا، ومن هنا اكتسب اسمه، إذ إن المقطع الأول يُشير إلى اسم المكان الذي اكتُشف فيه، أما المقطع الثاني (تال) فيعني (قرية) بالألمانية، ويُعد النياندرتاليون المجموعة الشقيقة لجميع البشر المعاصرين، وقد كشفت دراسات سابقة عن مقارنات للجينوم البشري مع جينات النياندرتال، في خطوة أدت إلى تحديد سمات جينية للبشر الحاليين.

لكن الدراسة الحالية هي الأولى من نوعها التي تكشف عن العلاقات الوراثية بين عدد من النياندرتاليين الذين عاشوا في نطاقات جغرافية مختلفة.

وفحص العلماء خمس عينات وجدوها في أماكن مختلفة، تشمل عظامَ فخذ أيمن وُجدت في بلجيكا، وضرسًا أيمن علويًّا، وشظيةً من الفك عُثِر عليها في منطقة أخرى ببلجيكا، وضرسًا في فرنسا، وقطعةً صغيرةً من العظام وجدت في كرواتيا، علاوةً على جزء من رضيع نياندرتالي عُثر عليه في القوقاز الروسية.

 

 
M. Soressi/S. Schatz

واستخرج الباحثون نحو 58 مليجرامًا من مسحوق العظام والأسنان، وعالجوها بمحلول هيدروكلورين (بتركيز 0.5%) لإزالة تلوُّث الحمض النووي البشري والميكروبات.

تقول ماتيجا هاجتنجاك -الباحثة في مجال التطور بمعهد ماكس بلانك لعلم الإنسان التطوري، والمؤلفة الرئيسية للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الفريق البحثي فحص أكثر من 21 موقعًا، واختار في النهاية 78 عينةً من شظايا عظام وأسنان النياندرتال على مدى ثلاث سنوات كاملة، غير أن ضعف الحمض النووي الداخلي لتلك العينات، علاوةً على تلوُّثها بالحمض النووي للبشر والميكروبات الحديثة شكل تحديًا كبيرًا للدراسة"، مؤكدةً أن "استخدام محلول الهيدروكلورين أَسهَمَ في فصل الأحماض النووية عن الملوثات".

 

وتضيف أن "النتيجة الأهم على الإطلاق تتمثل في اكتشاف حدوث اختلاط جيني بين البشر الحاليين وإنسان النياندرتال في الفترة ما بين 90 ألف سنة إلى 150 ألف سنة". 

 
M. Hajdinjak

وتشير الباحثة إلى أن الخطوة التالية فحص أفراد أكثر من النياندرتال، على مدى جغرافي وزمني أوسع، موضحةً أنهم "كانوا موجودين في أوروبا في الفترة ما بين 430 ألف سنة مضت وحتى 39 ألف سنة، وهي فترة ضخمة تحتاج إلى مزيد من الأبحاث وكثير من المجهود".

يُذكر أن الدراسة نفذها فريق متعدد الجنسيات من معهد ماكس بلانك لعلم الإنسان التطوري في ألمانيا، والأكاديمية الصينية للعلوم، ومدرسة طب هارفارد، وجامعة بيركلي ومعهد الأنثروبولوجيا بجامعة كاليفورنيا، وجامعة بردو الفرنسية والكلية الملكية لعلوم الطبيعة في بلجيكا.