يتضاعف عبء سوء التغذية في مصر مع وجود معدلات مرتفعة من السمنة جنبًا إلى جنب مع الأنيميا والتقزم. وتُعد مصر ضمن 36 بلدًا يتركز فيها 90% من عبء سوء التغذية العالمي، وفق تقرير نشره موقع اليونيسيف. وعلى جانب آخر، تُعد مصر أكبر مستورد للقمح على مستوى العالم، لذا فإن إيجاد بدائل لخفض واردات القمح وزراعة الأراضي المستصلحة يُعد من القضايا ذات الأهمية البالغة من حيث الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية.

في هذا الإطار، نظمت أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بمقرها في مصر، في أغسطس الماضي، ورشة عمل حول "الحلول العلمية المبتكرة فى صناعة رغيف الخبز"، قدمت من خلالها نتائج عدة دراسات حديثة، تقدم روشتة علاج متمثلة في تطوير رغيف خبز بمكونات جديدة، تسحب البساط تدريجيًّا من المكون التقليدي "القمح"، وتمُد الرغيف بقيمة غذائية مضاعفة، بما يسهم في علاج سوء التغذية، لا سيما مع ارتفاع استهلاك المصريين للخبز. إذ يبلغ متوسط الاستهلاك السنوي للفرد 889 رغيفًا، وهو أعلى معدل استهلاك على مستوى العالم، وفق دراسة للجهاز المركزي للإحصاء، حصلت مُعدَّة التقرير على نسخة منها.

Caption

الخبز المدعم بالكينوا

ويُعَد دقيق "الكينوا" أحد المكونات الجديدة المقترحة لدعم رغيف الخبز، فوفق دراسة نشرتها المجلة الدولية لعلوم الغذاء في مارس 2019، فإن دعم رغيف الخبز التقليدي بمستويات مختلفة من الكينوا أدى إلى زيادة معدلات البروتينات والأحماض الأمينية الأساسية، وكذلك الألياف والمعادن. يقول صبحي السحيمي -رئيس قسم تكنولوجيا الأغذية بمدينة البحث العلمي والتطبيقات التكنولوجية بالإسكندرية، وأحد مؤلفي الدراسة- لـ"للعلم" إنهم قاموا بتقييم رغيف الخبز المدعم بنسب (5 و10 و15 و20 و25 و30%) من دقيق الكينوا من حيث الجودة، من خلال عدة عناصر، منها الصلابة، والتماسك، والاستدارة، والقيمة الغذائية، والوقت المطلوب لاستكمال عملية الخَبز.

والكينوا من الحبوب الصالحة للأكل، كحال أنواع من النباتات مثل الشمندر والسبانخ، وتُعد من المغذيات الطبيعية التي تزود الجسم بالطاقة. وتؤكل أوراقها أيضًا كخضراوات، ولكن التسويق التجاري لها كخضراوات ورقية محدود حاليًّا. وتحتوي الكينوا على جميع الأحماض الأمينية الضرورية التي تحظى بها الأطعمة الغنية بالبروتينات، ولكنها أسهل كثيرًا في هضمها من بروتينات اللحوم، كما أن فيها محتوى أقل كثيرًا من الدهون.

 أظهرت الدراسة وجود تغيُّر طفيف في الخواص الريولوجية مع إضافة الكينوا، لكنه لم يسبب تشوُّه العجين، ولذلك يمكن إهمال هذه الآثار الشكلية مقارنةً برفع القيمة الغذائية بما يوازي ثلاثة أضعاف قيمة الرغيف الحالي، علاوةً على أن الخواص الحسية (ومنها الطعم) للرغيف الجديد ممتازة حتى مع أعلى نسبة (30%)، وذلك وفق نتائج الدراسة.

وتعني ريولوجيا الخبز، اتساقه وتدفقه في ظل ظروف معينة محددة بإحكام. وتُعد خصائص الاتساق، ودرجة السيولة، وغيرها من الخواص الميكانيكية المهمة في فهم مدة التخزين الممكنة لرغيف الخبز، وعلاقة ذلك بمدى ثباته، وقوامه، وهي مؤشرات مهمة فيما يتعلق بمراقبة جودة الغذاء في أثناء تصنيعه.

وأضاف أستاذ الكيمياء الحيوية الغذائية أن دعم رغيف الخبز بالكينوا يسهم في علاج سوء التغذية، لا سيما عند النساء والحوامل والأطفال. وتؤثر الأنيميا على 27.2% من الأطفال دون سن الخامسة، و25% من النساء في سن الإنجاب (من 15 إلى 49 عامًا)، وفق تقرير اليونيسف. وعن التكلفة على المستهلك، أشار "السحيمي" إلى أن سعر رغيف الكينوا لن يزيد كثيرًا عن الرغيف (غير المدعم) الموجود في الأسواق، وسيتراوح بين جنيه وجنيه ونصف. وأضاف أنهم بصدد التعاون مع وزارتي التموين والتربية والتعليم لعمل منتج البسكويت للأطفال في المدارس من دقيق الكينوا، كنقطة انطلاق لدخول نتائج البحث حيز التطبيق.

ارتفاع محتوى البروتين والألياف

وأوصت دراسة أخرى لمركز البحوث الزراعية في مصر، بعنوان "نحو سد فجوة القمح في مصر باستخدام الكسافا والكينوا والغوار كمكملات لإنتاج الخبز البلدي"، نُشرت في مجلة "قياس الغذاء وتوصيفه" في عام 2019، بالتوسع في زراعة الكينوا في مصر؛ لملائمتها للبيئة المصرية وفوائدها الصحية وتكلفتها المنخفضة ومحتوياتها العالية من البروتين والألياف. وذكرت الدراسة أن إحلال الكينوا محل دقيق القمح بنسبة 20% أدى إلى زيادة البروتين والدهون والألياف عن تلك الموجودة في دقيق القمح بنسب 16.4 و2.15 و1.01% على التوالي، وأعطى الخبز المصنوع من الكينوا والقمح فترة صلاحية أطول (8 أيام)، وعددًا أقل من الفطريات، في حين أعطى إحلال الكسافا محل القمح بنسبة 30% أعلى محتوى من الكربوهيدرات، بينما كانت الخصائص الحسية لنبات الغوار (من فصيلة البقوليات) رديئة.

وجبة غذائية متكاملة

طرحت دراسات أخرى دقيق الذرة والشعير باعتبارها بدائل جزئية للقمح، ومنها دراسة بعنوان "تأثير دقيق القمح المضاف إليه دقيق الشعير و/أو دقيق الذرة على نوعية الخبز البلدي"، نُشرت في 2013، وكشفت الدراسة أن دمج دقيق الشعير والذرة في الخبز البلدي يحسِّن قيمته الغذائية عبر زيادة البروتين والدهون والألياف والمعادن، مع عدم تأثُّر الخصائص الحسية بشكل كبير.

وهناك تجربة لإنتاج رغيف خبز جديد نُفذت على نطاق محدود، في محافظة كفر الشيخ في مايو 2018، حيث أنتج 10 آلاف رغيف خبز يتكون من 10% كسر أرز، و10% شعير، و35% بطاطا، و45% دقيق قمح.

ويقول عزت عابدين -رئيس بحوث بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية، في مركز البحوث الزراعية بكفر الشيخ، وصاحب فكرة المشروع- لـ"للعلم": إن الرغيف الجديد أغنى من حيث القيمة الغذائية؛ إذ يحول رغيف الخبز إلى وجبة غذائية متكاملة، لما يحتويه من كربوهيدرات، وبروتينات، ودهون، وأحماض ومعادن، مما سيُسهم في القضاء على الجوع وسوء التغذية، علاوةً على أنه أرخص في التكلفة من الرغيف الحالي عشرين قرشًا، ويظل طازجًا لمدة 4 أيام.

وأضاف أن التغذية على رغيف القمح الحالي تؤدي إلى ترسيب لاكتات القمح على جدران الخلايا تدريجيًّا، مما يقلل من نفاذية جدران الخلايا ويمنع دخول الأنسولين المحملة بالجلوكوز داخل الخلية، وهو ما يسهم في زيادة احتمالات الإصابة بمرض السكري، والضغط، وتصلب الشرايين، أما خلط كربوهيدرات الخضر النباتية (البطاطا) مع كربوهيدرات الغلال (القمح والشعير) فيقلل من ترسب اللاكتين ويمنع مرض السكري، وفق قوله.

.

المحاصيل الداعمة للقمح

وتقول وفاء عامر -أستاذ النبات بكلية العلوم جامعة القاهرة وعضو الاتحاد العالمي لصون الطبيعة- لـ"للعلم": إن إنتاجية القمح تتذبذب مع التغيرات المناخية، ومع التوقعات العالمية بتناقصها مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، وأصبح لزامًا علينا التوسُّع في زراعة المحاصيل الداعمة للقمح، مثل الكينوا والسوجم والدخن المصري والشوفان والذرة الحلبي والدخن اللؤلؤي والشعير البري والإجيلوبس وغيرها، مشددةً على ضرورة اختيار أفضلها ملاءمةً للبيئة المصرية.

وأضافت أننا نحتاج إلى بناء قدرات المزارعين والمصنعين والمستهلكين وصناع القرار والمرشدين الزراعين للترويج العلمي لكيفية زراعة مثل هذه المحاصيل واستخدامها وتنميتها، وفائدتها الحالية والمستقبلية، الصحية منها قبل الاقتصادية.

 وقالت نادية حسني -رئيس قسم بحوث الخبز والعجائن بمعهد تكنولوجيا الأغذية- لـ"للعلم": إن الوقت حان لتطوير رغيف الخبز الحالي، سواء من خلال إضافة الشعير أو الذرة أو الكينوا وغيرها من المكونات التي ترفع قيمته الغذائية، وعمل مخبوزات وبسكويت لطلاب المدارس من هذه المواد بما يُسهم في تغذيتهم بشكل سليم، وتقليص معدلات الأنيميا ونقص الوزن والتقزم، وغيرها من تبعات سوء التغذية.