نشأت من جذع ضُرِب بإعصارين متواليين في العامين 1884 و1886، فتضرَّر الجذع بشدة وغزته الفطريات، صار مريضًا ومُمْرِضًا لما ينبُت منه، فتم بتره عام 1925 ولم تمُت الشجرة ببتر هذا الأصل، بل واصلت نموها العظيم، فهي، منفردة، تشغل مساحة 4.67 فدادين، أي ما يقارب 20000 متر مربع، تبدو من مَبعدة وكأنها غابة من آلاف الأشجار المتشابكة أغصانها، وتلوح لمَن يقف تحتها كتعريشة خضراء مترامية، تقوم على 3772 مما يحسبه كثيرون جذوعًا لأشجار عديدة، بينما هي جذور هوائية للشجرة نفسها. وبكل تلك الأرقام استحقت أن توصف بأنها "شجرة البانيان العظمى بكولكاتا" Kolkata’s Great Banyan Tree، ونالت -عن جدارة- مكانًا في موسوعة جينيز للأرقام القياسية، لكونها الشجرة التي تفترش وحدها أعرض مساحة بين كل أشجار العالم. لكنها وبرغم هذا كله، تُصنَّف ضمن نوع من أشجار التين يُسمَّى "التين الخناق" Strangler fig؛ لأنه ينشأ نبتةً متطفلة على فرع شجرة مُضيفة، وما إن يشتد عوده، حتى يحيط بالشجرة التي استضافته ويغطيها تمامًا، فلا يصلها ضوء الشمس، ولا الهواء الطلق، كما تعزل جذورُه جذورَها فلا تصل إليها مغذيات التربة، أو المياه الجوفية، فتموت، وتتحول إلى هشيم في جوف التينة "الخناقة"!
إشكالية لا تستثني العلماء
     اللمحة غريبة، والتفاصيل أغرب، والتسمية البشرية لا تعكس عمق الاستغراب لسلوك هذه الشجرة وحسب، بل تُسقِط عليها صفةً جنائيةً من عالم البشر، تتضمن إشانة الجحود وإجرام القتل بالخنق. وهي قضية بدأ الانتباه العلمي إلى تناقضاتها مؤخرًا، وفي نطاق محدود، يبرز منه ذلك المؤتمر الذي نظمه في سبتمبر 2010 مركز بحوث السلوك التطوري للحيوانات الاجتماعية بجامعة كوبنهاجن، وحضره حشد من علماء الأحياء؛ لمناقشة إشكالية إسباغ الصفات البشرية على الكائنات غير البشرية، وهو أمرٌ شائعٌ بين عموم الناس، وينتهجه حتى العلماء في أحيان كثيرة، ومثال ذلك وصف مجتمعات الحشرات الاجتماعية بأنها تتوزع بين "ملكة" و"جنود" و"شغالة"، ووصف الأسود في زمراتهم بأنهم "ملوك" يهيمنون على "حريم". وهي أوصاف تنطوي على أحكام تدمغ أو تُبجِّل -بانطباعات بشرية- كائنات غير بشرية، مما قد يضلل دقة المعرفة بطبيعة هذه الكائنات، وما يترتب على هذا التضليل المعرفي من أحكام قِيَمية، تستَجِرُّ في أعقابها إجراءات تفتقر إلى بُعد النظر.
   قضية مزمنة، حذَّرَنا منها علماء الأحياء التطورية خصوصًا، ومنهم ثيودوسيوس دوبجاتسكي الذي صرح عام 1973 بأنه "لا شيء في علم الأحياء يكون منطقيًّا إلا عبر مفاهيم النشوء والتطور evolution"؛ فهذه المفاهيم تكشف عن تواصل العلاقات بين الظواهر التي تبدو منفصلةً في التاريخ الطبيعي للكائنات الحية، فتوافر معارف تفسيرية متماسكة تصف مبررات سلوك كل كائن في ضوء ظروف نشوئه وتطوره، يُظهِر حقائق جديدة منطقية في فهم سلوك كل كائن باعتباره نتيجةً تراكمية لمواجهة تحديات بيئية، من أجل البقاء واستمرار النوع. وقد طرح "دوبجانسكي" مبدأ "التكيف" كأداة تطورية لصياغة سلوك الكائنات في صراع البقاء، سواء باكتساب صفات جديدة تواجه التحديات المُهلِكة، أو فقدان صفات نقيضة تُيسِّر الهلاك في مواجهة تلك التحديات، وعبْر هذه الصفات الجديدة المتكيفة بكفاءة مع تحديات البقاء، وتبعًا لمنطق "الاصطفاء الطبيعي" تنجو الكائنات الحية وتواصل الحياة والتكاثر، وعبر آلاف وحتى ملايين السنين تتحول هذه السمات الظاهرية المُكتسَبة إلى صيغ في الجينات ترثها الأجيال المتتالية من النوع المتطور.

credit: McKay Savage/ CC BY 2.0 تقوم الشجرة على 3772 مما يحسبه كثيرون جذوعًا لأشجار عديدة، بينما هي جذور هوائية للشجرة نفسها

زحام يحجب ضوء الشمس

     بتطبيق ما سَلف على أشجار البانيان وكل شبيهاتها الموصوفة بأنها من التين "الخناق"، نبدأ من الطبيعة الأولى لأشجار التين عمومًا، فقد نشأت منذ 80 مليون سنة عندما كانت الديناصورات لا تزال تتجول في كوكبنا، وكانت هذه الأشجار نوعًا من نباتات الغابات المطيرة قبل أن تتكاثف وتزدحم، فكانت التينات تجد لنفسها مساحةً كافيةً من الأرض يصل إليها ضوء الشمس، فتنبت وتشُب وتنمو بارتياح، وتتمكن من القيام بعملية البناء الضوئي التي بها تتنفس وتحصل على الطاقة اللازمة لمواصلة حياتها، وبعد أن تنضج وتتهيأ للتكاثر تعتمد على الريح التي تجري في براح تلك الغابات الأولى لتنثر بذورها وتنشر من جنسها تينات جديدة. ولكن، مع التكاثف العددي الجامح لأشجار هذه الغابات، لم تعد هناك مساحات كافية من الأرض يغمرها ضوء الشمس بين جذوع الأشجار العملاقة، وحتى لو استطاعت تينة أن تجد لها مكانًا نادرًا لتنمو وتشرئب وتصل إلى ضوء الشمس، فإن كثافة الغابة المطيرة المزدحمة تحبس عنها الريح التي تحمل بذورها وتنشر نسلها، فيوشك أن ينقرض التين، لولا ثمار بعض أنواعه المتسمة بلونها الجذاب وحلاوة الطعم ونعومة اللحم، فهذه نجحت في اجتذاب حيوانات مختلفة، على رأسها الطيور، تأكل منها، وتصمد بذورها في أمعائها، لتلفظها أخيرًا حيث تقع، لتُنبِت أشجارَ تين جديدة في أماكن مُتاحة، يبلغها ضوء الشمس. فماذا يحدث لبذور التين التي تلفظها أمعاء الطيور والحيوانات على بقع من الأرض لا يصل إليها ضوء الشمس؟

 لتواصل نموها الطموح والمتسارع

     في غياب ضوء الشمس عن بقع تُلقِي عليها الطيور ما في بطنها من بذور التين، لا تنمو النبتة ولا تثمر. لكن بعض البذور تُسقطها بطون الطيور على أفرع عالية لأشجار سامقة في الغابة المطيرة المزدحمة، وهذه لارتفاعها تنال وفرةً من ضوء الشمس، فتتوافر للبذور المحاطة بفضلات الطيور كل ما يلزمها للإنبات، سماد طبيعي يلين قشرتها فتتفتق عن نبتة، تمد جذورها البكر فيخترق بعضها لحاء الفرع الذي تعتليه، وما إن تُلامس نسغ الفرع المضيف، حتى تجمح نبتة التين في النمو، فجذورها تَنْهَلُ من مَدَد المغذيات الجاهزة، وأوراقها تمتص طاقة ضوء الشمس السخية. لكن هذه الشروط وحدها لا تضمن الاستمرار، فما تناله نبتة التين من نسغ فرع الشجرة المضيفة لا يكفي لتواصل نموها الطموح والمتسارع، وهنا ترفد نبتة التين بعض جذورها لتتدلى باتجاه الأرض على شكل حبال نباتية، ما إن تبلغ التربة حتى تنغرس فيها وتغوص، تمتص مغذياتها وترتوي من المياه الجوفية التي تسحبها نحو السطح، فتنمو بعنفوان، تمد فروعًا أفقية ترفد المزيد من الجذور الهوائية فتنال وفرةً من الغذاء والماء، وتواصل النماء والسموق والاتساع، فيحل المشهد القاسي في صراع البقاء.

     إن بعض الجذور الهوائية للتينة التي نشأت معلقةً على فرع شجرة مضيفة، تهبط على جذع هذه الشجرة، وما إن تصل هذه الجذور إلى الأرض فتتغذى وترتوي بوفرة حتى تسمُك وتلتحم، تتحول إلى درع محكم يحيط بالشجرة المضيفة إحاطةً تامة، فلا تجد المضيفة هواءً تتنفسه ولا ضوءَ شمس يمدها بقوة البقاء، وحتى جذورها يتم عزلها بشبكة جذور التينة القوية المتواشجة بإحكام. تهيمن شجرة التين على كيان مضيفتها، فتذوي هذه وتموت، تجف فتصير هشيمًا، ثم تتهاوى رمادًا في القلب الهائل للتين "الخناق" الذي يظهر خاويًا عند رؤية الشجرة من أعلى. أليس خناقًا بالفعل، وبقسوة قاتلة؟

في البيئة البرية تختلف الأمور

     للإجابة عن هذا التساؤل الاتهامي بمنطق عادِل، يتحتم أولًا: التنبيه إلى أن هذه كائنات ليس لديها هامش اختيار كالبشر، بل هي خاضعة لبرنامج حاكِم ومُحكم من أجل البقاء والنماء والتكاثر حفاظًا على النوع. ثانيًا: إن الصراع من أجل البقاء في الحياة البرية، والبيئات الفطرية، محكوم بقانون تعويض، أو ضرائب، يحتِّم على كل نوع أن يقدم مقابل منحة الحياة، ما يعزِّز تكافل وتكامل شبكة الحياة والأحياء من حوله، وهذا القانون يقول: "لا أخذ من دون عطاء"، وشجرة التين البنغالي كما غيرها من "الخنَّاقات"، يدفعن الكثير والوفير، لدعم نسيج شبكة الحياة في بيئتهم، وإعانة أنواع عديدة من الأحياء على مواصلة الحياة، من الدبابير، والطيور، والخفافيش، والرئيسيات، والبشر -المرجح أن أدمغتهم قد كبرت وتطورت بفضل ثمار التين الغنية بالطاقة وسهلة الأكل في الوقت نفسه، سواء التين البري أو الذي زرعه الإنسان في وقت مبكر، فالتين يُعدُّ من أوائل النباتات التي دجنها الإنسان، وكان يمثل الدعامة الأساسية للزراعة في الحضارات القديمة، ويُحكى أن قدماء المصريين دربوا القرود على تسلق أشجاره لحصاد ثمارها، وكانوا يجففونها ويأخذونها إلى قبورهم للحفاظ على حيوية أرواحهم في رحلتهم إلى الحياة الأخرى، كما كانوا يعتقدون أن حتحور إلهة الأمومة والطفولة والحب، ستَخرج لهم من شجرة تين أسطورية لترحب بهم في الجنة. ولم تكن تلك إلا لمحة تقدير لهذه الشجرة، لا تخلو منها ديانة سماوية أو وضعية، وصار علماء البيئة يشددون عليها، الآن.

Credit: Biswarup Ganguly/ CC BY 3.0

شجرة الماضي والحاضر والمستقبل

     في كتابه "سلالم إلى الجنة" Ladders to heaven الصادر في المملكة المتحدة في سبتمبر 2016  والمكرس للدفاع عن أشجار التين لكونها "تشكل تاريخنا، وتغذي أخيلتنا، وتُثري مستقبلنا" -كما يقول العنوان الفرعي للكتاب- يتوصل عالم البيئة والكاتب العلمي الإنجليزي "مايك شاناهان" الحاصل على الدكتوراة في بيئة الغابات المطيرة، إلى أن أشجار التين، ومنها أشجار "بانيان" أو التين البنغالي التي تنتسب إليها شجرتنا العظمى، أدت وتؤدي دورًا مركزيًّا للحفاظ على صحة البيئة الفطرية والتنوع الحيوي، فهي، وعن طريق شبكة جذورها المتسعة والمتماسكة، تُثبِّت التربة وتمنعها من الانزلاق عند وقوع الأعاصير، وعن طريق هذه الجذور تستجلب المياه الجوفية إلى السطح فترطب التربة لتزيد حيويتها. وبنموها المتوسع تمنح أشجارُ التين الغذاء والظل والمأوى لأكثر من 1200 نوع من الكائنات النباتية والحيوانية، من الطحالب والكائنات الدقيقة والديدان إلى الدبابير التي تحمل إليها حبوب اللقاح وصولًا إلى الحيوانات التي تأكل ثمارها فتنشر بذورها، طيورًا، وخفافيش، وقردة، وقوارض، ونحن!

     إن أشجار التين التي تنتمي إليها شجرتنا العظمى وقد طورت عبر ملايين السنين منظومةً من السمات الذكية وشديدة البأس تُبقيها على قيد الحياة في مواجهة تحديات بيئية قاتلة داهمتها مع تكاثف أرض نشأتها الأولى في الغابات المطيرة، صارت بهذا الذكاء وشدة البأس أملًا لإنقاذ بيئة الأرض التي تتخرب مناخيًّا بفعل النشاط البشري الجائر والكوارث الطبيعية، ومثال ذلك ما تشهد به الآن فوهات براكين جزيرة "كركواتا " في الأرخبيل الإندونيسي؛ إذ تُرى أشجار التين وقد صارت تغطي محيط هذه الفوهات بكثافة، بعد أن أباد ثوران هذه البراكين عام 1883 كل نبتة وكل حي حولها، وقد كررت أشجار التين هذا التعافي "الدراماتيكي" للبيئة بعد ثوران تدميري لبراكين "لونج أيلاند" في الساحل الأسترالي، وهو ما استلهمه العلماء المُؤرَّقون بالعواقب المنذرة لتدمير البيئات الفطرية وتغير المناخ، فتحول إلى نداء علمي لاحترام أشجار التين -خناقة وغير خناقة- والإكثار من زراعتها لتنقذ آخر ما يمكن إنقاذه. فهل هي -بكل ما سلف- مُجرِمة أم مُلهِمة؟