تعود 9٪ من أعداد وفيات الأطفال، دون سن الخامسة، إلى الإسهال الناجم عن العدوى المعوية، كما يعتبر الإسهال سببًا لسوء التغذية عند الأطفال، وهي حالة تزيد من القابلية للإصابة بالعديد من الأمراض الأخرى، التي تتضمن الملاريا والالتهاب الرئوي والحصبة، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات بين الأطفال على نحوٍ ملحوظ.

ويُعد طفيل صغير معروف علميًّا باسم "الكريبتوسبوريديوم" أحد مسببات الأمراض المعوية التي تسهم في هذه المتلازمة، وهو سبب عالمي رئيسي للوفاة عند الأطفال، ولا تزال الآليات الجزيئية المعزِّزة للمرض والتي يسببها هذا الطفيلي غير معروفة إلى حدٍّ كبير، كما لا يوجد علاج مباشر أو لقاح ضده.

والكريبتوسبوريديوم هو طفيل صغير أحادي الخلية، عندما يغزو جسم الإنسان يسكن الأمعاء الدقيقة ثم يختبئ في الجدران، مسببًا عدوى خَفِيَّات الأَبْواغ، وهي عدوى تصيب الجهاز الهضمي للثدييات، وتتسبَّب في حدوث نوبة من الإسهال المائي لدى الأشخاص الأصحاء.

وعادةً ما تزول العدوى في غضون أسبوع أو أسبوعين، أما إذا أصابت شخصًا جهازه المناعي ضعيف فقد تُصبح مُهدِّدةً للحياة.

في هذا الإطار، كشفت نتائج دراسة حديثة أجراها باحثون في كلية الطب البيطري من جامعة بنسلفانيا الأمريكية، أن الخلايا الظهارية المبطنة للأمعاء، تؤدي أدوارًا رئيسية في إطلاق استجابة مناعية مبكرة عند غزو الطفيلي للجسم؛ فعندما يدخل الطفيلي الجسم، فإن الخلايا الموجودة في الأمعاء هي أول مَن يتعرف على الغازي، مُطلِقةً الإشارة لتوليد استجابة مناعية مبكرة.

يقول آدم ساتريالي -الباحث في كلية الطب البيطري بجامعة بنسلفانيا، وقائد المجموعة البحثية للدراسة- في حديثه مع "للعلم": "على الرغم من خطورة الكريبتوسبوريديوم، إلا أن فهمنا لآليات العدوى والاستجابة المناعية لا يزال غير مُكتمل، لذا يدرس مُختبرنا تفاعل الطفيلي مع الجسم المُضيف للإجابة عن بعض الأسئلة الأساسية لتوضيح تلك الآليات".

وكان الباحثون قد أجروا تجاربهم في محاولة لاكتشاف مصدر إشارات التنبيه بوجود خطر الكريبتوسبوريديوم عند الفئران، متوقعين أن يقودهم ذلك إلى أحد أنواع الخلايا المناعية التى تنبَّهت لهذا الخطر، ولكنهم فوجئوا بأن المصدر هو بعض الخلايا المبطنة للأمعاء والتي لديها على سطحها مُستقبل NLRP6 الذي يعتبر جزءًا مما يُعرف بالجُسيم الالتهابي.

ويمكن تشبيه الجُسيم الالتهابي بجهاز الإنذار المنزلي الموصل بأجهزة استشعار على النوافذ؛ إذ يعمل مُستقبل NLRP6 كجهاز استشعار، أما الجسيم الالتهابي فهو جهاز الإنذار الذي ينبه الجهاز المناعي لوجود طفيلي دخيل.

ومن المتوقع أن تقدم نتائج الدراسة فهمًا أفضل للمراحل المبكرة من الاستجابة المناعية، الأمر الذي قد يساعد العلماء في منع العدوى أو علاج الأمراض الالتهابية الناتجة عن فرط نشاط المناعة.

نظرة عن كثب

ارتبطت عدوى الكريبتوسبوريديوم والتهاب الأمعاء المصاحب لها بسوء التغذية وتوقف النمو عند الأطفال، وفي الوقت ذاته، فإن الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عُرضةً للإصابة بالعدوى، مما يعرضهم لخطر الوفاة بشكل أكبر، ألهم ذلك الفريق البحثي لدراسة الجُسيم الالتهابي وتأثيره على مسار العدوى.

لفعل ذلك، استخدم باحثو الدراسة مجموعة نماذج حيوانية مع نوع من الكريبتوسبوريديوم يصيب الفئران، اكتشفوا مؤخرًا أنه يُحاكي العدوى البشرية وكيفية تعامُل الجهاز المناعي معها في العديد من النواحي.

وينقسم الجهاز المناعي إلي شقين: الجهاز المناعي الفطري، الذي يهاجم أي دخيل على الجسم بشكل عام، والجهاز المناعي المتخصص، وهو مسؤول عن المناعة المُكتسبة، المخصصة لنوع معين من مسببات الأمراض.

يقول أحمد دياب، أستاذ ورئيس قسم الطفيليات الطبية والمناعة بكلية الطب، جامعة أسيوط: "الجُسيم الالتهابي هو مُركب مكون من عدة بروتينات، يؤدي دورًا مهمًّا في المناعة الفطرية غير المتخصصة، ويتكون من جَرَّاء بعض المُحفزات مثل مجموعة من المواد التي تظهر في أثناء العدوى أو تلف الأنسجة أو حدوث خلل في العمليات الأيضية في الجسم، وبمجرد تكوُّنه يعمل الجسيم الالتهابي على تنشيط إنزيم يسمى كاسباس-1، ينشِّط بدوره ما يُعرف بـ"السيتوكينات المحرضة على الالتهاب"، والسيتوكينات هي نوع من الإشارات الجزيئية التي ترسلها الخلايا المناعية لتعزيز الالتهاب، وتؤدي دورًا مهمًّا في تنظيم التفاعلات الالتهابية.

تمكَّن الباحثون من إزالة إنزيم كاسباس-1 من الجُسيم الالتهابي، ووجدوا أن الحيوانات التي فقدت هذا الإنزيم لديها مستويات أعلى من العدوى، كما يؤدي فقدان مُستقبل NLRP6 إلى فشل السيطرة على العدوى.

كان من المعروف أن مُستقبل NLRP6 له دورٌ في استشعار الميكروبيوم المعوي والحفاظ عليه، والميكروبيوم المعوي هو البكتيريا التي تستعمر الأمعاء بشكل طبيعي غير ضار، بل إن له عدة فوائد، كتسهيل عملية الهضم.

ولكن الباحثين اكتشفوا أن الجُسيم الالتهابي لدى الفئران التي تفتقر إلى الميكروبيوم ينشط عند الإصابة بالكريبتوسبوريديوم، وهي علامة على أن إشارات الخطر تُطلق كاستجابة مباشرة لعدوى الطفيليات ومستقلة عن الميكروبيوم المعوي، يعلق "دياب" على ذلك بقوله: "تلقي هذه الدراسة الضوء على أن الجُسيم الالتهابي يؤدي دورًا مهمًّا في قدرة الخلايا المضيفة على إدراك وفك تشفير مجموعة متنوعة ومعقدة من الأنماط الجزيئية التي ترتبط بكلٍّ من العدوى والاستعمار البكتيري".

المناعة.. سلاح ذو حدين

يُعتبر التمييز بين العوامل المُسببة للمرض، كطفيلي الكريبتوسبوريديوم والبكتيريا المفيدة التي تعيش في الأمعاء أمرًا مهمًّا، فالجهاز المناعي الطبيعي يستجيب للطفيلي، في حين يتجاهل الميكروبيوم المعوي، وهو أمرٌ ضروري لتكوين استجابة التهابية مناسبة، إذ إن الالتهاب المستمر قد يغير البنية الخلوية وفسيولوجيا القناة الهضمية ويتسبب في تأثير دائم على الحالة الغذائية للأطفال الذين يواجهون عدوى متكررة ببعض مسبِّبات الأمراض المعوية.

لا يقتصر تأثير الالتهاب المُستمر على ذلك، فقد تصل حالات فرط نشاط الجهاز المناعي إلى أن يهاجم الجسم أنسجته ويدمرها مسببًا أمراض المناعة الذاتية.

يوضح إبراهيم شلش، أستاذ طب الطفيليات والمناعة وتقويم الدواء بمعهد تيودور بلهارس للأبحاث: "في حالة عدم انتظام نشاط الجسيم الالتهابي، قد تظهر مجموعة متنوعة من الأمراض، مثل السرطان وأمراض المناعة الذاتية والأمراض الأيضية والأمراض التنكسية العصبية".

عندما يزيد مستوى السيتوكينات عن اللازم، ربما يقود ذلك إلى خروج رد الفعل المناعي الالتهابي عن السيطرة، فيما يُعرف بـ"عاصفة السيتوكين"، وفيها تنتشر السيتوكينات في أماكن مختلفة من الجسم، وليس فقط في المناطق المصابة بالعدوى، وتبدأ في مهاجمة الخلايا السليمة، والتهام كرات الدم البيضاء والحمراء، وتدمير الكبد.

 وينقسم الالتهاب إلى نوعين: التهاب حاد قصير الأمد، ويستمر ساعات أو أيامًا قبل أن ينتهي، والتهاب مُزمن طويل الأمد يستمر شهورًا أو سنوات، وهذا الأخير يرتبط بأمراض السرطان وأمراض القلب وداء السكري والربو وألزهايمر.

العلاج والوقاية

لتتبُّع كيف يؤدي تنشيط الجُسيم الالتهابي إلى استجابة مناعية فعالة، درس الباحثون بعض السيتوكينات المُرتبطة بتلك العملية، يقول "ساتريالي": "يأخذ الجُسيم الالتهابي إشارةً صغيرةً لوجود العدوى ويضخمها لإنتاج استجابة التهابية وقائية كبيرة، اكتشفنا أن هذه الاستجابة المؤيدة للالتهابات كانت مدفوعةً بسيتوكين واحد مهم جدًّا يسمى إنترلوكين18".

يُفرز الجُسيم الالتهابي المُنشط الإنترلوكين18، الذي ينطلق بحثًا عن الخلايا الليمفاوية المقيمة في الأنسجة ليحثها على إنتاج الإنترفيرون غاما IFNγ، وهو سيتوكين آخر من شأنه تقييد نمو الطفيلي بآلية لا تزال غامضة.

وجد "ساتريالي" وفريقه أن إنترلوكين18 يزداد عند حدوث العدوى، وأن العدوى كانت أكثر شدةً عند الفئران التي تفتقر إليه، وعندما عالجوا تلك الفئران بإعطائها إنترلوكين18، تمكنوا من عكس تأثيرات العدوى وإنقاذ الفئران.

 يعتقد "ساتريالي" أن العلاج بالإنترلوكين18 وحده يمكن أن يخفف عدوى الكريبتوسبوريديوم بشكل كبير، ولكن لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين عليهم فعله.

يضيف "ساتريالي": "بعد أن فهمنا كيف يرصد الجسم حدوث العدوى، نأمل أن يرشدنا ذلك إلى طرق جديدة للعلاج والوقاية من المرض".

استغرقت الدراسة حوالي 3 سنوات لإكمالها، وتلقت الدعم المادي من مؤسسة بيل وميليندا جيتس والمعاهد الوطنية للصحة.

يقول "ساتريالي" الذي يعمل أيضًا كقائد لمختبر الكريبتوسبوريديوم في معهد فرانسيس كريك في لندن: "لا تزال الأبحاث عن الكريبتوسبوريديوم في بدايتها، ونحن نحاول تطويرها باستمرار، قد يبدو الأمر مُربكًا في بعض الأحيان، ولكن إذا قمت بتقسيم كل مشكلة وتعاملت مع كل جزء منها على حدة فعلى الأغلب سيكلَّل عملك بالنجاح".