البشر هم أكثر الكائنات قدرةً على استخدام الطبيعة المحيطة بهم وما تقدمه من مساعدات خارجية -مثل أدوات الكتابة وبرامج الكمبيوتر- في حل المشكلات المعقدة التي تواجههم.

ومن هنا تأتي أهمية الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر هيومن بيهيفير" (Nature Human behavior)، التي شددت على أن "الذكاء لا يعتمد فقط على معالجة المعلومات داخل الدماغ، بل يعتمد أيضًا على استخدام الشخص للبيئة المحيطة به (مثل برامج الكمبيوتر والأدوات التي تساعد على التعامل مع المعلومات كالورقة والقلم)، باعتبارها أدوات خارجية تساعد الذاكرة العاملة على التعامل مع المشكلات الحياتية اليومية".

وأوضحت الدراسة، التي أجراها فريق بحثي هولندي-بريطاني مشترك، أن "المشكلات التي يواجهها الشخص تتجاوز سعة الذاكرة العاملة بشكل منتظم، وتجبر الأفراد على تفريغ ذاكرتهم والرجوع إلى البيئة المحيطة بهم كأداة معالجة وسيطة لحل المشكلات، مما يخفف من وطأة عمليات المعالجة الداخلية التي تحدث في الدماغ وتساعد الشخص على استخلاص مزيد من الاستنتاجات المعقدة لفك طلاسم المشكلات المختلفة".

يقول "برونو بوكانيجرا" -الأستاذ المساعد بقسم العلوم التربوية والطفل في جامعة "إيراسموس روتردام" بهولندا وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الذكاء البشري لا يكمن فقط داخل الدماغ، ولكنه يكمن أيضًا في التفاعل بين الدماغ وبيئته الخارجية، وبالرغم من أن هذه الفكرة ليست جديدة، إلا أننا نقدم دليلًا تجريبيًّا كميًّا مهمًّا لها، ونهجًا منهجيًّا للأبحاث المستقبلية".

ويضيف أنه "بالرغم من أن العمليات المعرفية الخارجية قد جرت دراستها مؤخرًا فيما يخص الإدراك، والانتباه، والذاكرة، إلا أنها تظل غير مكتشَفة نسبيًّا فيما يتعلق بالذكاء السائل، والذي يعني القدرة على تحليل المشكلات وتحديد أنماطها والعلاقات التي تستند إليها، واستقرائها باستخدام المنطق".

يبرهن "بوكانيجرا" على وجهة نظره قائلًا: سواء كان الشخص عالِمًا يقوم بتأليف وإعادة ترتيب المعادلات والمخططات، أو صيادًا يضع خطةً للصيد عن طريق تحديد المواقع، فإنه ينبغي عليه فهم المدى الكامل للأداء الفكري البشري، وأن يعتمد على توسيع نظرته لتشمل عملية تخزين المعلومات الخارجية ومعالجتها.

استخدم الباحثون في دراستهم اختبارات مصفوفة "ريفن"، وهو أحد أكثر مقاييس الذكاء الجماعية غير اللفظية استخدامًا فيما يتعلق بقياس الذكاء، وصمموا برنامجًا حاسوبيًّا لعقد مقارنات بين البيانات والأرقام التي توصلوا إليها والتنبؤ بالتحصيل الدراسي لطلاب الجامعات الذين اشتملت عليهم الدراسة.

وأجرى الباحثون دراسةً تفرعت إلى تجربتين وفق عينة البحث، الأولى شملت 211 طالبًا من جامعة "لايدن"، وضمت 156 من الإناث و55 من الذكور بمتوسط عمر بلغ 21.4 عامًا، بينما شملت التجربة الثانية 284 طالبًا من جامعة "إيراسموس" (236 طالبة مقابل 48 طالبًا) بمتوسط عمر بلغ 20.4 عامًا.

وخضع أفراد التجربتين لاختبار مصفوفة ريفن بطريقتين: الأولى تألفت من اختبارات الذكاء التقليدية، والثانية من اختبارات ذكاء اعتمدت على البرنامج الحاسوبي الذي تم تصميمه.

يقول "بوكانيجرا": في الاختبار التقليدي، كان على المشاركين تفحُّص مجموعة الأرقام وتحديد الرقم المفقود دون أي مساعدة خارجية، أما في الاختبار غير التقليدي، فكان على المشاركين فرز هذه الأرقام في الجدول باستخدام "فأرة الكمبيوتر"، ثم اختيار الرقم المفقود من بين ثمانية بدائل، وأشارت نتائج التجربتين إلى أن البرنامج الحاسوبي الذي قمنا بتصميمه كان بمنزلة عامل مساعد استعان به المشاركون كأحد العوامل الداعمة لعمل الذاكرة العاملة.

ويأمل "بوكانيجرا" أن تساعد نتائج الدراسة في الحصول على منظور جديد وأكثر عمقًا وسعةً للذكاء البشري، على حد وصفه.