"لا يكتمل العمل العلمي، حتى يتم توصيله".. بتلك الكلمات عبَّر "مارك ولبورت" الذي شغل منصب كبير المستشارين العلميين للحكومة البريطانية عن أهمية مشاركة الأكاديمين في توصيل العلوم وتبسيطها للعامة، مشددًا في عدة محافل على أن توصيل العلوم للجمهور العام، يجب أن يحتل جزءًا أساسيًّا من عمل الأكاديميين في شتى مجالات العلوم.

في عام 2015، وقبيل انطلاق موسم الانتخابات الرئاسية الأمريكية الثامنة والخمسين، تنبأت "جانيت نابوليتانو" رئيسة جامعة كاليفورنيا الأمريكية في مقالها المنشور في موقع "ذا كنفرزيشن-The conversation" تحت عنوان "لماذا نحتاج إلى المزيد من العلماء في الساحة العامة؟"، بأن الجدل حول القضايا العلمية لن يشغل حيزًا مهمًّا في تنافس المرشحين، مسوِّغةً ذلك بضعف مشاركة الأكاديميين في القضايا العامة.

الوضع -ربما- أسوأ في العالم العربي؛ بسبب ندرة مبادرات "تبسيط العلوم" عامة، ويشير "نضال قسوم" -وهو أستاذ الفيزياء الفلكية في الجامعة الأمريكية بالشارقة- إلى أن مشاركة الأكاديميين في توصيل العلوم للجمهور العربي واجب ومسؤولية ضرورية، لما لها من أثر مجتمعي بارز، إلا أن "تبسيط العلوم لا يحظى باهتمام كبير عند الأكاديميين؛ لوجود عدة عقبات"، على حد قوله.

بدأ "قسوم" مساره في "توصيل العلوم" منذ ما يزيد على 20 عامًا، ولقناته "تأمل معي" لتبسيط العلوم في موقع يوتيوب قرابة 200 ألف متابع. ويباشر "قسوم" بجانب ذلك نشاطه الأكاديمي، إذ يفوق معدل الاستشهادات العلمية لأبحاثه "1500" استشهاد، وفق بيانات "جوجل سكولار".

عن التوازن والفروق بين المسار الأكاديمي وتبسيط العلوم، وعن أهمية مشاركة الأكاديميين في توصيل العلوم للعامة، كان لـ"للعلم" معه هذا الحوار.

كيف بدأت قصتك مع تبسيط العلوم، انتهاءً بـ"تأمل معي"؟

لديَّ اعتقاد راسخ أن "تبسيط العلوم" أو المشاركة في تثقيف الجمهور العام، مسؤولية أساسية في عمل الباحث أو العالم، ولا يجب أن تنفصل عن عمله الأكاديمي. لذلك بعد حصولي على درجة الدكتوراة في الفيزياء الفلكية عام 1988، انضممتُ مباشرًة إلى جمعية العلميين الجزائريين، ومن ثم ترأستها، ومن خلالها أطلقنا مجلةً علميةً للجمهور العام، ونظمنا أسبوعًا كاملًا للعلوم في العاصمة الجزائرية.
بعد ذلك بدأت بنشر الكتب الموجهة أيضًا إلى القارئ العام، وأقصد بذلك أنها لا تستلزم معرفة علمية أو تقنية معينة قُبيل قراءتها، منها على سبيل المثال كتاب "قصة الكون من التصورات البدائية إلى الانفجار العظيم" الذي شاركت في تأليفه مع الدكتور "جمال ميموني"، والذي لاقى رواجًا واسًعا في عدة طبعات، وبيعت منه آلاف النسخ، وبعدها واصلت تأليف كتب أخرى تتحرى العلاقة بين الإسلام والعلم الحديث.

ومع بزوغ عصر وسائل التواصل الاجتماعي، التي لها القدرة على الوصول إلى جمهور واسع، نشطت على منصاتها المختلفة، وقبل 6 سنوات تقريبًا أطلقتُ بالتعاون مع أحد تلامذتي برنامج "الكون" عبر موقع "يوتيوب"، تحدثنا فيه عن أبرز الموضوعات في علم الفلك، ووصلنا مؤخرًا إلى برنامج "تأمل معي"، الذي هو أيضًا برنامج يحاول رفع مستوى الثقافة العلمية، لكن على نطاق أوسع.

لا يهتم العديد من الأكاديميين بفكرة تبسيط العلوم للعامة، ما السبب من وجهة نظرك؟ وما الذي قد يجنيه الباحث لقاء اهتمامه بنشر الثقافة العلمية؟

أعتقد أن السبب الرئيسي هو أن الأكاديميين يعتقدون أن الانشغال في "تبسيط العلوم" يكون دومًا على حساب أنشطتهم البحثية، والأبحاث العلمية هي النشاط الوحيد المعترَف به في المجال الأكاديمي، فكل ما أفعله من نشاطات لتبسيط العلوم عبر برنامج "تأمل معي" أو تأليف المقالات والكتب العلمية المبسطة ونشرها، لا يُحسب لي إطلاقًا في عملي الأكاديمي، ولا يزيد فرص تعييني أو حصولي على ترقية أو ما شابه. وعليه، من حق الأكاديميين أن يروا هذا توجهًا غيرَ مجدٍ؛ إذ يأخذ الكثير من وقتنا في نواحٍ إذا نظرنا لها بشكل عام، قد تبدو ضارةً لحياتنا الأكاديمية.ولكن من جهة أخرى، كيف لنا أن نشتكي من أن المجتمع أو المسؤولين أو الإعلام لا يفهمون أو لا يهتمون بشكلٍ كافٍ بالعلوم، ولا يعطون الأكاديميين حقهم، ونحن لا نسعى لتغيير ذلك. ما أحاول قوله هو أنه من المفيد -حتى أكاديميًّا- أن تكون البيئة حولنا مثقفةً علميًّا، وهذا أحد أهم الأسباب- من وجهة نظري- التي تُوجب على الأكاديميين أن يضطلعوا بدورٍ في تبسيط العلوم ونشر ثقافة العلم.

وكيف تُوازِن بين مشاغل الحياة الأكاديمية ونشاطاتك في تبسيط العلوم؟

هي معادلة صعبة بالتأكيد؛ فالأعمال الأكاديمية متعددة، سواء أكانت على مستوى التدريس والنشاط الجامعي، أو كتابة الأبحاث ونشرها، أو تأدية ما نسميه بـ"الخدمة الأكاديمية"، التي تشمل مراجعة الأبحاث وتحكيمها، أو تنظيم المؤتمرات العلمية. ولكن مع الخبرة تزداد قدراتك على اغتنام الوقت وإدارته، ومهاراتك في التنظيم والتعاون مع عدة أفراد، بحيث يؤدي كل فرد واجبه في إطار الوقت المناسب له.

من خبرتك الطويلة في تبسيط العلوم، هل ترى الجمهور العربي محبًّا للعلوم أم كارهًا؟

هو محب للعلم لا شك، أستدل على ذلك بالاهتمام الواسع الذي حظي به خبر تصوير الثقب الأسود في العالم العربي، فمن جانبنا في "تأمل معي" على سبيل المثال، حظيت حلقتنا عن "آلية تصوير الثقب الأسود" -التي صدرت باللغة العربية فقط- بأكثر من 600 ألف مشاهدة في خلال أسبوع واحد، وهو دليل قوي أن الجمهور العربي متعطش للعلوم، ومترقب للأحداث العلمية المستجدة، ويتفاعل بشكل إيجابي حين يسعى الباحثون والأكاديميون إلى تبسيط المفاهيم العلمية له.


وما السمات الأخرى لجمهور العلوم العربي التي يجب على "مبسط العلوم" التَّنَبُّه لها؟

من أكثر الأسئلة التي تَرِدُ إلينا على حلقات برنامجنا هو "وما الفائدة من هذا؟"، لدى الجمهور العربي اعتقاد خطأ أن ما يجب الاهتمام به في العلوم، هو ما فيه فائدة مباشرة للإنسان، وهو ما يجب على موصلي ومبسطي العلوم التصدي له وتصحيحه؛ لأن الفائدة من العلوم ليست دائمًا محصورة في التطبيقات الحياتية، بل تتسع ليكون لها دورها وأهميتها الاجتماعية والثقافية والفكرية، فعلى مبسط العلوم أن يوضح فلسفة الأبحاث العلمية ومنهجيتها، ولماذا من المهم أن يعرف الإنسان أكثر دون انتظار مردود نفعي مادي مباشر.
من ناحية أخرى، فإن بعض مبسطي العلوم يلجأون إلى اقتناص الأشياء البراقة أو المدهشة في العلوم، وأنا أعتقد أن هذا خطأ؛ لأنه يصور للمتلقي أن العلوم دائمًا براقة وآسرة، والعلم لا يحمل بالضرورة تلك الصفات، العلم هو مجموعة من الأفكار المهمة التي يجب أن تُقدَّم بشكل واضح ليفهمها المتلقي، وتنفعه حتى في نمط تفكيره في حياته العامة.

لنتخيل أنك تحاول شرح مفهوم فيزيائي لتلاميذك من دارسي الفيزياء، وفي موضع آخر تعمل على شرحه وتبسيطه للجمهور العام. ما الفروق الرئيسية في "التناول- الشرح- التبسيط" في كلا الموضعين؟
عندما أشرح فكرةً أو مفهومًا أو نظريةً للطلبة المختصين بالفيزياء، أبدأ دائمًا بتعريفها، ومن ثم تحرِّي علاقتها بالنظريات الفيزيائية الأخرى، بل وسياقها التاريخي، وموقعها من باقي العلوم. 
ثم أبدأ بتوضيح أسس النظرية، ودورها أو الأسئلة التي يجيب عنها هذا المفهوم الجديد، ونبدأ في حل المعادلات الرياضية، وتَعرُّف التجارب التي تدعم النظرية أو التي تستند إليها تلك النظرية، والتطبيقات التي تبنى عليها. أما بالنسبة للجمهور العام، فعادةً ما أبدأ بمثال أو مسألة تقريبية، وربما قصة الاكتشاف أو النظرية تاريخيًّا، ليصبح المشاهد كأنه مساهم في العملية، يبحث عن إجابة للغز، وما الغرابة أو الجديد في هذا الشأن، ومن ثم نبني على ذلك تدريجيًّا حتى نصل إلى التعريف والفهم السليم. أي أننا نبدأ من الواقع الذي يعرفه المتلقي العام إلى أن نصل به إلى تفاصيل النظرية وتطبيقاتها، فلكل حالة منهجية مختلفة تمامًا، وإن تشابهت المادة المطروحة.

هل من خطط مستقبلية في مجال تبسيط العلوم؟
لدينا مشروع قائم لتوسيع قناة "تأمل معي" وإثرائها، كما أني بصدد إصدار كتاب علمي جديد، يندرج ذلك في كل الأحوال تحت مظلة زيادة الوصول والتفاعل مع الجمهور العربي، وتوضيح طبيعة العلم الأساسية دون الاهتمام الزائد بتطبيقاته وحسب، ويسعدني دائمًا المشاركة والتعاون مع أي مبادرات أو منصات إعلامية تتبع الهدف نفسه.