لا تزال جائحة كوفيد-19 تسبب عبئًا وتحديًا هائلًا لأنظمة الرعاية الصحية في جميع أنحاء العالم، ونشهد الآن تصاعد الموجة الثانية من انتشار الفيروس وسط خوف وترقُّب لنتائج اللقاحات المُختلفة، ولا تزال هناك حاجة عالمية مُلِحَّة إلى وجود لقاح شامل لتغطية جميع سلالات الفيروس، كما أنه لا يوجد علاج فعال ضد الفيروس حتى الآن، فى هذا الإطار، نشر باحثون من جامعة كارديف البريطانية فرضية نظرية مُدعمة بالأدلّة العلمية في دورية "فرونتيرز إن ميديسين" حول إمكانية استخدام غاز ثاني أكسيد الكربون الطبي في علاج مرضى كوفيد-19 وتخفيف العدوى الفيروسية بفيروس كورونا المستجد.

ثاني أكسيد الكربون CO2، هو ذاته الغاز الذي ننتجه في عملية التنفس والمعروف بأنه السبب وراء الاحتباس الحراري، ولكن ما قد لا تعرفه عن هذا الغاز هو أنه يُعتبر مضادًّا آمنًا للميكروبات، وله تطبيقات طبية مهمة، فهو يعمل كمضاد للأكسدة ومضاد للالتهابات ومُحفز للجهاز المناعي، ويعتقد الباحثون أنه قد يكون فعالًا ضد فيروس الكورونا المستجد.

يقول علاء البيطاني، الباحث في كلية الصيدلة بجامعة كارديف البريطانية، والمدرس في كلية العلوم بجامعة دمياط، والباحث الرئيسي في الدراسة: "نعتقد أن استنشاق الإنسان لكمية مُحددة من غاز ثانى أكسيد الكربون الرطب والدافئ يوميًّا باستخدام جهاز رخيص جدًّا مُصمم لذلك، وبطريقة مدروسة علميًّا تحت إشراف ومتابعة طبية، سيؤدي إلى قتل الفيروس داخل رئة الأشخاص المصابين بفيروس كورونا المستجد، بالإضافة إلى تحسين بعض أعراض مرض كوفيد-19، مما يؤدي إلى الحد من انتشار الفيروس وتقليل عدد الإصابات".

اكتشاف من الطبيعة

بعد أن أعلنت مُنظمة الصحة العالمية في مارس الماضي أن عدوى كوفيد-19 هي جائحة عالمية، شرع الباحثون من جميع أنحاء العالم في توجيه جهودهم إلى ثلاثة محاور وهي: التشخيص السريع للفيروس، ومنع انتشار العدوى، وإيجاد علاج شامل وفعال للمرض والمضاعفات الناتجة عنه، يتمتع الفريق البحثي الذي يقوده "البيطاني" بخبرة في تخليق المركبات الكيميائية الجديدة المضادة للبكتيريا والفيروسات، لذا بدأوا بالعمل على المحور الثالث عن طريق إيجاد علاج مبتكر.

قبل أسبوع واحد فقط من الإغلاق التام في بريطانيا خلال عطلة نهاية الأسبوع، دار نقاش علمي بين "البيطاني" وزوجته إيناس بحيري -الباحثة في معهد العدوى والمناعة بالجامعة نفسها والمشاركة في الدراسة- في أثناء تجولهم حول البحيرة القريبة من منزلهم في مدينة كارديف البريطانية، وسط الأشجار والطبيعة تذكر "البيطاني" أن الحلول المبتكرة غالبًا ما تأتي من الطبيعة.

في عملية البناء الضوئي تستهلك النباتات غاز ثانى أكسيد الكربون والضوء والماء لإنتاج الأكسجين والسكريات، تأمَّل "البيطاني" الأمر وفكر في غاز ثانى أكسيد الكربون الذي هو على معرفة جيدة بخواصه الفيزيائية والكيميائية والحيوية وبعض تطبيقاته في المجالات الطبية، وبعد ثلاثة أشهر من البحث انتهى "البيطاني" من كتابة المسودة الأولى لفرضيته النظرية الجديدة، وشرع في عرضها على علماء متخصصين، ثم عدَّلها وفقًا لتوصياتهم قبل أن ينشرها في ديسمبر الماضي.

لا تزال الآلية التي يعمل بها غاز CO2 كمضاد للميكروبات والفيروسات غير واضحة بشكل كامل، ولكن الدراسة لخصت ما نعرفه حتى الآن، وهو أن تفاعل غاز CO2 مع الماء ينتج حمض الكربونيك، الذي يغير الأس الهيدروجيني (pH) ويزيد الحامضية، مما يسبب خللًا في القشرة البروتينية المحيطة في الفيروس ويزيد من نفاذية غاز  CO2إلى داخل الفيروس ويدمره.

العلاج بالغازات

يقول "البيطاني": "العلاج بالغازات من الطرق العلاجية التي تستخدم غازات مثل الأكسجين وثاني أكسيد الكربون وأول أكسيد النيتروجين وغاز الأوزون، كثير من هذه الغازات يحتاج إليها الجسم أو ينتجها في أثناء عملية التنفس أو من خلال بعض الهرمونات والإنزيمات كأحد الطرق الدفاعية ضد أي عدوى خارجية".

علاء البيطاني، الباحث في كلية الصيدلة بجامعة كارديف البريطانية، والباحث الرئيسي في الدراسة credit: Alaa M. M. El-Betany

وفقًا للدراسة التي أجراها البيطاني وزملاؤه فإن العلاج بالغازات يُعتبر إستراتيجية فعالة للغاية لتثبيط نشاط الفيروس، ولكن الغازات لها جوانب نافعة وأخرى ضارة، على سبيل المثال فإن غاز أول أكسيد الكربون (CO) يعتبر غازًا قابلًا للاشتعال وسامًّا للغاية، إذ يُشار إليه باسم "القاتل الصامت"، وذلك لأنه يرتبط بهيموجلوبين الدم بدلًا من الأكسجين، وبذلك يمنع أعضاء الجسم من التزود بالأكسجين اللازم للحياة، ومع ذلك، فقد ثبت أن له تأثيرًا مضادًّا للميكروبات والفيروسات، إذ أظهرت التجارب السريرية أن إعطاء تركيزات منخفضة من أول أكسيد الكربون هو خيار جيد وآمن للمرضى الذين يعانون من الالتهاب الرئوي وتعفُّن الدم.

كذلك غاز الأوزون (O3) على الرغم من أن استنشاقه بتركيزات عالية قد يُلحق الضرر بالرئتين ويسبب ألمًا في الصدر وسعالًا وضيقًا في التنفس وتهيجًا في الحلق، ويزيد من سوء أمراض الجهاز التنفسي المزمنة مثل الربو، وكذلك يقلل من قدرة الجسم على مكافحة التهابات الجهاز التنفسي، إلا أن دراسة سابقة أثبتت أن العلاج بغاز الأوزون يُعطل الفيروسات التي تنتشر عبر الهواء، وتقترح دراسة أمريكية أن العلاج بغاز الأوزون قد يكون خيارًا فعالًا ومنخفضًا التكلفة لمكافحة فيروس الكورونا، هناك أيضًا ما لا يقل عن أربع تجارب سريرية تُجرى حاليًّا لاختبار استنشاق غاز أكسيد النيتريك (NO) على مرضى كوفيد-19.

تطبيقات CO2

تُشير الخصائص الفيزيائية والبيولوجية أن غاز CO2 الدافئ الرطب له العديد من التأثيرات الحيوية ويقدم مفهومًا جديدًا لعلاج كوفيد-19، يقول "البيطاني": "يُعتبر ثاني أكسيد الكربون غازًا رخيصًا جدًّا ومتوافرًا وأكثر أمانًا من الغازات الأخرى بالنسبة للتطبيقات الطبية، ولذلك يُستخدم منذ بداية القرن العشرين بكثافة في العديد من التطبيقات الطبية العلاجية؛ إذ يُستخدم في عمليات التخدير ممزوجًا ببعض الغازات الأخرى، ويُستخدم في أثناء عمليات جراحات المناظير وفي معالجة الأمراض المعدية، خاصةً الأمراض الجلدية والصدرية، ومعالجة تسوس الأسنان، ويُستخدم كعامل مساعد أو كحامل لبعض أدوية تخفيف الآلام وتمديد الأوعية الدموية، ويُستخدم في تحفيز عملية التنفس وتهدئة التهاب الأنسجة الرئوية، وموسعًا للشعب الهوائية، ويعالج جلطات الرئة".

وشدد البيطاني على أنه بالرغم من فوائد الغاز المتعددة واستخدامه في كثير من التطبيقات الطبية، إلا أن استخدامه بتركيزٍ عالٍ ومن دون إشراف طبي، قد يسبب مضاعفات خطيرة تؤدي إلى التسمم والوفاة".

أشاد فايد عطية -باحث الفيروسات الطبية والمناعة بمدينة الأبحاث العلمية في الإسكندرية، وأستاذ مساعد بقسم الفيروسات والمناعة والخلايا الجذعية بكلية الطب، جامعة شانتو الصينية- بالدراسة وأهميتها، ووصفها بأنها مفصلة بشكل جيد وتحاول الإجابة عن العديد من الأسئلة المهمة فيما يتعلق بالجائحة بشكل عام أو حول الفرضية المقترحة، ويقول "عطية" في حديثه مع "للعلم": "أثبتت التجارب الإكلينيكية أن غاز CO2 يهدئ من شدة عاصفة السيتوكين، التي تُعدُّ من أخطر التوابع التي تنتج عن فيروس الكورونا، ويعمل الغاز على تقليل رد الفعل المناعي، وذلك عند استخدامه بتركيزات محددة وعند pH محدد".

ويضيف "عطية": "عاصفة السيتوكين هي زيادة الاستجابة المناعية بشكل عنيف ويبدأ الجهاز المناعي في مهاجمة الخلايا المُصابة وغير المُصابة بالفيروس سواء في الرئة أو أعضاء أخرى من الجسم، مُسببةً ما يُعرف بمتلازمة الاختلال العضوي المتعدد MODS، وهي فشل في عدة أعضاء داخل الجسم، مما يؤدي إلى الوفاة".

ويعتقد "عطية" أن الباحثين كانوا موفَّقين في اختيارهم لغاز ثاني أكسيد الكربون؛ إذ يقول: "قد يكون CO2 أفضل الغازات وأكثرها أمانًا للاستخدام في العلاج بالغازات، وذلك لأنه متوافق حيويًّا مع الجسم، أي أن الجسم يعرفه جيدًا ويعرف كيف يتخلص منه، وله العديد من التطبيقات الطبية التي تُرجح استخدامه، سواء استنشاقه بشكل مُباشر أو استخدامه كحامل لأدوية أخرى بهدف توصيلها إلى الرئة".

أكد "البيطاني" أن الفرضية المُقترحة بُنيت على بعض النتائج المعملية الأولية، وأنه لا يزال هناك وقت لتأكيد مدى فاعليتها في معالجة الأشخاص المصابين.

شكوك وتحفُّظات

ولكن رضوى شرف، باحثة في شركة "فونديشن ميديسن" للتكنولوجيا الحيوية، تختلف مع ذلك، وتقول في حديثها مع "للعلم": "تشمل التدابير الوقائية ارتداء قناع طبي والتباعد الاجتماعي والتطعيم وما إلى ذلك، وكلها تدابير لمنع الإصابة بالعدوى أو منع تكاثر الفيروس داخل الجسم، وأعتقد أن الفرضية التي يقترحها المؤلفون لا تُعتبر إجراءً وقائيًّا"، وتعتقد "شرف" أن الفكرة قد تنجح في المراحل المبكرة من العدوى الفيروسية، والتي يتأثر خلالها عملية تكاثر الفيروس، ولكن بمجرد اجتياز هذه المرحلة قد لا ينجح هذا المقترح.

وتضيف "شرف": "إذا كان المريض يعاني صعوبةً في التنفس، أو كان مصابًا بالتهاب رئوي، ومستوى الأكسجين في الدم أقل من الحدود الموصى بها، فالأَولى إعطاء المريض الأكسجين وليس CO2".

يواجه فريق "البيطاني" بعض التحديات، وأهمها تقبُّل المجتمع العلمي للفرضية، يوضح "البيطاني": "من الطبيعي أن يرفض العلماء أي نظرية أو فرضية جديدة حتى تُثبت بالتجارب العلمية، كما يرفض البعض النظريات الجديدة خاصةً تلك التى كوّنها فريق من تخصصات علمية عديدة multidisciplinary"، كما يواجه الفريق عقبةً أخرى حول تطبيق هذا المشروع، ويضيف "البيطاني": "للدخول في مرحلة التجارب السريرية لا بد من التأكد أن الإستراتيجية العلاجية آمنة وفعالة للتجربة على البشر، للتغلب على ذلك استشرنا الكثير من العلماء المتخصصين في جامعات كارديف وأكسفورد وكامبريدج في بريطانيا وجامعة هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT بالولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك رؤساء تحرير كبرى الدوريات العلمية مثل ساينس ونيتشر وذا لانسيت، وكانت خلاصة الاقتراحات أن ننشر فكرتنا كنظرية فرضية مبتكرة لتنبيه العلماء في المراكز البحثية والجامعات وحثهم على إجراء التجارب لإثبات هذه الفرضية أولًا".

يجد إسلام حسين -الباحث في علوم الفيروسات، والذي يعمل في شركة "ميكروبيوتكس" المتخصصة في إنتاج وتطوير الأدوية المضادة للميكروبات- أن الفرضية صعبة التصديق ويقول: "الفرضية ضعيفة جدًّا؛ إذ تفتقر إلى الدراسات التجريبية التي تدعمها بشكل واضح"، أما جاري ماكلين -أستاذ المناعة الجزيئية والعلوم البيولوجية بكلية العلوم الإنسانية، ومدير مركز أبحاث الخلية والمناعة الجزيئية بجامعة لندن متروبوليتان- فيعتقد أن الدراسة جديرة بالاهتمام وتستحق المزيد من البحث، ولكنه لا يعتقد أن الأمر سيكون سهلًا.

يوضح "ماكلين" في حديثه مع "للعلم": "مرض كوفيد-19 متباين للغاية من حيث الشدة والاستجابة للعلاج، كما أفادت الدراسة أن الباحثين ينوون تجربة العلاج بالغاز مع أدوية أخرى، وفي هذه الحالة سيكون من الصعب تحديد مدى فاعلية الغاز، لذا سيحتاج الباحثون إلى إجراء دراسة كبيرة لحل هذه المشكلات".

قدمت الدراسة التي نشرها "البيطاني" وزملاؤه بروتوكولًا علاجيًّا افتراضيًّا ومبدئيًّا، وأوضحوا بعض الاختلافات عند التعامل مع المرضى من مختلف الفئات، سواء مَن لا يعانون من أعراض أو مَن يعانون من أعراض خفيفة أو متوسطة أو مَن يعانون من أعراض شديدة، ولكن "عطية" أشار إلى أن الدراسة كان ينقصها عرض الآثار الجانبية المُحتملة أو المشكلات الصحية على المدى البعيد.

نحو تأكيد الفرضية

فيما يخص الخطوات المُستقبلية، يقول"ماكلين": "سيكون من الأفضل اختبار هذه النظرية على الفيروس نفسه داخل المعمل أولًا، إذ إن هذا العلاج يقضي على الفيروس ويمنع إصابة الخلايا، وإذا كانت النتائج واعدة، حينها يمكن تجربته على البشر"، وهذا ما شرع الباحثون في فعله، إذ انتهى الفريق البحثي من التجارب الأولية -والتي لم تُنشر نتائجها بعد- لقياس مدى فاعلية غاز ثاني أكسيد الكربون على بعض الميكروبات داخل نماذج حيوية شبيه بالرئة البشرية في المعمل.

يقود "البيطاني" هذا المشروع بالتعاون مع فريق بحثي متعدد التخصصات من بريطانيا وأمريكا، وأوضح "البيطاني" أنهم يتفاوضون في الوقت الحالي مع إحدى الشركات البريطانية الكبرى المتخصصة في هذا المجال لاستكمال باقي التجارب الأولية على فيروس كورونا، ويبحثون البدء في التجارب السريرية كذلك، كما يتوقع أن يُسهم العلاج المُبكر بغاز CO2 في تقليل أعداد الإصابات والوفيات الناتجة عن فيروس كورونا، ويأمل أن تكون خط الدفاع الأول في مواجهة أي جائحة مستقبلية.

تساءل "عطية" عما إذا كان الفريق البحثي قد فكر في إستراتيجية علاج تعتمد على استخدام مزيج من الغازات المفيدة، ورد "البيطاني" بأنهم يعملون على ذلك بالفعل مع بعض العوامل الأخرى التي يعتقدون أنها ستؤدي إلى نجاح هذه الإستراتيجية العلاجية مثل: تحديد الجرعة وكثافة الغاز ومدة العلاج، كذلك تحديد الخواص الكيميائية والفيزيائية لفقاعات الغاز المستخدمة، وأيضًا طريقة العلاج التي يعملون عليها حاليًّا بالتعاون مع باحثين من جامعة أكسفورد.